قوله: «ومن أكره عليه» أي: أكرهه أحد على الطلاق.
قوله: «ظلمًا» مصدر في موضع الحال، أي: أكره عليه مظلومًا، أي: بغير حق، كشخص قال له إنسان: يجب أن تطلق زوجتك، ففعل، لكن طلَّق تبعًا لقوله، لا قاصدًا الطلاق فإنه لا يقع؛ لأنه لم ينوِه، وإنما نوى دفع الإكراه، وقد قال النبي ﵊: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (^٢)، وهذا ما نوى الطلاق.
وقوله: «ظلمًا» احترازًا مما لو أكره عليه حقًا، وذلك مثل المولي إذا تمَّت عليه أربعة أشهر، وأبى أن يرجع، وأبى أن يطلق، فأكرهه الحاكم عليه وطلق فإن الطلاق يقع؛ لأنه بحق، وكل محرم يكون بحق فإنه يزول التحريم فيه؛ لأن الشيء لا يحرم إلا لأنه باطل، فإذا انقلب الشيء حقًا صار غير محرم.
كذلك لو أكره عليه لكونه لا يقوم بالنفقة الواجبة للزوجة،
_________________
(١) أخرجه مسلم في الطلاق/ باب طلاق الثلاث (١٤٧٢) عن ابن عباس ﵄.
(٢) سبق تخريجه ص (١٧).
[ ١٣ / ٢٠ ]
وقيل له: أنفق، فماطل وأبى، فإننا نكرهه ونلزمه أن يطلق، فإن أبى في هذه الحال أن يطلق فإن القاضي يتولى التطليق عنه.
ومن هذا ما سبق في باب الخلع إذا كرهت المرأة البقاء مع الزوج، وقالت: أنا لا أعيب عليه في خُلُق ولا دين، لكن ما أقدر أن أبقى معه أبدًا، فقد سبق أنه يُكره - على الصحيح - على المخالعة، بشرط أن يُرد إليه ما أنفق على زوجته من المهر.
وقوله: «بإيلام له» هذا تمثيل للإكراه، يعني أن المُكرِه آلمه بضرب أو حبس، أو قيده - مثلًا - بالرمضاء في أيام الصيف والقيظ، أو بمنع ما ينقذه، مثل ما ذُكر أن رجلًا في عهد عمر بن الخطاب ﵁ خرج يشتار عسلًا يأخذه من الجبال، فدلَّت إليه امرأته الحبل لينزل به، فلما وصل إلى المكان وأراد أن يصعد، قالت له امرأته: لن أعطيك الحبل حتى تطلقني، فطلقها فذهب إلى عمر ﵁ فقال: المرأة امرأتك (^١)، ولم ينفذ الطلاق لأنه مُكرَه.
قوله: «أو لولده» أي: إيلامًا لولده، كأن يمسكوا ولده ويؤذوه أمامه، وقالوا: لن نُطْلِقَ الولد حتى تطلِّق فطلق.
فلو قال قائل: هو ما تألم، نقول: صحيح أنه ما تألم بدنًا، لكن تألم قلبًا، وهذا قد يكون أشد عليه مما لو كان هذا الفعل به.
قوله: «أو أخذ مال يضره» الضرر يختلف بحسب الناس، فشخص لو أخذت منه مليون ريال ما يضره، وآخر لو أخذت منه عشرة ريالات يضره، فالإنسان الذي عنده مائة مليون إذا أخذ منه
_________________
(١) أخرجه البيهقي (٧/ ٣٥٧)، وضعفه الحافظ في التلخيص (٣/ ٢١٦)، والألباني في الإرواء (٢٠٤٨).
[ ١٣ / ٢١ ]
مليون، يقول: الحمد لله عندي تسعة وتسعون مليونًا، لكن من عنده عشرة ريالات وأخذت منه
فإنها تضرهُ، فالقاعدة إذًا تعود على الضرر، ولهذا فالمؤلف ﵀ لم يقل: أُخذت منه عشرة دراهم أو عشرون درهمًا أو مائة درهم، بل قال: «أخذ مال يضره» ومِن المال الذي يضر لو كان عليه ثوب في أيام الشتاء يقيه من البرد، وهذا الثوب يساوي درهمين، وهو رجل عنده ملايين الدراهم، فوافقه في برِّيَّة ويريد أن يأخذ منه الثوب إلا أن يطلق، فأخذ الثوب يضره مع أنه من الناحية المالية ليس بشيء عنده، لكن الكلام على الضرر.
