قوله: «ومن وهبت قسمها لضرتها بإذنه أو له فجعله لأخرى جاز»، أي: إذا وهبت قسمها لضرتها بإذنه فلا حرج، بأن قالت: هل تأذن لي أن أجعل قسمي لفلانة؟ فإذا قال: نعم، ووافق فلا مانع، وإن أبى فله ذلك، أو قالت: وهبت يومي لك، يعني تتصرف فيه كما شئت، فجعله هو لإحدى زوجاته جاز.
والفرق بين الصورتين: أنه في الصورة الأولى هي التي عينت المرأة، قالت: وهبت قسمي لفلانة، كما فعلت سودة ﵂ لما خافت أن يطلقها النبي ﷺ لكبر سنها وهبت قسمها لعائشة ﵂ (^١)، واختارت سودةُ عائشةَ ﵂؛ لأنها أحب نسائه إليه، فأرادت أن تهبه لمن يحب ﵊، وهذا من فقهها وشفقتها على الرسول ﷺ، أما كونه من فقهها فلأن الرسول ﷺ لو طلقها لم
_________________
(١) أخرجه البخاري في الهبة/ باب هبة المرأة لغير زوجها … (٢٥٩٣) عن عائشة ﵂.
[ ١٢ / ٤٣٥ ]
تبقَ من أمهات المؤمنين، ولم تكن زوجة له في الآخرة، وأما كونه شفقة على الرسول ﷺ فلأنها وهبته لأحب نسائه إليه.
أما الصورة الثانية فتهب القسم للزوج، والزوج هو الذي يعين من شاء.
فإن قال قائل: لماذا لا تقولون: إذا وهبت قسمها للزوج سقط حقها، وبقي حق الزوجات؟ فمثلًا إذا كانت هي الرابعة ووهبت قسمها للزوج يجب عليه القسم ثلاث ليالٍ؛ لأنه ليس له أن يخص به إحدى الزوجات الباقيات؛ لأنه إذا خص به إحدى الزوجات الباقيات فمعناه أنه مال إليها، فنقول: إذا وهبت قسمها للزوج، فالذي ينبغي أن يسقط حقها، وكأن الزوج ليس له إلا الثلاث الباقيات، وبهذا يكون العدل بين بقية الزوجات، إلا أن يخيرهن، فيقول: هل تخترن أن نسقط حقها، ويكون القسم بينكن، أو تخترن أن نضرب القرعة فمن خرجت لها القرعة، فيوم تلك لها؟ فإذا اخترن ذلك فلا حرج، وعلى هذا فنقول: إذا اخترن القرعة فلا حرج، وإلا فإن المتوجه أنها إذا وهبت قسمها له سقط حقها، وبقي القسم بين الموجودات الباقيات، أما المؤلف فيرى أنها إذا وهبت قسمها له فإنه يضعه حيث شاء.
قوله: «فإن رجعت قسم لها مستقبلًا» يعني بعد أن وهبت القسم له، أو لزوجةٍ أخرى فإن لها أن ترجع، ويقسم لها في المستقبل، ولا يقضي ما مضى، وهذا فائدة قوله «مستقبلًا»، فإن قال قائل: أليست الهبة تلزم بالقبض؟
قلنا: بلى، لكنهم قالوا: هنا ما حصل القبض؛ لأن الأيام
[ ١٢ / ٤٣٦ ]
تتجدد يومًا بعد يوم، ولهذا قلنا: إنه يقسم لها مستقبلًا ولا ترجع فيما مضى، لأن الذي فات قد قبض، والهبة بعد قبضها لا رجوع فيها، أما ما يستقبل فإنه لم يأتِ بعد فلها أن ترجع فيه.
وهذا التعليل لما قاله المؤلف صحيح، لكن ينبغي أن يكون هذا مشروطًا بما إذا لم يكن هناك صلح، فإن كان هناك صلح فينبغي أن لا تملك الرجوع، لقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨] والصلح لازم، وكيف الصلح؟ كأن تشعر من هذا الرجل أنه سيطلقها وخافت، فقالت له: أنا أتفق معك على أن أجعل يومي لفلانة، وتبقيني في حِبالك، فوافق على هذا الصلح، فصارت المسألة معاقدة، فإذا كانت معاقدة فإنه يجب أن تبقى وأن تلزم، وإلا فلا فائدة من الصلح، وهذا الذي اختاره ابن القيم ﵀.