قوله: «عشرة»: العِشْرة مأخوذة من المعشر، والعشيرة، وما أشبه ذلك، وأصلها في اللغة الاجتماع، ومنه قوله ﷺ: «يا معشر الشباب» (^١) يخاطب الجمع، ومنه العشيرة؛ لأنها مجتمعة على أب واحد.
لكن المراد هنا غير ما يراد في اللغة، فالمراد بالعشرة هنا المعاملة والالتئام بين الزوجين.
قوله: «النساء»: المراد بالنساء هنا الزوجات، وليس عموم الإناث؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ أي: الزوجات، ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَاَّّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] أي: الزوجات، أما قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فالمراد بالنساء هنا الإناث، وعلى هذا فكلمة «النساء» تارة يراد بها الزوجات، وتارة يراد بها عموم النساء، حسب ما يقتضيه السياق.
فقول: «باب عشرة النساء» المراد به كيف يعاشر الرجل زوجته؟ وكيف تعاشر المرأة زوجها؟
والحقيقة أنه باب عظيم تجب العناية به؛ لأن تطبيقه من أخلاق الإسلام، ولأن تطبيقه تدوم به المودة بين الزوجين، ولأن
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٦).
[ ١٢ / ٣٨٠ ]
تطبيقه يحيا به الزوجان حياة سعيدة، ولأن تطبيقه سبب لكثرة الولادة، لأنه إذا حسنت العشرة بين الزوجين ازدادت المحبة، وإذا ازدادت المحبة ازداد الاجتماع على الجماع، وبالجماع يكون الأولاد، فالمعاشرة أمرها عظيم.
ثم اعلم أن معاملتك لزوجتك يجب أن تقدر كأن رجلًا زوجًا لابنتك، كيف يعاملها؟ فهل ترضى أن يعاملها بالجفاء والقسوة؟ الجواب: لا، إذًا لا ترضى أن تعامل بنت الناس بما لا ترضى أن تعَامَل به ابنتك، وهذه قاعدة ينبغي أن يعرفها كل إنسان.
وقد روى الإمام أحمد ﵀ في مسنده أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن الزنا، فقال له النبي ﷺ: «أترضى أن يزني أحد بأختك، أو بنتك، أو أمك؟ قال: لا، فلم يزل يقول: بكذا وكذا، كل ذلك يقول: لا، فقال له النبي ﷺ: فاكره ما كره الله، وأحب لأخيك ما تحب لنفسك» (^١).
وهذا مقياس عقلي واضح جدًا، فكما أن الإنسان لا يرضى أن تكون ابنته تحت رجل يقصر في حقها، ويهينها، ويجعلها كالأمة يجلدها جلد العبد، فكذلك يجب أن يعامل زوجته بهذا، لا بالصلف، والاستخدام الخارج عن العادة.
وعلى الزوجة - أيضًا - أن تعامل زوجها معاملة طيبة، أطيب من معاملته لها؛ لأن الله - تعالى - قال في كتابه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ولأن الله تعالى
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٦)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٢٩): «رجاله رجال الصحيح».
[ ١٢ / ٣٨١ ]
سمَّى الزوج سيدًا، فقال ﷿ في سورة يوسف: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]، ولأن النبي ﷺ سمى الزوجة أسيرة فقال: «اتقوا الله في النساء فإنهن عوانٍ عندكم» (^١) «وعوانٍ» جمع عانية وهي الأسيرة.
فعلى كل حال الواجب على الإنسان إذا كان يحب أن يحيا حياة سعيدة، مطمئنة، هادئة أن يعاشر زوجته بالمعروف، وكذلك بالنسبة للزوجة مع زوجها، وإلا ضاعت الأمور، وصارت الحياة شقاء، ثم هذا - أيضًا - يؤثر على الأولاد، فالأولاد إذا رأوا المشاكل بين أمهم وأبيهم سوف يتألمون وينزعجون، وإذا رأوا الألفة فسيسَرُّون، فعليك يا أخي بالمعاشرة بالمعروف.
ولهذا قال المؤلف:
«يلزم الزوجين العشرة بالمعروف»، «يلزم» بمعنى يجب و«الزوجين» الرجل والمرأة «العشرة» فاعل يلزم يعني المعاشرة بالمعروف، أي: بما يعرف شرعًا، وعرفًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وهذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب وقال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
فأثبت أن عليهن عشرة، فيجب على الزوج والزوجة، كل منهما أن يعاشر الآخر بالمعروف.
وقوله: «بالمعروف» يحتمل أن المراد به ما عرفه الشرع وأقره، ويحتمل أن المراد به ما اعتاده الناس وعرفوه، ويمكن أن
_________________
(١) أخرجه الترمذي في الرضاع/ باب ما جاء في حق المرأة على زوجها (١١٦٣)؛ وابن ماجه في النكاح/ باب حق المرأة على الزوج (١٨٥١) عن عمرو بن الأحوص ﵁ وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».
[ ١٢ / ٣٨٢ ]
نقول بالأمرين جميعًا، ما عرفه الشرع وأقره، وما اعتاده الناس وعرفوه، فلو اعتاد الناس أمرًا محرمًا فإنه لا يجوز العمل به، ولو كان عادة؛ لأن الشرع لا يقره، وما سكت عنه الشرع، ولكن العرف يلزم به فإنه يلزم؛ لأن هذا من تمام العقد، إذ العقود الجارية بين الناس تتضمن كل ما يستلزمه هذا العقد شرعًا، أو عرفًا، فلو قالت الزوجة: أنت ما شرطت علي أني أفعل كذا، نقول: لكن مقتضى العقد عرفًا أن تفعلي هذا الشيء.
