قوله: «يقع» يعني أن الطلاق يقع حتى في الحال التي يحرم فيها، والدليل:
[ ١٣ / ٤٦ ]
أولًا: حديث ابن عمر ﵄ فإن الرسول ﷺ لما بلغه الخبر قال: «مره فليراجعها» والمراجعة ما تكون إلا فرعًا عن وقوع الطلاق؛ لأنه لا مراجعة مع غير الطلاق، وحينئذٍ يكون واقعًا.
ثانيًا: أن الرسول ﷺ قال: «مره فليراجعها»، ولو كانت الطلقة غير واقعة لقال: إنه لم يقع، وهذا أحسن من أن يقول له: «مره فليراجعها» لأنه إذا لم يقع، سواء راجع أم لم يراجع فالطلاق غير تام، فكونه يلزمه ويقول: راجع، لا داعي له، بل يقول: أخبره بأن طلاقه لم يقع.
ثالثًا: أنه ورد في بعض ألفاظ الحديث في صحيح البخاري: «أنها حسبت من طلاقها» (^١)، وهذا نص صريح في أنه وقع الطلاق؛ ووجه ذلك أنه لو لم يقع ما حسب من الطلاق، فحسبانه من الطلاق دليل على الوقوع.
رابعًا: عموم قوله تعالى: ﴿اَلطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ولم يفصِّل الله ﷿ هل وقع في حيض، أو في طهر جامعها فيه، أو لا، فأثبت الله - تعالى - وقوع الطلاق، وأن العدد الذي يمكن أن يراجعها فيه مرتان، فإن طلقها الثالثة فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره.
وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة، أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ﵏، وعليه جمهور الأمة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في الطلاق/ باب إذا طلقت الحائض … (٥٢٥٣)، ومسلم في الطلاق/ باب تحريم طلاق الحائض … (١٤٧١) (٤) عن ابن عمر ﵄.
[ ١٣ / ٤٧ ]
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يقع واستدلوا بالتالي:
أولًا: حديث رواه أبو داود بسند صحيح أن النبي ﷺ ردها على ابن عمر ولم يرها شيئًا (^١)، فقالوا: يعني ما اعتبرت شيئًا.
ثانيًا: قول الرسول ﵊: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (^٢)، والطلاق لغير العدة عمل ليس عليه أمر الله ورسوله ﷺ فيكون مردودًا، ولو أمضينا ما لم يكن عليه أمر الله ورسوله ﷺ لكنا مضادين لله ورسوله ﷺ في الحكم، فالله يقول: لا تفعل، ونحن نقول: نفعل ونُمضي!!
فأوردوا عليهم أن الظهار منكر من القول وزور، وهو حرام بلا شك، ومع ذلك يمضي وتترتب عليه أحكامه، ويقال للمظاهر: لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به، فالطلاق في الحيض مثله منكر وزور، فتترتب عليه أحكامه، ونقول للرجل: حسبت عليك.
أجابوا على ذلك بأن الظهار لا يقع إلا منكرًا، كالزنا تترتب عليه أحكامه مع أنه منكر، بخلاف الطلاق فإنه يكون منكرًا ويكون مباحًا، فإذا فعل على وجه الإباحة فقد فعل على أمر الله ورسوله ﷺ، وإذا فعل على غير وجه الإباحة فقد فعل على غير أمر الله ورسوله ﷺ فينطبق عليه الحديث، ويكون له حالان؛ حال موافقة للشرع وحال مخالفة، فإن فعل على الوجه الموافق فهو نافذ، وإن فعل على الوجه المخالف فهو غير نافذ، أما ما لا
_________________
(١) أخرجها أحمد (٢/ ٨١)، وأبو داود في الطلاق/ باب في طلاق السنة (٢١٨٥) عن ابن عمر ﵄.
(٢) سبق تخريجه ص (١٣).
