قوله: «وله السفر بالحرة ما لم تشترط ضده»، «له» الضمير يعود على الزوج، «بالحرة» أي بالمرأة الحرة، ما لم تشترط
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٨٢).
[ ١٢ / ٣٩٤ ]
ضده، فإن اشترطت ضده فلا حق له أن يسافر بها، لما سبق من الأدلة على وجوب الوفاء بالشروط، ولو سافر بها لكن بعد ما سافر بها أصابها مرضٌ نفسي من هذا السفر، هل يلزمه أن يردها إلى بلدها، أو لا؟
الجواب: نعم يلزمه قياسًا على ما سبق في قوله: «ويباشرها ما لم يضر بها»، فإذا أوجب هذا السفر لها المرض، فإن عليه أن يعيدها إلى بلدها، لقول النبي ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار» (^١).
وهل له أن يسافر بالأمَة؟ ليس له أن يسافر بها إلا إذا اشترط السفر بها؛ لأن الأمة مشغولة بخدمة سيدها، بخلاف الحرة، وعلى هذا فيكون الأصل في الحرة أن يسافر بها ما لم تشترط ضده، والأصل في الأمة أن لا يسافر بها ما لم يشترط هو أن يسافر بها.
وقوله: «وله السفر بالحرة ما لم تشترط ضده» أي: تشترطه باللفظ، وكذلك بالعرف، فلو كان من المطرد عند أهل هذا البلد أن الرجل لا يسافر بامرأته إلا بشرط فإنه يؤخذ بالشرط، وتقدم لنا في باب الشروط أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن جميع الشروط المباحة في النكاح لازمة، وواجب الوفاء بها، لعموم الأدلة الدالة على وجوب الوفاء بالعهود، وبالعقود، وبالشروط.
أما إذا اضطر إلى السفر بها وأبت، فهل له أن يقول: إما
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٣٩٢).
[ ١٢ / ٣٩٥ ]
أن تسافري وإما أن أطلقك؟ هذه مشكلة؛ لأنه إذا قال هذا الكلام، فمقتضاه أن يلزمها بإسقاط الشرط وهي كارهة، فإذا كان يريد تهديدها حتى تسقط هذا الشرط، فإن هذا لا يجوز، أما إذا قال هذا عن جِدٍّ، وليس عن تحدٍّ، وقال: إنه لا يملك نفسه، ولا بد له من زوجة إذا سافر، وقال لها: إما أن تسافري معي وإلا فسأتزوج وأطلقك، أي: ليس قصده إجبارها وإكراهها، فهنا نقول: لا بأس.
قوله: «ويحرم وطؤها في الحيض» أي: يحرم وطء الزوجة في الحيض؛ لقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: يطهرن من الحيض ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلن ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] والآية نص صريح، وفيها ذِكْر التعليل قبل الحكم؛ من أجل إيقاظ الذهن للعلة؛ حتى يكون الإنسان كارهًا للفعل قبل أن يعرف حكمه، وهذا أسلوب من أساليب البلاغة، وإلا فالغالب أنه يُذكَر الحكم ثم تذكر العلة، لكن هنا ذكرت العلة من أجل أن يرد الحكم على نفس كارهة للمخالفة؛ لأن أي إنسان يعرف أنه أذى سوف يتجنبه.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَذىً﴾ أي: على الزوجين جميعًا، فالزوج يتضرر، والزوجة تتضرر أيضًا، ثم هو دم نجس وليس طاهرًا؛ لأن النبي ﷺ أمر الحائض إذا أصاب دمها ثوبها أن تغسله ثم تصلي فيه (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الوضوء/ باب غسل الدم (٢٢٧)؛ ومسلم في الطهارة/ باب نجاسة الدم وكيفية غسله (٢٩١) عن أسماء ﵂.
[ ١٢ / ٣٩٦ ]
وإذا حرم الوطء في الحيض فيجوز ما سواه، من المباشرة والجماع دون الفرج، وما أشبه ذلك؛ لأنه إذا كان الأصل الحل فإنه لا يخرج عن الأصل إلا ما قُيِّد بالوصف فقط، وهو الجماع.
