قوله: «وللمرأة منع نفسها حتى تقبض صداقها الحال» الصداق على قسمين: إما حال، وإما مؤجل، فالمؤجل ليس للمرأة طلبه ولا المطالبة به حتى يحل أجله، وليس لها أن تمنع نفسها من الزوج؛ لأن حقها لم يحل بعد، لكن إذا كان المهر حالًّا غير مؤجل، فإن لها أن تمنع نفسها حتى تقبضه.
مثال ذلك: رجل تزوج امرأة على صداق قدره عشرة آلاف ريال غير مؤجلة، فقالت له: أعطني المهر، فقال: انتظري، فلها أن تمنع نفسها، وتقول: لا أسلم نفسي إليك حتى تسلم المهر؛ وذلك أن المهر عوض عن المنفعة ويخشى أن سلمت نفسها واستوفى المنفعة أن يماطل بها ويلعب بها، فيُحرم منها حتى يسلم الصداق.
[ ١٢ / ٣١٤ ]
ومثال الصداق المؤجل: أن يتزوج رجل امرأة بمهر يحل بعد سنة، فليس لها أن تمنع نفسها قبل ذلك؛ لأن موجب العقد التسليم، والعقد قد اشتمل على تأجيل الصداق، وسكوت المرأة عن تسليم نفسها، فيكون تسليمها نفسها واجبًا بالعقد، ويكون تسليم المهر واجبًا بحلول أجله؛ لأنها رضيت بتأجيله، أما لو قالت: نعم أرضى بالتأجيل، ولكن لا تسليم إلا بعد القبض، فلها أن تمنع نفسها بناء على الشرط، وقد قال النبي ﷺ: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» (^١)، أما بدون شرط فليس لها المنع.
وهذه المسألة تدلنا على صحة مسألة مرت في البيع، وهي حبس المبيع على ثمنه، مثل أن يقول البائع للمشتري: ما أسلمك السلعة حتى تسلمني الثمن، فالمذهب أنه ليس له حبسه على ثمنه مطلقًا، والقول الثاني: أن له حبسه على ثمنه، وهو أصح كما سبق.
قوله: «فإن كان مؤجلًا، أو حل قبل التسليم، أو سلمت نفسها تبرعًا فليس لها منعُها» هذه ثلاث مسائل:
الأولى: أن يكون الصداق مؤجلًا فليس لها منع نفسها؛ وقد سبق.
الثانية: إذا حل الصداق قبل التسليم، فليس لها منع نفسها
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٦٥).
[ ١٢ / ٣١٥ ]
ولو ماطل بذلك، مثل امرأة تزوجت من إنسان بعشرة آلاف مؤجلة إلى شهر شعبان من السنة القادمة، فجاء شهر شعبان ولم يدخل بها والصداق حل، فطلب منها أن تسلم نفسها فقالت: أعطني الصداق، فقال: الصداق مؤجل، فقالت: قد حل الأجل أعطنيه، يقولون هنا: لا تمنع نفسها؛ لأن الصداق وجب مؤجلًا، والتسليم غير مؤجل، فكان عليها أن تسلم نفسها من الأصل قبل حلول الأجل، فانسحب التسليم الواجب قبل حلول الأجل إلى ما بعد حلول الأجل.
والقول الثاني في المسألة: أن الحالَّ قبل التسليم كغير المؤجل، يعني إذا حل الأجل ولم تسلم نفسها وطلب التسليم فلها أن تمنع نفسها؛ لأنه صدق عليه الآن أنه حال، والضرر الذي يحصل لها فيما إذا سلمت نفسها في الحال يحصل لها الآن.
وقولهم: إنه كان مؤجلًا، وإنه كان يلزمها أن تسلم نفسها قبل حلول الأجل، فانسحب الوجوب إلى ما بعده، يجاب عنه بأن هذا صحيح، لكن الزوج لم يطالب بالتسليم إلا بعد أن صار المهر حالًّا، فلا فرق بين الصورتين، وهذا قول في المذهب أيضًا.
الثالثة: إذا سلمت نفسها تبرعًا في الحال؛ ثقة بالزوج على أنه سيسلم المهر، ثم ماطل به، فالمذهب ليس لها أن تمنع نفسها؛ لأنها رضيت بالتسليم بدون شرط، فلا يمكن أن ترجع، ولكن تطالبه، وتحبسه على ذلك.
[ ١٢ / ٣١٦ ]
والصحيح أن لها أن تمنع نفسها؛ لأن الرجل إذا ماطل لا نمكنه من استيفاء الحق كاملًا؛ لأنه لا يمكن أن نجعل جزاء الإحسان إساءة، ولا يمكن أن نخالف بين الزوجين فنعامل هذا بالعدل، وهذا بالظلم، فنقول: كما امتنع مما يجب عليه، فلها أن تمتنع.