قوله: «ولا سنة ولا بدعة لصغيرة وآيسة، غير مدخول بها ومن بان حملها» هذه أربع نساء ليس لطلاقهن سنة ولا بدعة، أي: لا يوصف طلاقهن بسنة ولا بدعة، فالصغيرة وهي من لم يأتها الحيض، حتى لو بلغت عشرين سنة لقول الله ﵎: ﴿وَاللَاَّّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] وهذا مطلق.
والآيسة هي التي لا ترجو الحيض، يعني انقطع عنها ولا ترجو رجوعه، وسِنُّها على كلام المؤلف الذي مضى في باب الحيض خمسون سنة؛ لأن الحيض بعد الخمسين ليس بشيء؛ لأن هذا هو الغالب المعتاد، والنادر لا حكم له، فنرد عليهم بأن الله يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فمتى وجد هذا الأذى فهو حيض، أما كون هذا نادرًا أو غير نادر فلا يهم، فما دام وجد فإنه يعتبر حيضًا، فالصواب أنها لا تتقيد بسن.
[ ١٣ / ٥٥ ]
وإذا كانت الآيسة ليس لها سنة ولا بدعة، فمن باب أولى من تيقنت عدم حصول الحيض، مثل أن يُجرى لها عملية في الرحم ويقطع الرحم، فهذه نعلم أنها لم تحض، وعلى هذا فلا سنة ولا بدعة في طلاقها، فيجوز لزوجها أن يطلقها ولو كان قد جامعها؛ لأنها لا حيض لها حتى تعتد به، أما المرأة التي امتنع حيضها لرضاع فإن لها سنة وبدعة؛ لأنها غير آيسة، وكذلك من ارتفع حيضها لمرض فإنها غير آيسة، فلها سنة وبدعة.
وقوله: «وغير مدخول بها» أي: ولا سنة ولا بدعة لغير مدخول بها، لو زاد المؤلف: أو مخلو بها، أو قال بدلًا من هذا: لمن لا عِدة عليها، لكان أولى وأعم؛ يعني لا سنة ولا بدعة لمن لا عدة عليها، وهي التي طلقت قبل الدخول والخلوة والمَسِّ وما أشبه ذلك مما تقدم في الصداق، يعني إذا كانت المرأة لا تلزمها العدة في الطلاق فلا سنة ولا بدعة في طلاقها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وهذه لا عدة لها، فإذا لم يكن لها عدة فطلقها متى شئت، فلو أن رجلًا تزوج امرأة وعقد عليها ولم يدخل بها، وبعد مضي شهر طلقها وهي حائض، فالطلاق ليس بحرام بل هو جائز ولا شيء عليه؛ لأن هذه المرأة لا عدة لها، والله ﷿ يقول: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.
وقوله: «ومن بان حملها» أيضًا فإن طلاقها ليس فيه سنة ولا بدعة؛ لأن الإنسان إذا طلقها فقد طلقها لعدتها؛ لأن عدتها وضع الحمل حتى ولو كانت تحيض؛ لأن بعض النساء يستمر الحيض
[ ١٣ / ٥٦ ]
معها على طبيعته فيعتبر هذا حيضًا، كما تقدم لنا أنه اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولكن إذا انقطع عنها الدم وصار فيها الحمل، ثم جاءها دم فهذا الدم ليس بحيض؛ لأنه ليس الدم العادي الطبيعي.
فإذا طلق الإنسان امرأته وهي حامل فلا نقول: طلاقه هذا سنة، ولا نقول: إنه بدعة؛ لأنه قد طلق للعدة، إذ إن عدتها من حين ما يطلقها تبتدئ بها، ومن ثم قال بعض أهل العلم: إنَّ النفساء يجوز طلاقها؛ لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، ومطلِّق النفساء قد طلقها للعدة؛ لأن النفساء من يوم تُطلق تبدأ بالعدة ثلاث حيض، ولا فرق بين أن يطلقها والدم عليها في النفاس، أو بعده؛ لأنها تشرع بالعدة من حين أن يطلقها؛ لأن النفاس لا يعتبر في العدة.
ولما لم يكن معتبرًا في العدة صار المطلِّق فيه مُطلقًا للعدة، بخلاف الذي يطلق في الحيض فإن نصف الحيضة الباقي مثلًا ليس من العدة في الواقع؛ لأنها إنما تعتد بثلاث حيض، والآن نقول: إنها تعتد بثلاث حيض ونصف، وهذا لا يستقيم.
وأكثر أهل العلم يقولون: لا يجوز طلاق النفساء لعموم قوله ﷺ: «مره فليراجعها ثم يطلقها طاهرًا أو حاملًا» (^١)، والنفساء ليست بطاهر.
وأجاب الذين يقولون بجواز طلاق النفساء عن ذلك بأنه
_________________
(١) أخرجه مسلم في الطلاق/ باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها … (١٤٧١) عن ابن عمر ﵄.