فإذا قال قائل: كيف تقول: إنه الجماع، وقد قال الله ﷿: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾، وهذا يقتضي أن الزوج يعتزلها حتى يكون فراشه غير فراشها، وأن لا يقربها أيضًا؟
فالجواب: أن هذا من باب التوكيد؛ لأن السنة بينت ذلك، فقد قال النبي ﷺ: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (^١)، وأخبرت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يأمرها، فتتزر، فيباشرها وهي حائض (^٢)، فالتعبير بالعبارتين: ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾، ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ من باب التوكيد والتنفير، وذلك واضح؛ لأن النفس تدعو إلى جماع الزوجة، لا سيما إذا كان شابًا وهي شابة، فيحتاج الحكم بالتحريم إلى عباراتٍ جزلة، توجب النفور من هذا العمل، ومن رحمة الله ﷿ أنه لا يمنع شيئًا إلا أحل ما يقوم مقامه، ولو من بعض الوجوه، وهو المباشرة دون الفرج.
لكن ينبغي لمن أراد ذلك أن يأمر زوجته فتتزر، وأن لا
_________________
(١) أخرجه مسلم في الحيض/ باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله … (٣٠٢) عن أنس ﵁.
(٢) أخرجه البخاري في الحيض/ باب مباشرة الحائض (٣٠٠)؛ ومسلم في الطهارة/ باب مباشرة الحائض فوق الإزار (٢٩٣) عن عائشة ﵂، واللفظ للبخاري.
[ ١٢ / ٣٩٧ ]
يبقى محل المباشرة مكشوفًا؛ لأنه ربما يرى منها ما يكره من الدم ونحوه، فتتقزز نفسه منها، ويؤثر ذلك على نفسيته، حتى في المستقبل، ولهذا كان من حكمة النبي ﷺ أنه يأمر المرأة أن تتزر.
فإذا جامع في الحيض ترتب عليه: الإثم، والمعصية، والعقوبة.
وهل تجب عليه كفارة أم لا؟
هذا ينبني على صحة الحديث الوارد في هذا، والعلماء مختلفون فيه، فمن صح عنده الحديث أوجب الأخذ به، والكفارة دينار، أو نصفه، إما على التخيير، أو باعتبار حال الحيض، بمعنى أنه يفرق بين الوطء في آخر الحيض وخفته، وتوقان النفس إلى الجماع، فيكون نصف دينار، وبين أن يكون الحيض في أوله وفوره، فيكون دينارًا.
والتخيير فيه إشكال، وهو أنه جرت العادة في الكفارات أنه لا يمكن أن تكون كفارة واجبة من جنس واحد، كاملة أو ناقصة؛ لأن التخيير إنما يكون بين شيئين مختلفين، كالإطعام، والكسوة، وتحرير الرقبة، في كفارة اليمين، وأما بين شيئين هما من جنس واحد - إلا أن هذا كثير وهذا قليل - فهذا لم يرد.
ولكن الجواب عن هذا أن نقول: إن الله ﷾ له أن يحكم بما شاء، فإذا خير العبد بين دينار أو نصفه، فهذا من الرحمة، فمن ابتغى الفضل تصدق بدينار، ومن ابتغى الواجب تصدق بنصف دينار.
[ ١٢ / ٣٩٨ ]
والمرأة إن وافقت زوجها على الوطء حال الحيض اختيارًا فهي مثله، وإن أكرهها فلا شيء عليها، لا إثم ولا كفارة.
قوله: «والدبر» أي: ويحرم وطؤها - أيضًا - في الدبر، بمعنى أن يولج الذكر في الدبر لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، والدبر ليس محلًا للحرث، ولأحاديث متعددة وردت في التحذير منه، ومجموعها يقضي أن تصل إلى درجة الحسن العالي، ومنها أن النبي ﷺ قال: «إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهن» (^١).
ثم إن القياس الصحيح يقتضي هذا، فالغائط أخس من الدم بلا شك، فإذا كان الله - تعالى - حرم وطء الحائض للأذى من الدم، فإن وطء الدبر أشد وأقبح؛ لأن هذا يشبه اللواط، وهو جماع الذكر والعياذ بالله، ولهذا أسماه بعض العلماء باللوطية الصغرى، فلا شك في تحريم وطء المرأة في دبرها.
