* تابع لباب: إزالة النجاسة.
* قوله: "أو تنجس دهن مائع"، وسبب التفريق بين المائع والجامد.
* حكم من خفي عليه موضع النجاسة.
* تطهير بول الغلام الذي لم يأكل الطعام.
* قوله: "ويعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم" المسألة.
* هل ينجس المسلم بالموت؟
* تعليق الحكم بمشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق.
* حكم المني، ودليل المسألة.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد
فلا يزال الحديث في بيان ما يتعلق بباب إزالة النجاسة وعرفنا هنا أن المراد بالنجاسة هنا النجاسة الحكمية وليست النجاسة العينية فإنها غير قابلة للتطهير وبينا أن النجاسة الحكمية أربعة أنواع: هذا في المذهب عند الحنابلة وكذلك عند الشافعية فهي نجاسة مغلظة والمراد بها نجاسة كلب وخنزير على المذهب ونجاسة مخففة والمراد بها نجاسة بول الغلام الذي لم يأكل الطعام ونجاسة المذي كذلك على المذهب والثالثة نجاسة متوسطة بين ذلك رابعًا نجاسة معفوًا عنها كيسير الدم وأثر الاستجمار في محله سبق ما يتعلق ببعض المسائل المتعلقة بالنجاسة المغلظة والنجاسة المتوسطة، وكانت آخر مسألة وقفنا معها هي أن النجاسة لا تزول بشمس ولا ريح ولا دلك ولا استحالة غير الخمرة فإن خللت - حينئذٍ - إن كانت قصدًا فالحكم بنجاستها محل وفاق وإن كانت بفعل الله ﷿ - حينئذٍ - كانت طاهرة فيفرق بين تخليل الخمر بين أن يكون بفعل الله ﷿ وبين أن يكون بفعل الآدمي والحكم - حينئذٍ - يختلف باختلاف اليد والاستحالة سبق أن الصحيح أنها مطهرة وما عداها يبقى على أصله فالشمس لا تطهر كذلك الدلك لا يطهر إلا ما جاء النص به كذيل المرأة ونحوها - حينئذٍ - ما جاء النص ببيان تطهيره بغير الماء وقيل معه وإلا الأصل أن النصوص دالة على أن النجاسة لا تزول بغير الماء الطهور وأما المائعات ولو كانت أقوى من الماء كما هو الموجود في العصر الحاضر هذه لا تطهر النجاسة لأن الشرع أوقف إزالة النجاسة على الماء وما عداه يبقى على الأصل وقفنا عند قوله (أو تنجس دهن مائع) أي لم يطهر المذهب يفرقون بين المائعات حيث التنجيس فالماء عندهم فيه تفصيل وهو ما سبق في أول الباب ما تغير بالنجاسة حكمنا عليه بكونه نجس هذا الماء الكلام في الماء إن وقعت فيه نجاسة فتغير الماء بالنجاسة - حينئذٍ - نقول الماء انتقل من الطهورية إلى النجاسة وإن لم يتغير بالنجاسة - حينئذٍ - فرقنا بين القليل والكثير فإن كان كثيرًا وهو ما بلغ قلتين فأكثر لا ينجس بل باقي على أصله وما كان دون القلتين حكمنا على الماء بكونه نجسًا بمجرد الملاقاة وهذا بمنطوق ومفهوم حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) مفهومه مفهوم مخالفة أنه إذا لم يبلغ القلتين - حينئذٍ - يحمل الخبث مطلقًا ولو لم يتغير وذكرنا أن هذا هو الصحيح وأما ما عدا الماء على المذهب - حينئذٍ - كل مائع عدا الماء كالزيت السمن ونحو ذلك أو الخل فالحكم عندهم أنه يستوي فيه القليل والكثير فينجس بمجرد الملاقاة ولا عبرة هنا بالتغير بل التغير إن تغير المائع ما عدا الماء كالزيت مثلًا وقعت فيه نجاسة فتغير - حينئذٍ - محل وفاق أنه نجس لو جود أثر النجاسة هذا لا إشكال فيه يبقى الخلاف فيما إذا لم يتغير فالمذهب سواء كان قليلًا أو كثيرًا بمجرد الملاقاة حكمنا عليه بكونه نجسًا ولذلك قال (أو تنجس دهن مائع) (دهن) الدهن قد يكون مائعًا وقد يكون جامدًا والفرق بينهما كما في حواشي الإقناع
[ ١٤ / ١ ]
