قوله: «وكره» اعلم أن المكروه في اصطلاح الفقهاء غير المكروه في الكتاب والسنة، فالمكروه في الكتاب والسنة يراد به المحرم، كما في قوله - تعالى - لما ذكر المنهيات العظيمة قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا *﴾ [الإسراء]، وفي الحديث عن - النبي ﵊: «إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (^١)، فالكراهة في لسان الشرع يراد بها المحرم إذا كانت في الأحكام الشرعية.
وأما الكراهة عند الفقهاء فمرتبة بين المباح والمحرم، يثاب تاركها امتثالًا، ولا يعاقب فاعلها.
قوله: «النثار» وهو أن يُنثر في الوليمة طعام، أو فلوس، أو ثياب، فهذا مكروه، فإن كان المنثور طعامًا، فمكروه لسببين:
الأول: إن فيه امتهانًا للنعمة.
الثاني: أن فيه دناءة وخلافًا للمروءة، لا سيما إذا كان من الشرفاء والوجهاء، أما عامة الناس فلا يكره منهم الالتقاط.
وإذا كان مالًا كان إفسادًا له وإضاعة، ولو قيل بالتحريم في مسألة الدراهم، أي: الأوراق النقدية، لكان له وجه؛ لأنه عرضة لإتلاف المال وإضاعته، وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يكره النثار، واحتجوا بما
_________________
(١) أخرجه البخاري في الزكاة/ باب قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (١٤٧٧)؛ ومسلم في الأقضية/ باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة … (٥٩٣) عن المغيرة بن شعبة ﵁.
[ ١٢ / ٣٤٤ ]
جاء في الحديث في الأضحية أن الرسول ﵊ ضحى عنده رجل فقال: «من شاء اقتطع» (^١).
وعندي أن في هذا الاستدلال نظرًا؛ لأن هذا الرجل ما نثر، وإنما قدمها تقديمًا، ورخص للناس بالأكل، كما لو قدم طعامًا، وقال للناس: تفضلوا؛ فهذا ليس بنثار، ففرق بينهما، وهذا لا بأس به، وجرت به العادة.
قوله: «والتقاطه» أي: يكره أخذ المنثور لما فيه من الدناءة، وعند الفقهاء - كما سيأتينا في باب الشهادات - أن الشهادة يعتبر لها شيئان: الصلاح في الدين، واستعمال المروءة، وعلى هذا فمن ذهب إلى النثارات ليلتقط منها يعتبر ساقط المروءة، فلا تقبل شهادته.
قوله: «ومن أخذه، أو وقع في حجره فله» أي: من أخذ النثار، أو وقع في حجره فهو له، أما من أخذه فظاهر، وأما من وقع في حجره، فلا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون قد أعد حجره لاستقباله، فهذا واضح أنه يكون له.
الثانية: أن لا يكون قد أعد حجره لذلك، بل هو غافل، فهذا - أيضًا - النثار له، وإن لم يقصد التملك، وعلى هذا فمن أخذه من حجره، فعليه أن يرده إليه، ولو أن أحدًا جاء بسرعة فلما رآه أهوى والتقطه، ولو تركه لوقع في حجر الرجل، فهذا
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ٣٥٠)؛ وأبو داود في المناسك/ باب في الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ (١٧٦٥) عن عبد الله بن قرط ﵁، وصححه في الإرواء (١٩٥٨).
[ ١٢ / ٣٤٥ ]
يجوز؛ لأن المؤلف يقول: «أو وقع في حجره»، ولم يقل: أو أهوى إلى حجره.
ولو أنه حين وقع في حجره نفضه فهو لمن أخذه؛ لأن نفضه إياه يعني عدم قبوله، والهبة لا تلزم إلا بالقبول والقبض.
ولو أن أحدًا أتى ببساط، واستعان بأشخاص آخرين، وقال: نجعل البساط على الناس حتى يقع كله على البساط، فهذا لا يجوز؛ لأنه يريد أن يتحجر، مثل الذي يتحجر مكانًا في المسجد.
قوله: «ويسن إعلان النكاح» أي: إظهاره، مأخوذ من العلانية التي هي ضد السر، فيسن إعلانه؛ لقول النبي ﷺ: «أعلنوا النكاح» (^١) فأمر بإعلانه، ولما في ذلك من إظهار هذه الفضيلة وهي النكاح، فإن النكاح من سنن المرسلين، كما قال النبي ﷺ عن نفسه إنه يتزوج النساء (^٢)، وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]، وما كان كذلك فإنه ينبغي إعلانه.