أما أن يستمتع بها فيما بين الأليتين فلا بأس.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ومن عُرف بالوطء في الدبر وجب أن يفرق بينه وبين زوجته، أي: أن يفسخ النكاح؛ لأن الإصرار على هذه المعصية التي هي من كبائر الذنوب لا يمكن إقراره أبدًا.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٣٩/ ٤٦٨) ط/الرسالة؛ والترمذي في الرضاع/ باب ما جاء في كراهية إتيان النساء في أدبارهن (١١٦٤) عن علي بن طلق ﵁، وقال: حديث حسن، وأخرجه أحمد (٥/ ٢١٣)؛ وابن ماجه في النكاح/ باب النهي عن إتيان النساء في أدبارهن (١٩٢٤) عن خزيمة بن ثابت ﵁، انظر: التلخيص (١٥٤٢)، والإرواء (٢٠٠٥).
[ ١٢ / ٣٩٩ ]
وأما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *﴾ [المؤمنون] فبعض الناس يقول: هذه الآية عامة، فإننا نقول: إذا عممت الاستمتاع بالنسبة للأزواج، فعمم الاستمتاع بالنسبة لما ملكت اليمين، وقل: يجوز للرجل أن يجامع بعيره؛ لأنها مما ملكت يمينه!! فالمطلق يحمل على المعروف المعهود، فيكون قوله: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ أي: فيما أبيح لهم من الاستمتاع بهن لا مطلقًا، كما أنك لا تقول بالتعميم في قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ مع أن الآية واحدة.
فالوطء في الدبر محرم، ومن سوَّلت له نفسه ففعل فلا كفارة عليه، لكنه آثم.
فإن قال قائل: ألست تقول: إنه يقاس على الوطء في الحيض؟
فالجواب: بلى، لكن لا يلزم من التساوي في الحكم التساوي في الكفارة، فالكفارة حكم جديد مستقل، ولا يمكن أن نقيس، ولهذا نص أصحاب أصول الفقه أنه لا قياس في الكفارات.
قوله: «وله إجبارها على غُسل حيض»، مثلًا امرأة طهرت من الحيض بعد طلوع الشمس، وقالت لزوجها: إنها لن تغتسل إلا عند الظهر، وزوجها ينتظر بفارغ الصبر أن تطهر وتغتسل ليستمتع بها، فقالت: لا يجب عليَّ الغسل إلا إذا أردت القيام للصلاة لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ
[ ١٢ / ٤٠٠ ]
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وعلى هذا فلا أغتسل إلا إذا زالت الشمس، فهنا يجبرها على الغسل.
فإذا أجبرها واغتسلت إجبارًا وهي غير مريدة، فهل يرتفع حدثها مع أنها لم تنوِ؟
الجواب: لا يرتفع حدثها بالنسبة لها، فإذا جاء وقت الصلاة يجب عليها الغسل، لكن بالنسبة للزوج ليس له إلا الظاهر فإنه يرتفع، على أن ابن حزم ﵀ شذ في هذه المسألة وقال: إن معنى قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: غسلن فروجهن، وليس المعنى اغتسلن، لكن قوله هذا ضعيف بلا شك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ والتطهر الاغتسال لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
قوله: «ونجاسة» هذه الكلمة ليست معطوفة على «حيض» بل تحتاج إلى تقدير، وهو: وغَسْلِ نجاسة؛ لأن النجاسة ليس لها غُسْل بل غَسْل، فإن قلت: أُقَدِّر الأولى: على غَسْل حيض، قلنا: لا يستقيم؛ لأنها لو غسلت الحيض لم يجز أن يجامعها حتى تغتسل، وعلى هذا فلا بد من تقدير: وغَسْل نجاسة.
فإن رأى في قدمها قذرًا فقال لها: اغسليه، فقالت: لا أغسله، فله أن يجبرها على غسل النجاسة؛ لأن النفس تعاف النجاسة، لا سيما إذا كان لها جرم، أو كان لها لون، فالإنسان ربما لو يرى على وجه واحد منا نقطة حمراء من صبغ، ربما يتقزز، يظنها دمًا، وظاهر كلام المؤلف: سواء كانت على بدنها أو على ثيابها.
