قوله: «ويطلق واحدة» يعني أنه يتقيد بما قيده به، فإن أطلق فما له إلا واحدة فقط، فلا يُطلِّق أكثر.
مثال ذلك: قال زيد لعمرو: وكلتك في طلاق زوجتي، فذهب الوكيل وقال لها: أنت طالق ثلاثًا فما تطلق؛ لأنه تصرف تصرفًا غير مأذون فيه، ولأنه لم يقل له: طلق ثلاثًا، والوكالة مطلقة، فلا يملك إلا أقل ما يقع عليه اسم الطلاق وهو واحدة.
قوله: «ومتى شاء، إلا أن يعين له وقتًا وعددًا» أي: يطلق متى شاء، اليوم أو غدًا، أو بعد غدٍ أو بعد شهر، أو بعد شهرين، لكن بشرط ألا يكون في حيض أو في طهر جامع فيه
[ ١٣ / ٣١ ]
الزوج؛ وذلك لأن الزوج لا يملك ذلك وهو الأصل، فالفرع كذلك لا يملك، فيطلق متى شاء إلا إذا قال: لا تطلقها إلا في هذا الشهر، أو أنت وكيلي في طلاق امرأتي في هذا الشهر، فإنه لا يطلق إذا خرج الوقت.
فلو قال: أنت وكيلي في طلاق زوجتي في عشر ذي الحجة فطَلَّقَها في آخر ذي القعدة فما يقع؛ لأنه حدد له الوقت، ولو قال: أنت وكيلي في طلاق امرأتي في شهر محرم فطلقها في شهر ربيع فما يقع؛ وذلك لأن تصرف الوكيل مبني على إذن الموكل، وإذا كان مبنيًا على إذن الموكل تقيد بما أذن له فيه، وهذه قاعدة مهمة في كل الوكالات، سواء في الطلاق أو النكاح أو البيع أو الشراء أو التأجير أو غير ذلك.
فإذا قيل: لماذا تفرقون بين الوقت والعدد؟ ففي العدد تقولون: واحدة، وفي الوقت: متى شاء، فلماذا لا تقولون: الوقت في حينه، فإن طلق في حين التوكيل، وإلا فلا يطلق؟
نقول: الفرق أن العدد يصدق فيه الطلاق بواحدة، فالزائد غير مأذون فيه، أما مسألة الزمن فالفعل غير مقيد، ما قال: اليوم، أو غدًا، أو بعد شهر، أو بعد سنة.
ويقول الوكيل: طلقت زوجة موكلي فلان، أو يقول: أنت طالق بوكالتي عن زوجك.
فإن قال قائل: ما الداعي للتوكيل؟
فالجواب: ربما يكون الإنسان سيغيب، والطلاق - مثلًا ـ
[ ١٣ / ٣٢ ]
يكون بعد شهر أو شهرين، فيتأنى في الأمر، أو ربما أنه لا يحب أنه يجابهها بالطلاق.
فإذا رجع الزوج فإن كان قبل أن يطلق الوكيل انفسخت الوكالة؛ لأن له أن يفسخ، وإن كان بعد أن طلق فقد مضى الطلاق، وإذا فسخ الوكالة قبل أن يطلق الوكيل، والوكيل لم يعلم وطلَّق، فهل نقول: إن الطلاق لم يقع، أو نقول: إنه وقع؛ لأن الوكيل بنى على أصل لم يثبت زواله؟ في هذا رأيان للعلماء، منهم من قال: إنه إذا عزله - وإن لم يعلم - انعزل، فإذا طلَّقَ طَلَّقَ وهو غير وكيل، فلا يقع طلاقه.
ومنهم من قال: إذا طلق قبل العلم بالعزل فإن المرأة تطلق؛ لأنه بنى على أصل - وهو التوكيل - لم يثبت زواله.
والأقرب أنه لم يقع الطلاق؛ لأنه بفسخه الوكالة زال ملك الوكيل أن يطلق، لكن لو ادعى بعد أن طلق الوكيل أنه عزله قبل فلا بد من بينة، ولهذا إذا عزل الوكيل فلا بد أن يشهد؛ حتى لا ينكر أهل الزوجة إذا كانوا يريدون فراق الزوج.
وليس للوكيل أن يوكل آخر، ولهذا قال: «ويطلق» أي: يطلق الوكيل نفسه، وليس له أن يوكل.