قوله: «ويحرم مطل كل واحد بما يلزمه للآخر» المطل، أي: التأخير، ومنه قول النبي ﷺ: «مطل الغني ظلم» (^١)، أي: تأخير الغني وفاء الدين ظلم، فيحرم أن يمطل بحق الآخر، فتقول له زوجته: أنا أريد كسوة، يقول: إن شاء الله، ثم تمضي الأيام ولم يأتها بشيء، والمرأة محتاجة، فهذا حرام عليه، يجب أن يسد حاجتها، صحيح أنه ليس عليه أنه كلما نزل في السوق زِيٌّ من الأزياء، وقالت: إيتني به، أن يأتيها به، فبهذا لا يطيعها؛ لأن المرأة لا حد لها، ولكن الشيء الذي لا بد منه يجب عليه أن يبادر ولا يماطل.
فإن منع أحدهما ما يلزمه بالكلية يحرم من باب أولى؛ لأنه إذا كان التأخير حرامًا فالمنع من باب أولى.
قوله: «والتكره لبذله» كأن يأتيها بما تطلبه وتحتاجه، ولكنه يعطيها إياه بعنف ومِنَّة، فهذا - أيضًا - محرم، فما دام أن الأمر واجب عليك فلا تمن، وفي حديث أبي ذر ﵁ في صحيح مسلم (^٢) عن النبي ﷺ: «ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم يوم القيامة، ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفِّق سلعته باليمين الكاذبة».
كذلك بالنسبة للزوجة يحرم عليها أن تمطل بحق زوجها،
_________________
(١) أخرجه البخاري في الحوالات/ باب الحوالة وهل يرجع في الحوالة؟ (٢٢٨٧)؛ ومسلم في البيوع/ باب تحريم مطل الغني وصحة الحوالة (١٥٦٤) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) في الإيمان/ باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية (١٠٦).
[ ١٢ / ٣٨٦ ]
فإذا أمرها بما يجب عليها لم يجز لها أن تؤخر، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «إذا دعا الرجل زوجته فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح» (^١) والعياذ بالله، فالمسألة ليست هينة، كذلك يحرم عليها التكره في بذله، كأن تبذل له ما يجب، لكن مع الكراهة والعبوس، وعدم انطلاق الوجه، وإذا بُلي الإنسان بامرأة كهذه يعظها، ويهجرها، ويضربها حتى تستقيم، كما قال تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]، فيعظها وينصحها ويرشدها، والله مع النية الطيبة ييسر الأمر.
فلدينا ثلاثة أشياء: منع ما يجب، والمماطلة به، والتكره لبذله، وكل هذا محرم؛ لأن الحقوق يجب أن تؤدى لأهلها بدون أي توقف.
مسألة: إذا كان مقصرًا في النفقة، وهي قادرة على أن تأخذ من ماله بغير علمه، فلها أن تأخذ، أفتاها بذلك سيد المفتين من البشر محمد ﷺ حين جاءت هند بنت عتبة ﵁ إليه، وقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال: «خذي ما يكفيك وولدك من ماله بالمعروف» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في بدء الخلق/ باب إذا قال أحدكم آمين .. (٣٢٣٧)؛ ومسلم في النكاح/ باب تحريم امتناعها من فراش زوجها (١٤٣٦) (١٢٢) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه البخاري في النفقات/ باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه … (٥٣٦٤)؛ ومسلم في الأقضية/ باب قضية هند (١٧١٤) عن عائشة ﵂.
[ ١٢ / ٣٨٧ ]
قوله: «وإذا تم العقد» والعقد يتم بالإيجاب والقبول.
قوله: «لزم تسليم الحرة» أي: وجب تسليم الحرة.
وقوله «الحرة» احترازًا من الأمة، وسيأتي حكمها.
وهذه المسألة لها أحوال أربعة:
أولًا: أن يطلب الزوج حضورها إلى بيته، فيجب أن تحضر إلى البيت من حين العقد.