[ ١٢ / ٤٠١ ]
وهذا الذي ذكره المؤلف فيه نظر، فإنه لا يجبرها على غسل النجاسة إلا في حالين:
الأولى: إذا كانت تفوِّت عليه كمال الاستمتاع.
الثانية: إذا كان وقت صلاة لأجل أن تصلي طاهرة، ففي هاتين الحالين له أن يجبرها على غسل النجاسة، أما فيما عدا ذلك فليس له أن يجبرها عليه؛ لأنه لا يفوت بذلك لا حق الله ولا حق الزوج، مثل لو أصابها في ثوبها شيءٌ من البول، وهذا ليس وقت صلاة، والبول يبس، وليس له لون ولا شيء، فإنه ليس له الإجبار، نعم يشير عليها أن تغسله؛ لأن الأفضل أن يبادر الإنسان بغسل النجاسة.
قوله: «وأخذ ما تعافه النفس من شعر» أي: كذلك له أن يجبرها على أَخذ ما تعافه النفس من شعر مثل ما لو نبت لها شارب، وهذا قد يحصل، بعض النساء ينبت لهن شارب، وبعضهن شارب ولحية أيضًا، فلو حصل هذا الأمر فله أن يجبرها على أن تأخذه، فإذا قالت له: قال النبي ﵊ «اعفوا اللحى وأحفوا الشوارب» (^١)، نقول: هذا خاص بالرجال، أما النساء فيعتبر هذا عيبًا فيهن، ولهذا جاز إزالته، وإذا طلب الزوج ذلك وجب إزالته.
كذلك لو كان في وجهها شامةٌ فيها شعر تعافها نفسه، فله إجبارها على إزالتها، وكذلك شعر العانة، وشعر الإبط له أن
_________________
(١) أخرجه البخاري في اللباس/ باب إعفاء اللحى (٥٨٩٣)؛ ومسلم في الطهارة/ باب خصال الفطرة (٢٥٩) عن ابن عمر ﵄ واللفظ لمسلم.
[ ١٢ / ٤٠٢ ]
يجبرها على إزالتها، أما شعر ساق المرأة، فيقال: إذا كثر شعره حتى صار ساقها كساق الرجال فلا بأس، وأما إذا كان طبيعيًا فهذا ينبني على قاعدة، وهي أن إزالة الشعور لها ثلاث حالات: مأمور به، ومنهي عنه، ومسكوت عنه، فالمأمور به العانة، والإبط، والشارب، وهذه تزال ولا إشكال، والمنهي عنه اللحية بالنسبة للرجال، والنمص بالنسبة للرجال والنساء، والنمص هو نتف شعر الوجه، سواء الحاجبان أو غيرهما، والمسكوت عنه اختلف العلماء ﵏ هل يجوز، أو يكره، أو يحرم؟
فمنهم من قال: إنه يجوز؛ لأن ما سكت الله عنه فهو عفو، وما دمنا أمرنا بشيء ونهينا عن شيء، يبقى هذا المسكوت عنه، بين أن يكون مأمورًا به أو منهيًا عنه، فإذا تساوى الطرفان ارتفع هذا وهذا، وصار من باب المباح.
وقال بعضهم: إنه يحرم؛ لأنه من تغيير خلق الله، والأصل في تغيير خلق الله المنع؛ لأن تغيير خلق الله من أوامر الشيطان، قال الله عنه: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] فيكون حرامًا.
وقال بعضهم: إنه مكروه؛ نظرًا لتعادل الأدلة المبيحة والمانعة، والذي أراه أنه لا بأس به؛ لأنه مسكوت عنه، لكن الأولى ألا يزال إلا إذا كان مشوهًا؛ لأن الله لم يخلق هذا إلا لحكمة، فلا تظن أن شيئًا خلقه الله إلا لحكمة، لكن قد لا تعلمها.