وأيضًا إعلانه فصل ما بين السفاح والنكاح؛ لأن السفاح، والعياذ بالله - وهو الزنا - إنما يفعله من يفعله سرًا، وأما النكاح فيسن إعلانه والجهر به.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٩٥).
(٢) أخرجه البخاري في النكاح/ باب الترغيب في النكاح (٥٠٦٣)؛ ومسلم في النكاح/ باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه … (١٤٠١) عن أنس ﵁.
[ ١٢ / ٣٤٦ ]
وقوله: «يسن» هذا هو المشهور من المذهب، وقيل: إنه يجب إعلان النكاح؛ لأمر النبي ﷺ به، وهنا ثلاثة أشياء:
إعلان، وإسرار، وتواصٍ بكتمانه، أما الإعلان فهذا هو المشروع، وأما الإسرار بدون تواصٍ بكتمانه، فهذا خلاف المشروع، وعلى قول من يرى أن الإعلان واجب يكون إسراره معصية، يأثم الإنسان عليها.
وأما التواصي بكتمانه بأن يقول الزوج، أو الزوجة، أو وليها: هذا سر بيننا، لا تخبروا أحدًا، فهذا لا شك أنه إثم، بل إن بعض أهل العلم قال: إنه يبطل بذلك النكاح؛ لأنه خلاف النكاح الصحيح، وهذا مذهب مالك ﵀.
فإن قال قائل: إذا كان في إسراره فائدة، ولم يتواصَ الناس بكتمانه ولكن أسروه، فهل هذا جائز؟
فالجواب: هذا ينبني على اختلاف القولين، إن قلنا: إن الإعلان واجب فإنه لا يجوز إسراره، وإن قلنا: إنه ليس بواجب جاز إسراره إذا كان في ذلك مصلحة، مثل أن يخشى الإنسان إذا كان معه زوجة أخرى، إذا أعلنه أن تتفكك العائلة، فهذا لا بأس به على القول بأنه سنة.
ويعلن بوسائل الإعلان المعروفة، منها مثلًا الدف، ومنها ما كان يفعل في الزمن الأول لما لم تكن أنوار كهرباء، يمشي الزوج من بيته إلى بيت الزوجة ومعه أنوار مصابيح.
ومن الإعلان مزامير السيارات، ولكن فيه غلو؛ لأنه مزعج جدًا، ومن الإعلان - أيضًا - الأنوار التي تكون على بيت الزوج
[ ١٢ / ٣٤٧ ]
والزوجة، وفيها غلو أيضًا؛ لأنهم يسرفون فيها، ومن الإعلان أيضًا ما ذكره بقوله:
«والدف فيه للنساء» الدَّف بالفتح وبالضم، أي: يسن الضرب بالدف لكنه للنساء، فهاهنا أمران:
أولًا: أن الذي يسن الدُّف، وهو غير الطبل والطار، فالدف يجعل الرق والجلد على وجه واحد منه، وأما الطبل والطار فبعضهم قال: هي الكُوْبة التي ورد فيها النهي (^١)، يكون فيه الرَّق من الوجهين جميعًا، وهذا موسيقاه أكثر من الموسيقى الذي فيه الجلد من وجه واحد، ولهذا اشترط الفقهاء في الدف أن لا يكون فيه حلق ولا صنوج، وأخرجوا من ذلك الطبول، فقالوا: لا تسن في النكاح.
ثانيًا: أنه للنساء خاصة دون الرجال، والدليل على أن ذلك أن عائشة ﵂ أخبرت الرسول ﷺ بأنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال: «ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو» (^٢)، وفي السنن: «هلاَّ بعثتم معها من يغني» (^٣)، فهذا يدل على أنه يسن الدف وأن يصحبه غناء أيضًا، ولكنه الغناء النزيه
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (١/ ٢٧٤)؛ وأبو داود في الأشربة/ باب ما جاء في السكر (٣٦٨٥) عن عبد الله بن عمرو ﵁، وأخرجه أيضًا في الأشربة/ باب في الأوعية (٣٦٩٦) عن ابن عباس ﵄، وصححه ابن حبان (٥٣٤١) ط/ الأفكار الدولية، وانظر التلخيص (٢١٢٤).
(٢) أخرجه البخاري في النكاح/ باب النسوة اللاتي يهدين الزوجة … (٥١٦٢) عن عائشة ﵁.
