ثالثًا: قوله: «ويستحب للضرر» أي: ضرر المرأة، فإذا رأى أنها متضررة فإنه يستحب أن يطلقها، ولو كان راغبًا فيها، كما لو فرض أن المرأة لما تزوجها أصابها مرض نفسي، كما يقع كثيرًا - نسأل الله العافية - وضجرت وتعبت، ولا استقامت الحال مع زوجها، وهو يحبها، نقول هنا: يستحب أن تطلقها لما في ذلك من الإحسان إليها بإزالة الضرر عنها، أما ما يفعله بعض الجبابرة - والعياذ بالله - يقول: أنا ما أطلق حتى ترد عليَّ ما أمهرتها أو أكثر، فهذا - والعياذ بالله - ظلم، فالذي ينبغي إذا رأى أنها متضررة أن يُطْلِق سراحها.
وهل نقول: في هذه الحال ينبغي أن يشاورها، أو لا؟ وهل نقول: إنه ينبغي أن يقول لها: أنت - مثلًا - كما ترين أُصبتِ بهذا الأمر، فإن رغبت أن أطلقك فلا حرج؟ في هذه الحال أنا أتردد، هل يستحب أن يشاورها أو لا يستحب؟ والسبب أنها ربما تكون عندها رغبة في الزوج وتقول: أرغب أن أبقى، وبقاؤها يكون
[ ١٣ / ١٠ ]
ضررًا عليها وهدمًا لصحتها، فقد يقال: إنه يجعل المسألة من جهته هو على أنه معالج وطبيب، وإذا رأى أن مصلحتها تقتضي أن يطلقها طلقها.
ولو تضجرت منه لقلة ذات اليد، كإنسان فقير، وهي - مثلًا - من بيت أغنياء، ورأى أن المرأة متضجرة من فقره، فهنا نقول: يستحب أن يشاورها، مثل ما أمر الله نبيه ﵊ في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَِزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا *وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا *﴾ [الأحزاب]، فأول من بدأ بها عائشة ﵂ وهي أصغرهن، وخاف - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أنها لصغرها تريد الحياة الدنيا، فقال: «ما عليك ألا تستأذني أبويك في هذا»، أي: شاوري أبويك في هذا الأمر - فقالت: يا رسول الله أفي هذا أشاور أبوي؟! إني أريد الله والدار الآخرة (^١)، ﵂.
فالمهم إذا كان السبب هو قلة ذات يد الرجل، أو سوء عشرته، أو ما أشبه ذلك؛ لأن بعض الناس يكون أحمق ضيق النفس، فهذه نرى أنه يشاورها، وأما إذا كان ذلك لسبب فيها هي فنرى أنه ينزل نفسه في هذه الحال منزلة الطبيب المعالج، وينظر ما تقتضيه المصلحة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في المظالم/ باب الغرفة والعُلِّيَّة … (٢٤٦٨)، ومسلم في الطلاق/ باب بيان أن تخييره امرأته لا يكون طلاقًا إلا بالنية (١٤٧٥) عن عائشة ﵂.
[ ١٣ / ١١ ]
نعم إذا كرهته لدينه - يعني لاستقامته - فإنه لا يخيرها أبدًا، بل يبقيها عنده لعل الله يهديها بعد ذلك، وهذا إن كان يمكن العلاج؛ لأن الناس يختلفون، فبعض الناس تكون صورته صورة رجل، لكن معناه امرأة، تغلبه المرأة، فأخشى أن تفسد دينه، فالمسألة ترجع إلى قوة الرجل وصلابته.