وهذا يجرنا لمسألة التبرع بالكلية، هل يجوز أو لا؟ قال
[ ١٢ / ٤٠٣ ]
بعضهم: يجوز؛ لأن الإنسان قد يحيا على كلية واحدة، وهذا غلط، أولًا: لأنه أزال شيئًا خلقه الله ﷿، وهذا من تغيير خلق الله، وإن كان ليس تغييرًا ظاهرًا، بل هو في الباطن.
ثانيًا: أنه لو قدر مرض هذه الكلية الباقية، أو تلفها، هلك الإنسان، لكن لو كانت الكلية التي تبرع بها موجودة لسلم.
ثالثًا: أن الإقدام على التبرع بها معصية، فإذا ارتكبها الإنسان فقد ارتكب مفسدة محققة، وإذا زرعت في إنسان آخر فقد تنجح وقد لا تنجح، فنكون ارتكبنا مفسدة محققة لمصلحة غير محققة، ولهذا نرى أنه لا يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من أعضائه مطلقًا حتى بعد الموت، وقد نص على هذا فقهاؤنا، ذكر في الإقناع في باب تغسيل الميت: أنه لا يجوز أن يقطع شيء من أعضاء الميت، ولو أوصى به.
قوله: «وغيره» كظفر، فله أن يجبرها على تقليم الأظفار، أو قصها، فلو قالت: أنا أريد أن أطول ظفر الخنصر؛ لأن هذا هو علامة التقدم فله أن يجبرها على إزالته؛ لأن إطالة الأظفار من شيم الحبشة، لقول النبي ﷺ: «أما الظفر فمدى الحبشة» (^١).
ومن العجب أن الشيطان لعب على بعض النساء حتى أصبحن يطلن ظفر الخنصر، فهذا حرام؛ لأن هذا تشبه بالكفار؛ ولأن النبي ﷺ وقت في الظفر، والشارب، والإبط، والعانة أن
_________________
(١) أخرجه البخاري في الذبائح والصيد/ باب التسمية على الذبيحة … (٥٤٩٨)؛ ومسلم في الأضاحي/ باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم … (١٩٦٨) عن رافع بن خديج ﵁
[ ١٢ / ٤٠٤ ]
لا تترك فوق أربعين يومًا (^١).
فالمهم أن له أن يجبرها على قص الأظفار وتقليمها؛ لأن هذا مما تعافه النفس، ولو كانت شعثاء لا تصلح شعرها ولا تهتم به، فله أن يجبرها على إصلاحه.
وبالعكس، هل لها أن تجبره على ذلك؟
الظاهر: لا، لكن يجب عليه هو؛ لأنها ليس لها سلطة، فهي بمنزلة الأسير عنده، لكن لها الحق أن تقول له: أزل هذا؛ لأنه يؤذيني إلا اللحية، فإنها ليس لها الحق في أن تقول له: احلقها، وإن كان بعض الناس إذا خاطبناهم وقلنا لهم: يجب إعفاؤها، قال: إن زوجته ما ترضى، فهذا لا يقبل.
فنقول: ولو كانت لا ترضى، فلا بد أن تنفذ ما أمر الله به ورسوله ﷺ، لكن لو طلبت منه إزالة الأظفار، والعانة، والإبطين، فهذا لا شك أنه يجب عليه لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقال بعض السلف: إني أحب أن أتجمل لزوجتي، كما أحب أن تتجمل لي، ولعل هذا يدخل في قوله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (^٢).
ولا يجوز له أن يطلب منها الوشر، وهو إصلاح الأسنان بمبرد حتى تكون صغيرة وأنيقة، ولو قال: لا بد من هذا، فنقول:
_________________
(١) أخرجه مسلم في الطهارة/ باب خصال الفطرة (٢٥٨) عن أنس ﵁.
(٢) سبق تخريجه ص (٣٧٠).
[ ١٢ / ٤٠٥ ]
لا طاعة له؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ومعلوم أن الوشر من كبائر الذنوب.
ولو قال: لا بد أن تقصي شعر الرأس إلى شحمة الأذن، وهي تقول: لا، أنا أريد أن يبقى رأسي كالنساء المستقيمات، فليس له أن يجبرها؛ لأن هذا يخالف قول الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.