[ ١٣ / ٤٨ ]
يوافق الشرع إطلاقًا فإنه يرتب عليه ما رتبه الشرع عليه بمجرد وجوده، فانفكوا عن هذا الإيراد.
ثالثًا: أن الرسول ﷺ أمر ابن عمر ﵄ بردها، وإذا قلنا بوقوع الطلاق في الحيض وحسبت عليه طلقة، فإن المراجعة لا ترفع مفسدته، بل تزيد وتكون المراجعة أمرًا بتكثير الطلاق؛ لأنه إذا راجعها ولم يكن له رغبة فيها، فأراد أن يطلقها صار عليه طلقتان، فلم ترتفع مفسدة الوقوع في المحرم، بل زادت عليه، والشرع يحب أن ينقص الطلاق لا أن يزيد؛ ولهذا حرم ما زاد على الواحدة.
رابعًا: أن أكثر الروايات الواردة في حديث ابن عمر ﵄ ليس فيها أنه لم يطلقها إلا واحدة، بل أكثر الروايات على أنه مُطْلَق؛ فإن كان مُطْلَقًا ولم يقيد بواحدة، فظاهر أنه لم يقع؛ لأنه لو كان واقعًا لاحتاج الأمر بالمراجعة إلى تفصيل حتى يعرف، هل هذه آخر واحدة أو هي التي قبلها؟ لأنه إذا كانت آخر واحدة وقد وقعت فلا تمكن المراجعة.
فإن اعترض معترض على قولنا، فقال: إن النبي ﷺ قال: «مرهُ فليراجعها»، والمراجعة لا تكون إلا بعد عدة.
فجوابنا على هذا أن نقول: المراجعة اصطلاحًا لا تكون إلا بعد عدة، والمراجعة لغة تكون لهذا المعنى ولغيره، ويدل لذلك قول الله ﵎ في المرأة تطلق الطلقة الثالثة: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ (عَلَيْهِمَا) أي: على الزوج الأول، والزوجة ﴿أَنْ
[ ١٣ / ٤٩ ]
يَتَرَاجَعَا﴾ أي: يرجع كل واحد منهما إلى الآخر، وهذه ابتداء عقد وليست مراجعة من طلاق، فدل هذا على أن المراجعة في الكتاب والسنة لا تعني فقط المراجعة في الاصطلاح، وهي رد الرجعية إلى النكاح، بل هي أعم من ذلك، فيكون حديث ابن عمر ﵄ ليس المراد به المراجعة الاصطلاحية، بل المراد المراجعة اللغوية، وهي أن ترجع إلى زوجها.
والحاصل: أن هذه المسألة التي فيها هذا الخلاف تحتاج إلى عناية تامة من طالب العلم؛ لأن سبيل الاحتياط فيها متعذر، إن قلت: أنا أريد الاحتياط؟ فأي سبيل تسلك؟ إن قلت: الاحتياط بتنفيذ الطلاق وقعت في حرج؛ لأنك سوف تحلها لرجل آخر لا تحل له، وإن قلت: الاحتياط أن لا أمضيه فهذا مشكل ثانٍ؛ لأنك ستحلُّها لزوجها، وهي حرام عليه، فهذه المسألة من المسائل التي لا يمكن فيها سلوك الاحتياط، فالذي يجب على الإنسان بقدر ما يستطيع أن يحقق فيها، إما هذا القول وإما هذا القول، وليس فيها خيار.