الجامد الذي فيه قوة تمنع انتقال أجزأ النجاسة من الموضع الذي وقعت فيه إلى ما سواه يعني لا تسري فيه النجاسة يعني لا تمشي بل يقف على محله نقول هذا جامدًا ما عداه فهو المائع، هذا الجامد وعرفه بعضهم بأنه القائم اليابس ضد الذائب والذائب كما عرفه هنا في الحاشية [وهو ما بحيث يسيل لو فتح فم الزق] بمعنى أنه لو فتح فم قربة سال بنفسه هذا يسمى مائعًا أو ذائبًا المذهب يفرقون بين الجامد والمائع، الجامد إذا وقعت فيه نجاسة أزيلت النجاسة وما حولها وأما المائع فبمجرد الملاقاة حكموا عليه بكونه نجسًا، ولذلك قال (أو تنجس دهن مائع) يعني لم يطهر ولا يمكن تطهيره بخلاف الماء سبق أن الماء يمكن أن يطهر؛ ماء قليل إذا وقع فيه أو صب عليه ماء كثير تطهر أليس كذلك؟ أو الماء النجس الكثير الذي زال تغيره بنفسه حكمنا عليه بكونه انتقل من النجاسة إلى الطهورية إذًا الحاصل أن الماء النجس يمكن تطهيره بواحد من الأمور السابقة لكن الدهن المائع لو وقعت فيه نجاسة عندهم لا يمكن تطهيره؛ لماذا؟ لأن الدهن لا يدخل الماء في أجزأ الدهن بخلاف الماء فالماء أجزأ يمكن أن يدخل بعضها في بعض وأما الدهن فلا، ولذلك قال (أو تنجس دهن) دهن هذا قد يكون مائعًا وقد يكون جامدًا أخرج الجامد بقوله (مائع) (لم يطهر) لأنه لم يتحقق وصول الماء إلى جميع أجزائه بدليل أمر النبي ﷺ بإراقة السمن الذي وقعت فيه الفأرة، هذا المذهب والصحيح أن يقال أن الدهن المائع كالجامد بمعنى أن ما عدا الماء على الصحيح أنه لا ينجس إلا بالتغير يعني بالتغير بالنجاسة - حينئذٍ - إذا وقعت النجاسة في الدهن مثلًا سواء كان جامدًا أو مائعًا تزال النجاسة وما حولها والباقي يعتبر طاهرًاَ وإلحاقه بالماء بمجرد الملاقاة نقول هذا إلحاق مع الفارق - حينئذٍ - الأصل القاعدة الأصل ما تغير بالنجاسة فهو نجس ما لم يتغير بالنجاسة وما لم يتغير بالنجاسة فالأصل أنه ليس بنجس إلا ما دل الدليل عليه؛ كالماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة حكم الشارع بكونه نجس إذًا للنص وإذا لم يرد النص بقينا على الأصل واستصحاب البراءة الأصلية - حينئذٍ - نقول هذا الدهن الذي لم يتأثر كله جميعه بالنجاسة نقول الأصل فيه أنه طاهر - حينئذٍ - نبقى على هذا الأصل حتى يرد دليل واضح بين ينقلنا إلى الحكم بالنجاسة فالصواب أن الدهن المائع كالجامد تلقى النجاسة وما حولها والباقي طاهر، ففي البخاري من حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال (ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم) هنا سئل عن ماذا؟ عن فأرة وقعت في سمن ولم يستفصل النبي ﷺ هل هذا السمن جامد أم مائع؟ - حينئذٍ - ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال فيكون النص عامًا - حينئذٍ - هذا الجواب من النبي ﷺ (ألقوها وما حولها) يعني يكون الجواب لأي شيء؟ سواء كان السمن مائعًا أو كان سمن جامدًا؟ لأنه لم يستفصل فيحمل على العموم وأما الرواية التي احتجوا بها في المذهب ومن قال بهذا القول أنه قال (إذا كان جامدًا فألقوها وما حولها وإذا كان مائعًا فلا تقربوها) هذا الحديث ضعيف
[ ١٤ / ٢ ]
هذه الزيادة ضعيفة وإذا كان ضعيفًا - حينئذٍ - لا يعول عليه ويكون حديث ميمونة الوارد في صحيح البخاري هو المعتمد والنبي ﷺ سئل عن السمن ولم يستفصل وبيّن الحكم - حينئذٍ - يكون عامًا، إذًا التفريق بين الجامد والمائع نقول هذا تفريق بناء على نص وهو ضعيف وإذا كان ضعيف رجعنا إلى الأصل وقياسه على الماء قياس مع الفارق فلا يقاس المائع على الماء لأن الماء هو الذي يحصل به التطهير وأما المائعات فلا يحصل بها التطهير ولذلك قال (فلم تجدوا ماء فتيمموا) لما لم يوجد الماء عدلنا إلى التيمم التراب ولو وجد غير الماء من المائعات فدل