قوله: «ويستحب إذنه» أي: يستحب أن يأذن لها إذا طلبت، وليس المعنى أنه يستحب أن تستأذن.
قوله: «أن تمرض محرمها» أي: إذا استأذنت منه أن تذهب تمرض والدها فالأفضل أن يسمح لها، لما في ذلك من جبر الخاطر، وطمأنينة النفس، وصلة الرحم، حتى لو فرض أن بينه وبين أبيها مشكلة أو عداءً شخصيًا فإن الأفضل أن يأذن لها؛ مراعاة لحالها، ثم إنه يسلم من السمعة السيئة؛ لأنه لو منعها أن تذهب تمرض والدها لتحدث الناس به، وأكلوا لحمه، ورحم الله امرءًا كف الغيبة عن نفسه.
وقوله: «ويستحب إذنه» هذا الأصل، لكن قد يجب أن يأذن، وذلك فيما إذا لم يكن لمحرمها من يمرضه، وكان في حاجة إلى ذلك.
أما عيادتهم، فالصحيح أنه يجب أن يأذن لها، وفرق بين التمريض والعيادة، فالعيادة تعود وترجع، لكن التمريض تبقى عند هذا المريض حتى يأذن الله بشفائه أو موته، فلهذا نقول: أما التمريض فسنة، وأما العيادة فالصحيح أنه يجب أن يمكنها منها؛ لأن العيادة بالنسبة للقريب من صلة الرحم، وليس من المعروف عند الناس أن تمنعها من أن تعود أقاربها إذا مرضوا.
وقوله: «تمرض» مطلق، لكن يجب أن يقال: أن تمرض محرمها في غير ما لا يحل لها النظر إليه، وهو العورة.
وقوله: «محرمها» ظاهره سواء كان قريبًا جدًا، كالأب، والابن، وما أشبه ذلك، أو بعيدًا، ولكن ينبغي أن يُفرَّق بين
[ ١٢ / ٤٢٣ ]
القريب والبعيد، فمثلًا إذا كان لها عمٌّ بعيد، فليس كالابن، وليس كالأب، ولكل مقام مقال.
قوله: «وتشهد جنازته» هذا فيه نظر، فإن أراد أن تشهد الصلاة عليها وتتبعها، فقد قالت أم عطية ﵂: «نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا» (^١)، فمن العلماء من قال: يؤخذ من هذا الحديث أن اتباع الجنائز للنساء مكروه، لقولها: «ولم يعزم علينا»، ومنهم من قال: إنه محرم، وأن قولها: «ولم يعزم علينا» تفقهًا منها، قد توافق عليه وقد لا توافق، وأن الأصل أن نأخذ بالحديث.
وإن أراد أن تبقى هناك عند موته، فهذا يخشى منه النياحة والندب، فشهود الجنازة لا وجه له إطلاقًا، فمثلًا إذا جاءها خبر أن قريبها - أي: محرمها - قد مات، وقالت لزوجها: سأذهب لأشهد جنازته إذا غسلوه وكفنوه وخرجوا به، فله الحق أن يمنعها؛ لأن شهودها لا داعي له، وربما يكون ذلك أشد عليها حزنًا وتأثيرًا، ويحضر النساء - أيضًا - معها فتحصل النياحة.
قوله: «وله منعها من إجارة نفسها» أي: له أن يمنع زوجته من إجارة نفسها؛ لأنه يملك منافعها في الليل والنهار، حتى إن الرسول ﷺ قال: «لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه» (^٢)؛ لأنها لو صامت لمنعته الاستمتاع بها
_________________
(١) أخرجه البخاري في الجنائز/ باب اتباع النساء الجنازة (١٢٧٨)؛ ومسلم في الجنائز/ باب نهي النساء عن اتباع الجنائز (٩٣١) (٣٤).
(٢) أخرجه البخاري في النكاح/ باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد … (٥١٩٥)؛ ومسلم في الزكاة/ باب ما أنفق العبد من مال مولاه (١٠٢٦) عن أبي هريرة ﵁، واللفظ للبخاري.
[ ١٢ / ٤٢٤ ]
نهارًا، أو لمنعته من كماله؛ لأن الإنسان قد يأنف أن يفسد صومها ولو كان نفلًا.
وإجارة النفس هي أن تؤجر نفسها لتكون خادمًا عند آخرين، فله أن يمنعها؛ للخوف عليها من وجه؛ ولأن في ذلك دناءة من وجه آخر تلحق زوجها، فيقال: فلانة زوجة فلان خادمٌ عند الناس.
وقوله: «من إجارة نفسها» يفهم منه أنها لو استؤجرت على عمل، بأن تكون امرأة خياطة مثلًا، وصارت تخيط للناس بأجرة في بيتها فليس له منعها، إلا إذا رأى في ذلك تقصيرًا منها في حقه فله المنع.
فصارت المرأة إن أجَّرت نفسها فله منعها مطلقًا، حتى لو قالت: أنا أريد أن أؤجر نفسي ما دمت غائبًا عن البلد، فله منعها، لما في ذلك من الدناءة والإهانة، أما إذا استؤجِرت على عمل وهي في بيت زوجها، فليس له المنع، إلا إذا قصرت في حقه فله منعها.
فإن قال قائل: ما تقولون في التدريس، أيدخل في قوله: «من إجارة نفسها» أو لا؟
فالجواب: يدخل؛ لأنها سوف تذهب إلى المدرسة وتدرِّس، فله منعها من أن تدرِّس، إلا إذا شرطت عليه في العقد أن تبقى مدرِّسة، أو تتوظف مدرِّسة في المستقبل، وقَبِلَ بهذا
[ ١٢ / ٤٢٥ ]
الشرط، فإنه يلزمه لقول النبي ﷺ: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» (^١).
فإن قال قائل: إذا كانت لم تشترط هذا، لكن اضطرت إلى أن تكون مدرِّسة؛ لأن زوجها فقير ولا ينفق عليها؟
فالجواب: ليس لها ذلك، لكن لها أن تخيره، فتقول: إما أن تأذن لي أن أدرِّس وأحصل على قُوتي، وإما أن أطالبك بالفسخ؛ لأنها لا يمكن أن تبقى بدون قوت، وفي ظني أنها إذا خيرته بين هذا وهذا، فإنه سيوافق على التدريس.
قوله: «ومن إرضاع ولدها من غيره إلا لضرورته»، ويكون هذا بأن تكون امرأة طلقها زوجها الأول وهي حامل، فتنتهي العدة بوضع الحمل ويتزوجها آخر، وهي لا تزال ترضع الولد، فللزوج الثاني أن يمنعها من إرضاع ولدها من الزوج الأول، إلا في حالين:
الأولى: الضرورة، بأن لا يقبل هذا الطفل ثديًا غير ثدي أمه، فيجب إنقاذه.
الثانية: أن تشترط ذلك على زوجها الثاني، فإذا وافق لزمه.
وقوله: «ولدها من غيره» علم منه أنه ليس له منعها من إرضاع ولدها منه، وهو كذلك إلا إذا كان في الأم مرض يخشى على الولد منه.
_________________
(١) سبق تخريجه ص (١٦٥).
[ ١٢ / ٤٢٦ ]