ولو قال الزوج: يا فلانة اصنعي طعامًا فإن معي رجالًا، فقالت: لا أصنع، أنا ما تزوجت إلا للاستمتاع فقط، أما أن أخدمك فلا، فهل يلزمها أو لا؟ نعم، يلزمها؛ لأن هذا مقتضى العرف، وما اطرد به العرف كالمشروط لفظًا، وبعضهم يعبر بقوله: الشرط العرفي كالشرط اللفظي.
وقوله: «يلزم» أي لزومًا شرعيًا، وينبغي للإنسان في معاشرته لزوجته بالمعروف أن لا يقصد السعادة الدنيوية، والأنس والمتعة فقط، بل ينوي مع ذلك التقرب إلى الله - تعالى - بفعل ما يجب، وهذا أمر نغفل عنه كثيرًا، فكثير من الناس في معاشرته لزوجته بالمعروف، قصده أن تدوم العشرة بينهما على الوجه الأكمل، ويغيب عن ذهنه أن يفعل ذلك تقربًا إلى الله تعالى، وهذا كثيرًا ما ينساه، ينسيه إياه الشياطين، وعلى هذا فينبغي أن تنوي بهذا أنك قائم بأمر الله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وإذا نويت ذلك حصل لك الأمر الثاني، وهو دوام العشرة الطيبة، والمعاملة الطيبة، وكذلك بالنسبة للزوجة.
[ ١٢ / ٣٨٣ ]
وكذا كل ما أمر به الشرع ينبغي للإنسان عند فعله أن ينوي امتثال الأمر ليكون عبادة، ففي الوضوء - مثلًا - إذا أردنا أن نتوضأ نقصد أن هذا شرط من شروط الصلاة، لا بد من القيام به، ونستحضر أننا نقوم بأمر الله - تعالى - في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] قد نذكره أحيانًا، ولكننا ننساه كثيرًا، وهل عندما نفعل هذا نشعر بأن الرسول ﷺ كأنه أمامنا، وأننا نقتدي به فنكون بذلك متبعين؟ هذا قد نفعله أحيانًا، ولكنه يفوتنا كثيرًا، فينبغي للإنسان أن يكون حازمًا لا تفوته الأمور والأجور بمثل هذه الغفلة.
وينبغي للإنسان أن يصبر على الزوجة، ولو رأى منها ما يكره لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] سبحان الله، ما أبلغ القرآن، فلم يقل جل وعلا: فعسى أن تكرهوهن، بل قال: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ أي شيء يكون، فقد يكره الإنسان أن يذهب إلى بيت صاحبه ويجعل الله في هذا الذهاب خيرًا كثيرًا، وقد يكره الإنسان أن يشتري شيئًا، ويشتريه وهو كاره، فيجعل الله فيه خيرًا كثيرًا، ولقول - النبي ﷺ: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر» (^١)، ونبَّه الرسول ﷺ على هذا بقوله: «لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد،
_________________
(١) أخرجه مسلم في النكاح/ باب الوصية بالنساء (١٤٦٧) عن أبي هريرة ﵁.
[ ١٢ / ٣٨٤ ]
ثم يضاجعها» (^١).
والمرأة كما هو معلوم ناقصة عقل ودين، وقريبة العاطفة، كلمة منك تبعدها عنك بُعد الثريا، وكلمة تدنيها منك حتى تكون إلى جنبك، فلهذا ينبغي للإنسان أن يراعي هذه الأحوال بينه وبين زوجته، ولكن نسأل الله السلامة، الآن لما كان عند الناس شيء من ضعف الإيمان، صار أقل شيء يوجد بينه وبين زوجته، وأقل غضب، ولو على أتفه الأشياء تجده يغضب، ويطلِّق، وليته يطلق طلاقًا شرعيًا، بل تجده يطلق زوجته وهي حائض، أو في طهر جامعها فيه، أو بدعيًا بعدده، وبعضهم يزيد على هذا، فيظاهر منها، نسأل الله السلامة، كل هذا من ضعف الإيمان، وقلة التربية الإسلامية.
وينبغي للإنسان أن لا يغضب على كل شيء؛ لأنه لا بد أن يكون هناك قصور، حتى الإنسان في نفسه مقصر، وليس صحيحًا أنه كامل من كل وجه، فهي - أيضًا - أولى بالتقصير.
وأيضًا: يجب على الإنسان أن يقيس المساوئ بالمحاسن، فبعض الزوجات إذا مرض زوجها قد لا تنام الليل، وتطيعه في أشياء كثيرة، ثم إذا فارقها فمتى يجد زوجة؟! وإذا وجد يمكن أن تكون أسوأ من الأولى، لهذا على الإنسان أن يقدر الأمور حتى يكون سيره مع أهله على الوجه الأكمل، والإنسان إذا عود نفسه حسن الأخلاق انضبط، وبذلك يستريح.
_________________
(١) أخرجه البخاري في النكاح/ باب ما يكره من ضرب النساء (٥٢٠٤)؛ ومسلم في الجنة ونعيمها/ باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (٢٨٥٥) عن عبد الله بن زمعة ﵁ واللفظ للبخاري.
[ ١٢ / ٣٨٥ ]