ونظيرها في العبادات اختلاف العلماء متى يدخل وقت العصر؟ فقال بعض العلماء: لا يدخل وقت العصر إلا إذا صار ظل كل شيء مثليه، وقال الجمهور: يدخل إذا صار ظل كل شيء مثله، ويحرم أن تؤخر الصلاة حتى يصير ظل كل شيء مثليه، فكيف تحتاط؟ إن صليت قبل أن يصير ظل كل شيء مثليه، قال لك أولئك: حرام عليك، وصلاتك ما تصح، وإن صليت عقب ما يصير ظل كل شيء مثليه، قال لك الآخرون: تأخيرك الصلاة
[ ١٣ / ٥٠ ]
إلى هذا الوقت حرام، فأنت في مشكلة، فما ترجح؟ فمثل هذه المسائل جانب الاحتياط فيها يكون متعذرًا، فلا يبقى أمام طالب العلم إلا أن يسلك طريقًا واحدًا، ويجتهد بقدر ما يستطيع في معرفة الصواب من القولين، ويستخير الله ويمشي عليه، وإذا مشى على هذا برهة من الزمن بناء على أن هذا القول هو الصواب، ثم تبين له أن الصواب في خلافه فلا مانع أن يرجع، بل يجب أن يرجع إذا تبين له الحق.
ثم إذا أفتى بخلاف ما كان يقوله من قبل، فهل تعتبر الفتوى الأخيرة رجوعًا أو لا؟ الجواب: لا تعتبر رجوعًا، ويكون له في المسألة قولان، إلا إذا صرح بالرجوع، أو صرح بحصر قوله في هذا الأخير مثلًا، فإنه يعتبر رجوعًا، فإذا أفتى المجتهد بفتوى ثم أفتى بخلافها أخيرًا، نقول: هذه لا تخلو من ثلاث حالات:
الأولى: أن يفتي بالأخير ويسكت عن الأول.
الثانية: أن يفتي بالأخير ويصرح بأنه رجع عن الأول.
الثالثة: أن يفتي بالأخير، ويأتي بما يدل على انحصار قوله فيه.
ففي الحال الأولى: يكون له في المسألة قولان، ولا نقول: إنه رجع؛ لأن المجتهد كما هو معلوم يرى في وقت من الأوقات أن الصواب في هذا، ثم - مثلًا - ترد عليه أدلة ما بانت له من قبل، أو يأتي في المسألة مناقشة، ثم مع المناقشة تحصل أشياء وتتبين فيختلف اجتهاده، ولكن كما قال العلماء: الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، ولهذا فالإمام أحمد ﵀ يكون عنه
[ ١٣ / ٥١ ]
في كثير من مسائل الفقه روايتان كما يتبين من مراجعة «المقنع» مثلًا.
وفي الحال الثانية: إذا صرح بالرجوع فالأمر واضح، ومثلنا من قبل بمثال للإمام أحمد في مسألة طلاق السكران، أنه كان يقول في الأول بطلاق السكران، ثم قال: تبينته فوجدت أني إذا أوقعته أتيت خصلتين، وإذا لم أوقعه أتيت خصلة واحدة.
أما الحال الثالثة: التي يحصر قوله فيه، فيمكن أن نضرب بذلك مثلًا بحال أبي الحسن الأشعري، فإنه كان في أول أمره على مذهب المعتزلة، ينصره ويدافع عنه وبقي على هذا نحو أربعين سنة، لكن من شاء الله أن يهديه هداه، ثم اتصل بعبد الله بن سعيد بن كَلاَّب، وهو أحسن من المعتزلة بكثير، فأخذ منه وتأثر به، وترك مذهب المعتزلة، ثم إنه أخيرًا ذكر في كتابه «الإبانة» وهو آخر ما صنف أن قوله ينحصر في مذهب الإمام أحمد بن حنبل؛ لأنه قال: فإن قال قائل: بماذا تقولون، قال: نقول بقول الإمام أحمد بن حنبل، وهذا معناه أنه رجع عما سبق، لكن ما قال: وأرجع، إلا أنه لما رجع عن مذهب المعتزلة، صرح بالرجوع عنهم، وصار يذمهم ويبين معايبهم ﵀.