[ ١٣ / ٥٧ ]
يخاطب ابن عمر ﵄، وابن عمر إنما طلقها وهي حائض، فمعنى «فليطلقها طاهرًا» أي: من حيضها، فإن قيل: أليست العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟
نقول: العبرة بعموم اللفظ، بمعنى أنه لا يختص بابن عمر نفسه، لكنه يعم من كان مثله، مثل ما مر علينا في قول الرسول ﵊: «ليس من البر الصيام في السفر» (^١)، فهذا عام لكنه يعم من كان في مثل حال ذلك الرجل، الذي كان متكلفًا، أما غيره فقد يكون من البر الصيام في سفره، فالعموم من حيث المعنى دون الشخص، وليس المراد عموم الأحوال، فلا نقصر الحكم على ابن عمر ﵄، ولكن نقول: هو عام في كل من شابه حال ابن عمر، وأما من خالفها فلا.
إذًا أربع من النساء لا يوصف طلاقهن بسنة ولا ببدعة، لا في زمن ولا في عدد على المذهب، والصواب أنه في العدد بدعة.
فعلى المذهب يجوز أن يطلق الإنسان زوجته ثلاثًا وهي حامل، ولا حرج عليه، وعندهم - أيضًا - أن الآيسة والصغيرة لو طلقهما ثلاثًا فهو جائز، وكذلك غير المدخول بها؛ لأنه لا بدعة عندهم في العدد في هؤلاء.
ولكن هذا القول ضعيف؛ لأننا نقول: إنما انتفت السنة والبدعة باعتبار الزمن لِمَا ذكر من التعليلات والأدلة، لكن في
_________________
(١) أخرجه البخاري في الصوم/ باب قول النبي ﷺ … (١٩٤٦)، ومسلم في الصيام/ باب جواز الصوم والفطر … (١١١٥) عن جابر ﵁.
[ ١٣ / ٥٨ ]
العدد فما الذي يبيح له أن يطلقها ثلاثًا؟! هل هناك مسوغ؟! لا مسوغ إذ لا فرق بين الحامل والحائل في أن الإنسان إذا طلق ثلاثًا سد على نفسه باب المراجعة، وضيق على نفسه؛ ولهذا فالصواب بلا شك أن البدعة العددية في طلاق هؤلاء الأربعة ثابتة.
قال في الروض (^١): «إذا قال لإحداهن: أنت طالق للسنة طلقة، وللبدعة طلقة، وقعتا في الحال، إلا أن يريد في غير الآيسة إذا صارت من أهل ذلك، وإن قاله لمن لها سنة وبدعة فواحدة في الحال، والأخرى في ضد حالها إذًا» إذا قال: أنت طالق للسنة طلقة وللبدعة طلقة تطلق في الحال طلقتين؛ والسبب أنه ليس لها سنة ولا بدعة فكأنه قال: أنت طالق أنت طالق.
حتى ولو أراد التوكيد؛ لأنه في هذه الحال لا يصح، فالتوكيد إنما يكون في الجملتين المتطابقتين، أما هنا فالجملتان مختلفتان: الأولى طالق للسنة، والثانية طالق للبدعة، فلا يصح التوكيد خلافًا لمن قال: إلا إذا أراد التوكيد.
وإذا قال لمن لها سنة وبدعة: أنت طالق للسنة وهي حائض فإنها لا تطلق؛ لأن الطلاق الآن بدعة، فتنتظر حتى تطهر وحينئذٍ يقع عليها الطلاق.
وإذا قال: أنت طالق للسنة وللبدعة، تقع واحدة في الحال، على كل حال؛ لأنها إما على سنة وإما على بدعة، والثانية تقع
_________________
(١) الروض المربع مع حاشية ابن قاسم (٦/ ٤٩٨).
[ ١٣ / ٥٩ ]
إذا كانت على ضد هذه الحال؛ فإن كانت على السنة يتأجل طلاق البدعة، وإن كانت على البدعة يتأجل طلاق السنة.
فتبين أنه إذا قال: أنت طالق للسنة فإنها تقع في الحال إن كانت طاهرًا لم يجامعها فيه، وإن كانت حائضًا أو في طهر جامعها فيه انتظرت إلى أن تكون على وصف السنة، وهذا في غير هؤلاء الأربع، أما في هؤلاء الأربع فكما سبق.
والخلاصة: أنه على المذهب يجوز أن يطلق هؤلاء النساء بدون انتظار، فالتي لم يدخل بها يطلقها ولو كانت حائضًا؛ لأنه لا عدة عليها.
والصغيرة والآيسة يطلقهما في الحال ولو كان قد أصابهما، والدليل قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وعدة الآيسة والصغيرة ثلاثة أشهر تبدأ من الطلاق، فيكون قد طلقهما للعدة، والحامل الدليل على وقوع طلاقها وأنها ليس لها لا سنة ولا بدعة قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فمن حين يطلقها تبتدئ في العدة.