(٣) أخرجه أحمد (٣/ ٣٩١) عن جابر ﵁، وابن ماجه في النكاح/ باب الغناء والدف (١٩٠٠) عن عائشة ﵂، وحسنه في الإرواء (١٩٩٥).
[ ١٢ / ٣٤٨ ]
الطيب المنبئ عن السرور والبهجة، مثل: «أتيناكم أتيناكم فحيَّانا وحيَّاكم» (^١)، وما أشبه ذلك من الكلمات الترحيبية الطيبة، أما الأغاني الماجنة فلا يجوز.
وقوله: «للنساء» ظاهره أنه لا يسن للرجال، لكن قال في الفروع: وظاهر الأخبار، ونص الإمام أحمد أنه لا فرق بين النساء والرجال، وأن الدف فيه للرجال كما هو للنساء؛ لأن الحديث عام: «أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالغربال» (^٢) أي الدف، ولما فيه من الإعلان، وإن كان الغالب أن الذي يفعل ذلك النساء، والذين قالوا بتخصيصه بالنساء وكرهوه للرجال، يقولون: لأن ضرب الرجال بالدف تشبه بالنساء؛ لأنه من خصائص النساء، وهذا يعني أن المسألة راجعة للعرف، فإذا كان العرف أنه لا يضرب بالدف إلا النساء، فحينئذٍ نقول: إما أن يكره، أو يحرم تشبه الرجال بهن، وإذا جرت العادة بأنه يُضرب بالدف من قبل الرجال والنساء فلا كراهة؛ لأن المقصود الإعلان، وإعلان النكاح بدف الرجال أبلغ من إعلانه بدف النساء؛ لأن النساء إذا دففن فإنما يدففن في موضع مغلق، حتى لا تظهر أصواتهن، والرجال يدفون في موضع واضح بارز، فهو أبلغ في الإعلان، وهذا ظاهر نص الإمام أحمد ﵀ وكلامِ الأصحاب حتى «المنتهى» الذي هو عمدة المتأخرين في مذهب الإمام أحمد، ظاهره العموم وأنه لا فرق بين الرجال والنساء في مسألة الدف.
_________________
(١) انظر: الحديث السابق.
(٢) سبق تخريجه ص (٩٥).
[ ١٢ / ٣٤٩ ]
ولكن لو ترتب على هذا مفسدة نمنعه، لا لأنه دف، وإنما نمنعه للمفسدة، وهكذا جميع المباحات إذا ترتب عليها مفسدة منعت، لا لذاتها ولكن لما يترتب عليها.
وهناك آلات عزف أخرى كالمزامير، والطنابير، والرباب، وما أشبهها، وهذه لا تجوز بأي حال من الأحوال لحديث أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف» (^١).
«الحِرَ» يعني الفرج، والمراد الزنا، والخمر كل ما أسكر، والحرير نوع معروف مما يلبس، لكنه لا يحرم على النساء لدعاء الحاجة إلى لبسه، والمعازف معروفة، واستحلالها نوعان: إما اعتقاد أنها حلال، كما يلبس ثوبه، وإما فعلها فعل المستحل مع اعتقاد أنها حرام، وكلا الأمرين موجود الآن، فمن الناس من يرى حل المعازف، إما عن اجتهاد، أو تأويل، وإما مجرد هوى، فيقول: الناس مختلفون في هذه المعازف، وأنا أرى أنها حلال، بدون أي اجتهاد، ومنهم من يفعلها فعل المستحل.
أما الأول: فوقع فيه علماء أجلاء، وضعفوا حديث أبي مالك الأشعري ﵁ بأن البخاري ﵀ رواه معلقًا، والمعلق نوع من أنواع الضعيف، وقالوا: إن المعازف حلال، وممن قال بذلك ابن حزم الظاهري ﵀.
ولكن هذا القول ضعيف، وتعليل الحديث بالانقطاع - أيضًا ـ
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأشربة/ باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه (٥٥٩٠) عن أبي عامر الأشعري ﵁.
[ ١٢ / ٣٥٠ ]
ضعيف؛ لأن البخاري ﵀ رواه جازمًا به، وما رواه البخاري معلقًا مجزومًا به فهو صحيح عنده، ثم إن الحديث قد روي موصولًا من طرق أخرى، وله شواهد كثيرة في الوعيد على من يستمعون إلى المعازف.
