قوله: «ومن صومه واجب دعا وانصرف» أي: أن من صومه واجب فإنه يجيب الدعوة، ولكن لا يأكل؛ لأنه لا يجوز قطع الصوم الواجب، كإنسان عليه قضاء من رمضان، فدعي إلى الوليمة وهو صائم، وكإنسان عليه كفارة يمين فصام ودعي إلى الوليمة وهو صائم، وكإنسان عليه فدية لفعل محظور صيام ثلاثة أيام فدعي وهو صائم، فكل هؤلاء يحضرون ولكن لا يأكلون؛ لأن الصيام الواجب لا يجوز قطعه؛ لأن القاعدة الشرعية أن من شرع في واجب وجب عليه إتمامه، ومن شرع في نفل لم يجب عليه إتمامه، إلا الحج والعمرة، وكذلك الجهاد على قول بعض أهل العلم، ولكن يدعو للداعي بما يناسب، إن كان يعرف الوارد فهو أفضل، وإن كان لا يعرفه فيدعو بما يناسب.
وقوله: «وانصرف» هل ينصرف قبل أن تقدم الوليمة، أو بعدها، أو يجلس مع الناس ولا يأكل؟ ظاهر كلام المؤلف: أنه ينصرف قبل ذلك ولا يبقى؛ لأنه إذا بقي مع الناس ولم يأكل ربما يخشى عليه من الرياء، وإذا أخبر الناس بأن صومه عن واجب فقد لا يكون لائقًا، ولكن لو قيل: إن هذا يرجع لحال الإنسان، إن كان يُفقد في الوليمة فليجلس وليتقدم مع الناس في الأكل، ولكن لا يأكل فيقدم لجلسائه مثلًا، لهذا الإدام، ولهذا لحمًا، ولهذا خبزًا، فربما لا يُشعر به؛ لأن الإنسان الذي يفقد مثل أن يكون جارًا، أو قريبًا، أو صديقًا حميمًا، إذا لم يأت تكلم الناس وقالوا: لمَ لمْ يأت جاره، أو قريبه، أو صديقه وما
[ ١٢ / ٣٣٥ ]
أشبه ذلك؟ والإنسان ينبغي له أن يكف ألسنة الناس عن نفسه.
وقوله: «صومه واجب» مبتدأ وخبر، وهي صلة الموصول «من» لا محل لها من الإعراب، ولا تصح أن تكون «من» شرطية؛ لأنها دخلت على جملة اسمية، ولكن لها جواب؛ وذلك أن اسم الموصول لما كان يشبه اسم الشرط في العموم صار له جواب كجواب الشرط، وهو هنا: «دعا وانصرف» ومنه قولهم:
الذي يأتيني فله درهم.
فـ «الذي» مبتدأ، و«له درهم» خبره، وقرنت بالفاء؛ لأن اسم الموصول يشبه اسم الشرط في العموم فأعطي حكمه في الجواب.
وقوله: «دعا وانصرف»، الدليل قول - النبي ﷺ: «إذا دعي أحدكم فليُجب، فإن كان صائمًا فليُصَلِّ، وإن كان مفطرًا فليطعم» (^١)، ومعنى قوله: «فليصلِّ» فليدعُ.
فإن قال قائل: أنتم تقولون: إن ألفاظ الشارع تحمل على الحقائق الشرعية، والصلاة حقيقتها الشرعية هي العبادة المعروفة.
قلنا: إن الكلمات يعين معناها السياق وقرائن الأحوال، ومن المعلوم هنا أن الرسول ﷺ لم يرد من الإنسان الصائم الذي يُدعى فيجيب أن يصلي؛ لأنه لا معنى لذلك، وإنما المعنى أن يدعو لهم لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا
_________________
(١) أخرجه مسلم في النكاح/ باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة (١٤٣١) عن أبي هريرة ﵁.
[ ١٢ / ٣٣٦ ]
وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].