ثانيًا: أن لا يطلب بلسانه، لكن يطلب بحاله، بمعنى أن توجد قرائن تدل على أنه يرغب أن تأتي إلى بيته، فيلزم؛ لأنه قد يكون الرجل يستحي أن يقول: أعطوني البنت، لكن حاله تدل على هذا، إما أن يشكو التردد إلى بيت أهلها، أو يقول مثلًا: إلى متى ننتظر؟ وما أشبه ذلك.
ثالثًا: أن يطلب أهلها أن يستلمها؛ لأنه زوجها، وسكناها ونفقتها عليه.
رابعًا: أن يكون هناك سكوت من الزوج ومن أهلها، فالأمر إليه، فمتى شاء طلب.
قوله: «التي يوطأ مثلها» قال العلماء: وهي بنت تسع، والحقيقة أن التقييد بالسن في هذا المقام فيه نظر؛ لأن من النساء من تبلغ تسع سنين، ولا يمكن وطؤها لصغر جسمها، أو نحافتها وما أشبه ذلك، ومن النساء من يكون لها ثمان سنين، وتكون صالحة للوطء، فالصواب أنه لا يقيد بالسن، بل يقال: هي التي يمكن وطؤها، والاستمتاع بها، فهذه يجب تسليمها.
وظاهر كلام المؤلف: ولو كانت حائضًا فإنه يجب
[ ١٢ / ٣٨٨ ]
تسليمها، والمذهب لا يجب، ولكن هذا مشروط بأن لا يُخشى من الزوج، فإن خشي منه، بحيث نعرف أن الرجل ليس بذاك المستقيم، وأننا لو سلمنا المرأة له ربما يطؤها، فهذه لا نسلمها حتى تطهر، كذلك لو فرض أن المرأة مريضة، والزوج ممن لا يخاف الله، ونخشى عليها أن يجامعها وهي مريضة، فيضرها ذلك، فإننا لا نسلمها.
قوله: «في بيت الزوج» أي يجب أن تسلم في بيت الزوج، وهذا يوافق عرف بعض البلاد، فإذا قال الزوج: دعوها تأتي للبيت، قلنا: يلزم تسليمها له في بيته، ولكن هذا الكلام مقيد بما إذا لم يخالف العادة، فإن خالفها نرجع إلى القاعدة المستقرة وهي ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فإذا كان من عادة الناس أن الزوج هو الذي يأتي لبيت الزوجة، فيلزمه ذلك.
فالمؤلف اشترط لوجوب تسليم المرأة لزوجها أربعة شروط:
الأول: أن تكون حرة.
الثاني: أن يوطأ مثلها.
الثالث: قوله: «إن طلبه» أي: يطلب الزوج تسليمها.
الرابع: قوله: «ولم تشترط دارها أو بلدها» إذا كان بيت الزوج في بلد آخر.
فإذا تمت هذه الشروط وجب تسليمها، ويجب على زوجها - أيضًا - أن يتسلمها، فإن عقد عليها وصار كل يوم يقول: اليوم أدخل، اليوم أدخل، فإنه إذا تم لها أربعة أشهر، ولم يدخل فإن لها الفسخ.
[ ١٢ / ٣٨٩ ]
وقوله: «ولم تشترط دارها أو بلدها» عُلم منه أنها إذا اشترطت دارها لم يلزم أن تسلم في بيت الزوج، وقد سبق لنا أن هذا من الشروط الجائزة؛ لقول الرسول ﵊: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» (^١)؛ لأن وجودها في بيت الزوج من حقه، فإذا أسقطه سقط، وكذلك إذا اشترطت بلدها، كأن يكون الزوج في بلد آخر وطلب تسليمها فإنه لا يلزم؛ لأنها اشترطت بلدها، وقد التزم بهذا الشرط فلا يلزمها.