قوله: «ولا يقع بمعتدةٍ من خلع طلاقٌ ولو واجهها به» المعتدة من خلع لا يقع عليها الطلاق؛ لأنها بانت من زوجها، وعليها العدة، وأفاد المؤلف ﵀ أن الخلع يوجب العدة، وعلى هذا فيجب عليها أن تعتد كما تعتد المطلقة تمامًا، إن كانت تحيض فبثلاث حيض، وإن لم تكن من ذوات الحيض فبثلاثة أشهر، وإن كانت حاملًا فبوضع الحمل.
وذهب بعض أهل العلم: إلى أن المختلعة لا تعتد، وإنما تُستبرأ، وهذا القول هو الصحيح أنه لا عدة عليها، وإنما عليها استبراء، فإذا حاضت مرة واحدة انتهت عدتها؛ لأن ظاهر القرآن أن العدة إنما هي على المطلقة قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فدلت الآية على أن التي يلزمها ثلاثة قروءٍ إنما هي المطلقة، وهذا هو الذي صح عن أمير المؤمنين عثمان (^١) ﵁.
فإن قال قائل: إذا قلتم: إن المختلعة لا يجب عليها إلا استبراء فقط، وعللتم ذلك بأنها بانت من زوجها، فقولوا:
_________________
(١) أخرجه النسائي في الطلاق/ باب عدة المختلعة (٦/ ١٨٦)؛ وابن ماجه في الطلاق/ باب عدة المختلعة (٢٠٥٨) عن الرُّبيع بنت معوذ ﵂ أن عثمان ﵁ قضى به فيها، وأخبر أنه قضاء النبي ﷺ.
[ ١٢ / ٤٧١ ]
في المطلقة ثلاثًا ما عليها إلا استبراء؛ لأن الزوج لا يملك الرجعة.
فالجواب على ذلك بأحد وجهين: إما بالتسليم، وإما بإيجاد فرق، أما التسليم فأن نقول: نعم المطلقة ثلاثًا لا يجب عليها ثلاثة قروء، بل لا يجب عليها إلا استبراء فقط، والآية ظاهرة في ذلك لقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] فعندنا عموم في أول الآية، وخصوص في آخرها، وإذا رددنا آخرها على أولها صار المراد بالعموم الرجعيات؛ لأن الله قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ والمطلِّق ثلاثًا ليس بعلًا، وقال: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ والبائن بالثلاث ليس لزوجها حق الرجعة عليها، فحينئذٍ تكون المطلقة ثلاثًا لا يلزمها إلا استبراء، حيضة واحدة، إن كانت من ذوات الحيض، أو شهر واحد إن كانت ممن لا يحيض، أو بوضع الحمل، وليس في وضع الحمل إشكال؛ لأنه تتفق فيه كل العدد، ولهذا يسمون عدة الحامل أم العدد.
أو نقول بالفرق، وهو أن بعضهم حكى إجماع أهل العلم على أن المطلقة ثلاثًا يلزمها ثلاثة قروء، بينما المختلعة فيها خلاف حتى عن الصحابة ﵃، وما دمنا أوجدنا الفرق فالإلزام لا يثبت، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: إن كان أحد قال بأن المطلقة ثلاثًا لا يلزمها إلا حيضة واحدة - استبراء - فهذا هو الحق.
قال صاحب الاختيارات: إنه قد نقل عن ابن اللبان القول بذلك، وعلى هذا فيكون قولَ شيخ الإسلام، وأن
[ ١٢ / ٤٧٢ ]
المطلقة ثلاثًا تستبرأ فقط؛؛ لأن مقتضى النظر أن من لا رجعة عليها، لا تعتد إلا بحيضة، تُرك في المطلقة ثلاثًا؛ لأنه خلاف الإجماع.
وقوله: «ولا يقع بمعتدة طلاق» يعني حتى ولو قال: أنت طالق فإنه لا يقع الطلاق؛ ووجه ذلك أنها بالبينونة صارت غير زوجة، والطلاق إنما يكون للزوجة، هذا وجه الحكم من النظر، أما الأثر فقال في الروض (^١): روي عن ابن عباس وابن الزبير ﵃، ولم يعلم لهما مخالف، فيكون الدليل قول الصحابة والتعليل.
وقوله: «ولو واجهها به» بأن يقول: أنت طالق، وضد المواجهة أن يقول: فلانة طالق.
ويقع الطلاق على زوجة في عصمته لو طلقها ولو بدون مواجهة، فلو قال: زوجتي فلانة طالق، تطلق، وكذلك - أيضًا - لو قال على سبيل التعميم: كل زوجاتي طوالق، فإن المختلعة التي في عدتها لا يقع عليها الطلاق، فضد المواجهة صورتان:
الأولى: التعميم.
الثانية: التعيين بالاسم.
وقوله: «ولو واجهها» هذا إشارة خلاف؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إنه إذا واجه المخالعة بالطلاق فإنها تطلق، ولكنه قول لا دليل عليه، لا من أثر، ولا من نظر، ودليلهم لأنها إلى
_________________
(١) الروض المربع مع حاشية ابن قاسم (٦/ ٤٦٨).
[ ١٢ / ٤٧٣ ]
الآن لها تعلق به من جهة الاعتداد، أو الاستبراء على الخلاف، لكن يقال: هذا لا يعني أنها زوجته، فهي ليست بزوجة له، حتى وإن كانت في عدته.