«ويقع الطلاق رجعيًا»؛ لأن العوض لم يصح، فوجوده كعدمه.
قوله: «إن كان بلفظ الطلاق أو نيته»، مفهومه أنه إن كان بغير لفظ الطلاق أو بغير نيته، مثل أن يكون بلفظ الخلع أو الفداء أو الفسخ فإنه لا يقع؛ لأنه ليس بصحيح.
قوله: «وما صح مهرًا صح الخلع به»، «ما» موصولة، أو شرطية، والشرطية أقرب؛ لأنها تكون جملة مرتبًا بعضها على بعض، «وما صح مهرًا» يعني كل شيء يصح مهرًا فإنه يصح الخلع به، فيصح أن تعطيه دراهم، ويصح أن تعطيه ثيابًا وعرضًا، ويصح أن تعطيه عقارًا، ويصح أن تخالعه على تعليم، فهو علمها سورة البقرة مهرًا، وهي تعلمه سورة آل عمران خلعًا، فهذا يجوز على الصحيح، فما صح مهرًا من مال، أو منفعة فإنه يصح الخلع به؛ ووجه ذلك أن المهر إنما أخذ لاستباحة البضع، وهذا أخذ لفكاك البضع، فالأمر فيه ظاهر.
قوله: «ويكره بأكثر مما أعطاها» أي: يكره الخلع بأكثر مما أعطاها، وظاهر كلامه صحته بأكثر مما أعطاها، وهذه المسألة مما اختلف فيه العلماء، فقال بعض العلماء: إنه يجوز بالمال قل أو كثر، واستدلوا لجواز الزيادة بعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، «وما» اسم موصول تفيد العموم
[ ١٢ / ٤٧٨ ]
من قليل وكثير، فهو عام لما تفتدي به نوعًا، وجنسًا، وكمية، وكيفية.
وقال آخرون: لا يزيد على ما أعطاها؛ لأن قوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ عائد على ما سبق؛ لأنه قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلَاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: مما آتيتموهن فقط، ولأن الرسول ﷺ نهى ثابت بن قيس ﵁ أن يزيد في خلعه فقال له: «خذ الحديقة ولا تزدد» (^١).
ولأن هذا الزائد عما أعطاها أكل للمال بالباطل؛ لأنه ليس في مقابلة شيء، نعم ما أُخذ منه له أن يسترجعه لكن ما زاد ففي أي مقابل؟!
وأجاب القائلون بالجواز عن الحديث بأنه ضعيف، والحديث الضعيف لا تقوم به حجة كما هو معلوم، وعلى فرض صحته فهو من باب الإرشاد والتوجيه؛ لأنه لا شك أن كون الزوج يطلب أكثر مما أعطاها أمر غير مستساغ، فالرجل استحل فرجها واستمتع بها وشغلها، ثم في النهاية يقول: أريد أكثر من المهر، فالمروءة لا تسوِّغ هذا.
وأجابوا عن قولهم بأن أخذه أكثر مما أعطى أخذ بغير حق، قالوا: بل هو أخذ بحق؛ لأن هذا الرجل يملك هذه المرأة
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في الطلاق/ باب المختلعة تأخذ ما أعطاها (٢٠٥٦) عن ابن عباس ﵄، بلفظ: «فأمره رسول الله ﷺ أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد»، انظر: الإرواء (٢٠٣٧).
[ ١٢ / ٤٧٩ ]
إلى الموت فهو حق له، ثم إنه قد يقول: أنا إن تركتها فمتى أجد امرأة؟
ثم قد يكون - أيضًا - أعطاها المهر في وقت رخص، والآن المهور زائدة مرتفعة، فهذا الذي أخذ منها يمكن أن يأتي له بزوجة، ويمكن ألا يأتي.
والأرجح أن له أن يأخذ أكثر مما أعطى، إلا إذا صح الحديث، ولكن الحديث لا يصح، فإن وجد له شواهد، وإلا فهو بسنده المعروف ضعيف، لكن المروءة تقتضي ألا يأخذ منها أكثر مما أعطاها.
بقي علينا مسألة مهمة، لو أننا ما تمكنا من الجمع بين الزوجين بأي حال من الأحوال، فأبى أن يطلق، وأبت هي أن تبقى عنده، فذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الخلع حينئذ بشرط أن ترد عليه المهر كاملًا، ذهب إلى هذا بعض علماء الحنابلة، وشيخ الإسلام ﵀ يقول عنه تلميذه ابن مفلح: إن شيخنا اختلف كلامه في هذه الصورة، هل يجب الخلع أو لا؟ مع أن بعض علماء الحنابلة صرح بوجوب الخلع والإلزام به، واستدلوا بأن الرسول ﷺ قال لثابت ﵁: «خذ الحديقة وطلقها»، وقالوا: الأمر للواجب؛ ولأنه لا سبيل إلى فك هذا النزاع والشقاق إلا بهذا الطريق، وفك النزاع والشقاق بين المسلمين أمر واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهذا القول هو الصحيح؛ لأنه لا مضرة عليه، فماله قد جاءه، وبقاؤهما هكذا، هي معلقة لا يمكن أن تتزوج، وهو كذلك غير
[ ١٢ / ٤٨٠ ]
موفق في هذا النكاح لا ينبغي، لا سيما إذا ظهر للقاضي أن البلاء من الزوج، مثل أن يكون لا يصلي وتتعذر إقامة البينة عليه، ففي مثل هذه الحال القول بالوجوب قوي جدًا.