فالحديث لا شك في صحته، لكن ابن حزم رجل مجتهد، والمجتهد قد يخطئ وقد يصيب، وهناك أناس ليسوا أهل اجتهاد ولا أهل علم، ولكن يحكِّمون الهوى، يقولون: المسألة فيها خلاف، وما دامت المسألة خلافية فأمرها هين، فيعتقدون حله بناءً على الخلاف، وما ذاك إلا لهوى في أنفسهم، وكما قال الأول (^١):
وليس كل خلاف جاء معتبرًا
إلا خلاف له حظ من النظرِ
وهذا لا حظ له من النظر، ومن أراد استقصاء هذه المسألة بأدلتها فعليه مراجعة كتاب: (إغاثة اللهفان) لابن القيم ﵀ فقد أجاد في ذلك وأفاد.
وإذا كانت المعازف حرامًا فإنه لا يحل منها إلا ما خصه الدليل، وبالقيود التي جاءت به.
وهذه قاعدة مهمة إذا جاءنا نص عام، ثم ورد تخصيصه فإنه يتقيد - أي التخصيص - بالصورة التي ورد بها النص فقط، مثلًا: وردت إباحة الدف في موضعه، فهل يمكن أن يقول قائل: إذًا جميع آلات العزف تباح في مثل هذه المناسبات قياسًا على الدف؟
الجواب: لا يصح؛ لأن التخصيص إذا ورد يجب أن يكون
_________________
(١) أبو الحسن ابن الحصار نقله عنه السيوطي في الأتقان (١/ ٤١).
[ ١٢ / ٣٥١ ]
في الصورة المعينة التي ورد بها، ولا يمكن أن تقاس بقية المعازف على الدف؛ لأنها أشد تأثيرًا من الدف؛ وذلك لأصواتها ورناتها، والنفوس تطرب بها أكثر مما تطرب بالدف.
ثم إن بعضهم يختار أحسن النساء صوتًا ويجعلها تغني، ثم لا يجعلون بين النساء والرجال سوى جدار قصير يمنع الرؤية، ولكن لا يمنع الصوت، فيحصل بذلك فتنة، وأحيانًا - والعياذ بالله - يجعلون مكبرات صوت على الأسواق، وهذا لا شك أنه فتنة، فإذا وصل إلى هذا الحد فإنه يجب على ولاة الأمور منعه، وأن ينبه الناس على أن هذا ليس هو الوارد.
قال في الروض (^١): «وكذا ختان، وقدوم غائب، وولادة، وإملاك».
أما الختان فهو قطع قلفة الذكر، فيسن فيه - على كلام صاحب الروض - الضرب بالدف.
وأما قدوم الغائب، فقد جاءت السنة بإباحته، فقد أتت امرأة إلى النبي ﷺ وقالت له: إني نذرت إن ردك الله سالمًا أن أضرب بالدف بين يديك، فقال: «أوفِ بنذرك» (^٢)، ولو كان هذا معصية لمنعها من الوفاء بالنذر؛ لأنه لا وفاء لنذر في معصية الله.
_________________
(١) الروض المربع مع حاشية ابن قاسم (٦/ ٤١٨).
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٥/ ٣٥٣، ٣٥٦)؛ والترمذي في المناقب/ باب في مناقب عمر بن الخطاب ﵁ (٣٦٩٠) عن بريدة ﵁، وقال: حسن صحيح غريب، وصححه ابن حبان (٤٣٨٦)؛ والحافظ في التلخيص (٢١٢٣).
[ ١٢ / ٣٥٢ ]
ولكن هل يشترط في الغائب أن يكون له جاه، وشرف، ومكانة، كأمير، ووزير، وما أشبه ذلك؟
الظاهر نعم بناء على القاعدة التي ذكرناها، وهي أن ما خرج عن العموم وجب أن يتقيد بما قيد به من حيث النوع، والوصف، والزمان، والمكان، وكل شيء؛ لأن الأصل العموم، فالظاهر أنه لا يجوز إلا لمن له شأن في البلد.
فإذا قال قائل: إذا كان الرجل ليس له شأن في البلد، لكن له شأن في قبيلته، مثل ما يكون في البادية مثلًا، فهل يضرب بالدف لقدومه؟
الجواب: نعم، يضرب بالدف لقدومه؛ لأنه فرح.
كذلك - أيضًا - في أيام العيد يجوز الدف للرجال والنساء على حد سواء؛ وذلك لأنه فرح عام، كلٌ يفرح به، وهو يوم سرور، والدف لا شك أنه يدخل السرور على الإنسان، ويفرح به ويسر.