قوله: «أو هدَّده بأحدها» أي: الإيلام أو أخذ مال يضره.
قوله: «قادر يظن إيقاعه به» اشترط شرطين في المكره، أولًا: أن يكون قادرًا، ثانيًا: أن يظن المكرَه إيقاع المكرِه ما هدَّدَه به.
فخرج بقوله «قادر» ما لو هدده إنسان عاجز، كرجل شاب يمتلئ شبابًا وقوة جاءه شيخ كبير عاجز، وقال له: طلِّقِ امرأتك وإلا كسرت العصا عليك، فهذا هدده لكنه غير قادر، فلا يعتبر إكراهًا؛ لكن لو كان مع هذا الشيخ الكبير مسدس فهو قادر.
قوله: «يظن إيقاعه به» فإن كان يظن أنه لا يوقع ما هدده به، إما لقوة الحكم، أو لأي سبب من الأسباب، فلا إكراه.
فعندنا فعل، وتهديد بالفعل، فالفعل قال المؤلف: «بإيلام له أو لولده أو أخذ مال يضره» وفي التهديد اشترط أن يكون المهدِّد قادرًا، وأَنْ يظن إيقاعه بالمهدَّد.
[ ١٣ / ٢٢ ]
قوله: «فطلق تبعًا لقوله لم يقع» «طلق» الضمير يعود على المُكرَه «تبعًا» مفعول لأجله، يعني طلق متابعة لقوله لا قصدًا للطلاق، فحينئذٍ يكون قصده بالطلاق دفعًا للإكراه فقط، وما نوى الطلاق، فإنه لا يقع لقول النبي ﵊: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (^١)، ولأن الاختيار في جميع العقود والفسوخ شرط، قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فلا بد في جميع العقود والفسوخ أن تكون صادرة عن رضًا واختيار، إلا أن يكون الإكراه بحق.
وعلم من قوله: «تبعًا لقوله» أنه لو طلق بقصد إيقاع الطلاق فإنه يقع الطلاق، وهذه المسألة مسألة كبيرة عظيمة لا تختص بمسألة الطلاق، تأتي حتى في مسألة الإكراه على الكفر، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *﴾ [النحل]، فهل يشترط في الإكراه أن يكون قصد المُكرَه متابعة المُكرِه، بمعنى أنه لا يقصد إلا دفع الإكراه، أو نقول: إن الإكراه موجب لرفع الحرج عن المُكرَه ولو نوى، ما دام قلبه لم يطمئن؛ لأن المُكرَه في تلك الحال يكون ملجأ مغلقًا عليه؟ الجواب:
أولًا: لو كان عاميًا، فهو ما يتصور الفرق بين أن يقصد دفع الإكراه، أو يقصد إيقاع الطلاق، فلا فرق ويقول: هذا ألزمني أن
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٧).
[ ١٣ / ٢٣ ]
أطلق وطلقت، فلا يقول: ألزمني أن أطلق فطلقت تبعًا لقوله، لا قصدًا للطلاق.
ثانيًا: إذا كان طالب علم يفرق بين دفع الإكراه، وبين إرادة ما أكره عليه، فإن الإنسان بشر، ومقام المضايقات أمر لا يعلمه إلا من وقع فيه، والإنسان ما دام في سعة يجد نفسه مسيطرًا، أو يحس من نفسه أنه مسيطر على كل الأمور، لكن إذا وقع في الشدة زال عنه التفكير، ولهذا ذهب بعض أهل العلم - وقولهم أقرب إلى الصواب - إلى أنه بالإكراه يزول الحكم مطلقًا، ما لم يطمئن إلى الشيء، وهذا بعيد، فهنا ثلاث حالات:
الأولى: أن لا يقصده مطلقًا، وإنما قصد دفع الإكراه.
الثانية: أن يقصده من أجل الإكراه.
الثالثة: أن يطمئن به فيكون فاعلًا له أكره عليه أم لم يكره.
ففي الأخيرة يقع الشيء ويحكم له بالاختيار قولًا واحدًا، وفي الأولى لا يقع قولًا واحدًا، وفي الثانية قولان، والراجح أنه لا يقع؛ لأنه قد طلق مغلقًا عليه، وقد قال النبي ﷺ: «لا طلاق في إغلاق» (^١).