ونحن أتينا بهذه المسألة؛ لأنها في الحقيقة مفيدة لطالب العلم، وأنه يجب على طالب العلم إذا بان له الحق أن يرجع إليه، والنبي ﵊ أحيانًا يفتي ثم يأتيه الوحي فيرجع عما أفتى به، وهو النبي ﷺ، ولما جاءه رجل وسأله عن الشهادة ماذا تكفّر؟ قال: تكفّر كل شيء، ثم انصرف الرجل، ثم
[ ١٣ / ٥٢ ]
دعاه فقال: «إلا الدَّيْنَ، أخبرني بذلك جبريل آنفًا» (^١)، كذلك - أيضًا - عمر بن الخطاب ﵁ روي عنه في مسألة الحِمارية روايتان، رواية أنه منع الإخوة الأشقاء من الاشتراك مع الإخوة من الأم، والثانية شركهم، وقال: ذاك على ما قضينا وهذا على ما نقضي (^٢)، وكذلك الأئمة كلهم يكون لهم في المسألة رأيان، حتى قال أبو حنيفة لرجل: لا تأخذ بقولي، إني أقول القول اليوم، وأقول غيره غدًا، ولكن عليك بالكتاب والسنة.
فالحاصل أننا نقول: مسألة الطلاق في الحيض من أكبر مهمات هذا الباب، ويجب على الإنسان أن يحققها بقدر ما يستطيع، حتى يصل فيها إلى ما يراه صوابًا؛ لأن المسألة ما فيها احتياط، بل المسألة خطيرة، فافرض أن هذا الرجل طلق في الحيض امرأة آخر تطليقة فإما أن نحلها له، وإما أن نحرمها عليه حتى تنكح زوجًا غيره، فعلى كل حال نحن فتحنا لك الأبواب وبإمكانك أن ترجع، ومن أحسن من رأيت كتب في الموضوع ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» فإذا رجعت إليه يتبين لك إن شاء الله، أما شيخ الإسلام ﵀ فكلامه غالبًا يكون مجملًا، مع أنه في مسائل الطلاق لما ابتلي بها ﵀ صار يحققها ويكثر من ذكر الأدلة، ولكن ابن القيم يوضح كلام شيخه وأحيانًا
_________________
(١) أخرجه مسلم في الجهاد/ باب من قتل في سبيل الله … (١٨٨٥) عن أبي قتادة ﵁.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٧٤)، وعن البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢٥٦)، والحديث صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وانظر: الإرواء (٦/ ١٣٣).
[ ١٣ / ٥٣ ]
يخالفه، لكنه ﵀ تأثر به بلا شك وبآرائه، والغالب حسب علمي مع قصوري أن شيخ الإسلام ﵀ دائمًا موفق للصواب، فغالب ما يختار هو الصواب.
وكان الشوكاني ﵀ يتردد في هذه المسألة، فمرة يقول: كذا، ومرة يقول: كذا، كما أشار إلى هذا في «نيل الأوطار»، فيجب على طالب العلم الذي يريد أن يكون نافعًا لنفسه، ولأمته أن يحقق هذه المسألة تحقيقًا بينًا، ويقرأ كلام أهل العلم فيها، وألا يكون عنده اتجاه إلى قول معين من الأقوال، بل إذا راجع خلاف أهل العلم يكون متجردًا، ويقف بين أقوال أهل العلم موقف الحَكَم، الذي لا يفضل أحدًا على أحد؛ لأننا رأينا مشكلة فيمن اعتقد ثم استدل بناءً على اعتقاده، فتجده يميل إلى ما يعتقد، ثم يتمحل في إثبات ما يريد أن يثبته، ويتعسف في رد ما يريد أن يرده، وهذه مشكلة وقلَّ من يَسْلَم منها إلا من شاء الله، حتى إن شيخ الإسلام ﵀ ذكر عن البيهقي الإمام الحافظ المعروف في الحديث، أنه في الأدلة التي يستدل بها يحابي نفسه، وفي أدلة خصومه ما يأتي بها، وإن أتى بها أتى بها على وجه ضعيف، لكنه أحسن من الطحاوي في «شرح معاني الآثار».