قوله: «ويجب للإيلاء» الإيلاء مصدر آلى يولي بمعنى حلف يحلف، وهو أن يحلف الرجل على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر، بأن يقول: والله لا أجامعك، إما لمدة سنة، أو يُطْلِق، قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *﴾ ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *﴾ [البقرة]، فحدد الله ﷾ أربعة أشهر، فإذا تمَّت الأربعة وجب عليه واحد من أمرين: إما الرجوع ويكفِّر كفارة يمين، وإما الطلاق، وإذا لم يفعل ألزم أو طلق عليه الحاكم.
كذلك يجب عليه أن يطلق إذا اختلَّت عفة المرأة ولم يمكنه الإصلاح، فلو كانت المرأة - والعياذ بالله - تفعل الفاحشة وهو لا يستطيع أن يمنعها، فإنه يجب عليه أن يطلق، فإن لم يفعل صار ديوثًا.
قوله: «ويحرم للبدعة» يعني إذا كان طلاق بدعة، وهذا من التعبير الغريب؛ لأن المعروف عند أهل العلم أن البدع تطلق على عبادة لم تشرع، أو على وصف زائد عما جاءت به الشريعة، أو في جانب الاعتقاد، وهنا جعلوها في جانب العمليات.
ولكنهم جعلوها بدعة لمخالفة الشرع، والظاهر أن هذا
[ ١٣ / ١٢ ]
التعبير قديم من عهد السلف، يسمون الطلاق الموافق للمأمور سنة والمخالف للمأمور بدعة.
وطلاق البدعة يكون في العدد وفي الوقت، يعني إما أن يكون بدعة لوقوعه في وقت محرم، أو بدعة لكونه بعدد محرم، فالبدعة في الوقت، مثل أن يطلق من تلزمها العدة بالحيض وهي حائض، أو في طهر جامعها فيه وهي من ذوات الحيض ولم يتبين حملها، فإن تبين حملها جاز طلاقها، ولو كان قد جامعها في الطهر، كذلك إذا كانت لا تلزمها العدة كغير المدخول بها، فإن طلقها وهي حائض فالطلاق سنة، أو كانت ممن لا يحيض، كصغيرة أو عجوز كبيرة فلا بأس أن يطلقها.
وأما البدعة في العدد فأن يطلقها أكثر من واحدة، مثل أن يطلقها ثنتين فيقول: أنت طالق طلقتين، أو يقول: أنت طالق ثلاثًا؛ لأن السنة أن يطلقها واحدة، وهل يقع أو لا يقع؟ أكثر العلماء على أنه يقع، والقول الراجح أنه لا يقع، فإذا طلق إنسان زوجته فقال: أنت طالق، أنت طالق، تطلق على القول الراجح واحدة فقط؛ لأن الثانية بدعة، والبدعة لا يجوز إقرارها، ولو قلنا بوقوع الطلاق لزم من ذلك إقرار البدعة، وإقرار البدعة منكر، ثم إن قول الرسول ﷺ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (^١)، يقتضي أن الطلقة الثانية مردودة لا تقع؛ لأنها غير مأمور بها فهي طلقة بدعة، والبدعة لا يمكن أن تقع، فكل بدعة ضلالة، وهذا
_________________
(١) أخرجه مسلم في الأقضية/ باب نقض الأحكام الباطلة … (١٧١٨) (١٨) عن عائشة ﵂.
[ ١٣ / ١٣ ]
ما أقرره، وهو الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية واختاره شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀، وقال: إن من تأمل هذا القول وجد أنه القول الذي لا يسوغ القول بخلافه؛ لأن أدلته قوية وواضحة.
وظاهر كلام أهل العلم: أن الطلاق في النفاس مثل الطلاق في الحيض؛ لأنهم قالوا في باب النفاس: إنه كالحيض فيما يحل ويحرم ويجب ويسقط، إلا ما استثنوا، وهي ثلاث مسائل وليس منها الطلاق، وعندي أنه يصح أن يطلقها في النفاس؛ لأن النفاس ما يحسب من العدة، بخلاف الحيض، فهو إذا طلقها تشرع في عدتها، أما الحيض فإنها لا تشرع في عدتها مباشرة، هذا هو الفرق بينهما، والمسألة ليست إجماعية، فلو أن الإجماع ثبت بأن الطلاق في حال النفاس حرام ما وسعنا أن نخرج عنه، فالراجح أنه إذا طلقها في النفاس وقع الطلاق.
فصار الطلاق تجري فيه الأحكام الخمسة: يباح للحاجة، ويكره لعدمها، ويستحب للضرر، ويجب للإيلاء، ويحرم للبدعة، وذكرنا - أيضًا - أنه يجب فيما إذا اختلت عفة الزوجة، ولم يتمكن من إصلاحها.