وهل نطرد هذا في كل مناسبة فرح؟
الظاهر أننا لا نطرده إلا في فرح يكون عامًا، كالأعياد، وقدوم الغائب الذي له شأن في البلد، وما أشبه ذلك، وإلا فيقتصر على ما ورد.
وكذلك الولادة، إذا ولد للإنسان ولد أو بنت يضربون بالدف.
وكذلك الإملاك وهو عقد المِلكة، وقد يكون داخلًا في قول المؤلف «النكاح»؛ لأن النكاح كما يكون بالدخول يكون بالعقد.
[ ١٢ / ٣٥٣ ]
وكون صاحب الروض يرى هذا من باب الاستحباب فيه نظر، والصواب أنه لا يتجاوز الإباحة؛ لأن النكاح له شأن خاص، وقد أمر النبي ﷺ بإعلانه (^١)، وأما هذه الأمور فغاية ما هنالك أن نقول: للنفس أن تطرب بعض الطرب بهذه الأشياء.
وقال بعض أهل العلم: كذلك في كل سرور حادث، وعليه نقول: إذا حصل لواحد نجاح في الدراسة، يجمع إخوانه ويضربون بالدف، وكل هذه الأشياء من التوسع، ولكن أن يصل إلى درجة الغلو كما يفعله بعض الناس، فهذا لا يجوز، ونحن الآن ابتلينا بآلات اللهو والأغاني، وهي بلوى عظيمة في الحقيقة أفسدت كثيرًا من شؤون الناس وأمورهم، حتى أصبحت عند بعض الناس من الفنون التي يدعى لها، وتعطى الشهادات عليها، ويحمد عليها، وهذا لا شك أنه يوجب قسوة القلب، وغفلته عن الله ﷿ وعما خلق له، بل عن مصالح الدين والدنيا، ويصير الإنسان ما همه إلا الطرب، ولذا ينبغي أن يبصر المسلمون بأن هذا لا يجوز، وأقبح من هذا أن يتخذ مثل هذا دينًا، مثل - والعياذ بالله - من يُلحِّن بعض الآيات القرآنية، ويلحنها تلحينًا كأغنية ماجنة خبيثة، وربما يجعل لها ضربًا خاصًا بالموسيقى، فهذا - والعياذ بالله - من أكبر ما يكون من امتهان كلام الله ﷿، وصاحبه على خطر عظيم.
ويوجد بعض الناس كذلك يتخذه دينًا، يذكرون بعض القصائد إما محزنة، وإما مسلية، وإما مشجعة - كما يزعمون ـ
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٩٥).
[ ١٢ / ٣٥٤ ]
على الدين، ويجعلونها مصحوبة بموسيقى معينة، ولهم إيقاعات خاصة تسمى بالتغبير، يأتون بقوس معين يسمونه قوس التغبير، ثم يجلسون يذكرون الله - تعالى - بنغمات معينة، وعندهم عود يضربون به، وكل من كان ضربته أشد وأقوى فهو دليل على أن قلبه أشد تعلقًا بالله، وهذه من طرق الصوفية، ولا شك أنها بدعة محرمة، وهذه لا توجب إخبات الإنسان لله تعالى، وإنما توجب اهتزاز الإنسان لهذه الانفعالات القلبية، ولكنها انفعالات طائشة في الواقع، فالرسول ﷺ أخشع الناس ولم يسمع لهذا، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا الصحابة ﵃.
ومن هذا النوع ما يسمى بأناشيد دينية، فهذه كذلك ينهى عنها، وهي مما يصد عن الاتعاظ بالقرآن، فإن استمع إليها الإنسان أحيانًا إذا شعر بكسل وخمول ليتنشط بها، فهذا لا بأس به، أما أن يجعلها ديدنه، فهذا لا يجوز، وبعضهم يقول: إننا نستمعها حتى لا نستمع إلى أغانٍ أخرى محرمة.
فنقول لهم: هل الإنسان مجبر أن يسمع إما إلى هذا، أو إلى هذا؟ ليس مجبرًا، ومثل هذا من يلعب الورق، فإذا قلت له: هذه لا يجوز اللعب بها، فهي تلهي عن الصلاة وتوجب العداوة والبغضاء، قال لك: أيهم أحسن هذه أو الغيبة؟!
والجواب: نعم هي أهون، وليست أحسن من الغيبة، ولكن لست مجبرًا أن تبقى مغتابًا أو لاعبًا.
[ ١٢ / ٣٥٥ ]