على أن المائع غير الماء ليس كل الماء - حينئذٍ - يكون القياس مع الفارق، إذًا (أو تنجس دهن مائع لم يطهر) على المذهب مطلقًا سواء كان قليلًا أو كثيرًا تغير أم لا والصحيح أنه إن تغير حكمنا بنجاسته وهذا محل وفاق وإن لم يتغير - حينئذٍ - نلقي النجاسة وما حولها ويكون طاهرًا ولذلك قال في الشرح [لم يطهر لأنه لا يتحقق وصول الماء إلى جميع أجزائه] وإن كان جامدًا ووقعت فيه نجاسة ألقيت وما حولها والباقي طاهر للحديث حديث أبي هريرة (ألقوها وما حولها وكلوا وإن كان مائعًا فلا تقربوه) رواه أبو داود، قال ابن تيمية [عمل بهذا اللفظ بعض العلماء لظنهم صحته وهو باطل ولو أطلع الإمام أحمد على العلة القادحة فيه لم يقل به لأنه من رواية معمر وهو كثير الغلط باتفاق أهل العلم] قولهم (فلا تقربوه) متروك عند السلف والخلف من الصحابة والتابعين وقال البخاري وغيره [هو غلط أخطأ] وقال ابن القيم [غلط من معمر من عدة وجوه وكيف أن الزهري قد روى عنه الناس كلهم خلاف ما روى عنه معمر وسئل عن هذه المسألة فأفتى بأنها يلقى وما حولها ويأكل بالباقي بالجامد والمائع والقليل والكثير واستدل بالحديث فهذه فتياه وهذا استدلاله وهذه رواية الأمة عنه] إذًا القول بأن المائع يلقى كله وأنه تنجس هذا لم يثبت عن النبي ﷺ، ثم قال المصنف (وإن خفي موضع نجاسة غسل حتى يجزم بزوالها) هذه العبارة أخذها من المقنع وعبارة المقنع أوضح حيث قال [وإذا خفيت النجاسة لزمه غسل ما يتيقن به إزالتها] يعني إذا كان المكان ضيقًا ويمكن حصره يعني لا صحراء ونحوها هذا مستثنى إن كان الموضع موضع النجاسة ضيق في بدن أو ثوب أو بقعة ونحوها وخفي عليه موضع النجاسة يعني تيقن نزول النجاسة على الثوب مثلًا لكن لا يدري هل هو أمامه خلفه في الكم الأيمن الأيسر خفي عليه موضع النجاسة مع يقينه بأن الثوب قد وقعت عليه نجاسة - حينئذٍ - لا يحكم على الثوب بكونه قد تطهر إلا بغسله كله لماذا؟ لأنه لا يمكن أن يتيقن مع تيقنه إصابة الثوب بالنجاسة - حينئذٍ - تيقن أنه تنجس ولا يمكن أن يرتفع هذا الحكم إلا بغسله كله - حينئذٍ - تعين أو وجب عليه أن يغسل الثوب كله حتى يجزم بزواله (وإن خفي موضع نجاسة) (خفي موضع نجاسة) هذا مراد به في المكان الضيق لا الواسع أما الواسع فالمذهب أنه يتحر يعني لو كان في أرض أو كان في بيت صالة أو نحوها يعلم أن الولد قد بال في موضع ما لكنه لا يدري نقول هذا المكان واسع ليس بضيق - حينئذٍ - يتحر يعني يبحث عن قرائن فما غلب عليه ظنه
[ ١٤ / ٣ ]
عمل به فيغسله فإن غلب على ظنه أنه بال في هذا الموضع غسل هذا الموضع إن غلب على ظنه أنه بال في هذا الموضع غسل ذاك الموضع ولا يلزمه غسل كل ما يكون في غرفة ونحوها لأن هذا مما يشق، (إن خفي موضع نجاسة) وهذا إنما يتصور في مكان ضيق لا واسع وأما الواسع فيتحر يعني يتحر الموضع الذي يغسله فيغسله ليس المراد أنه يتحر في موضع فيصلي قد يكون هذا لكن المراد هنا النجاسة، (وإن خفي موضع) يعني محل (نجاسة) والنجاسة هذه نكرة في سياق الشرط فتعم يعني سواء كانت النجاسة على الثوب أو كانت في البدن أو كانت في بقعة ضيقة وأراد الصلاة لم يجز له حتى يتيقن زوالها يعني لم يجز له أن يصلي لأن إزالة النجاسة واجتناب النجاسات شرط من شروط صحة الصلاة فإذا تيقن أن الموضع الثوب أو البدن أو الموضع الذي سيصلي فيه أصابته نجاسة - حينئذٍ - لا يجوز أن يصلي حتى يتيقن طهارة الثوب وكذلك البدن والموضع لم يجز له حتى يتيقن زوالها وإنما يتيقن ذلك بغسل كل محل يحتمل أن النجاسة أصابته وبهذا قال مالك والشافعي وابن المنذر، (غُسل حتى يجزم) (غُسل) يعني ذلك الموضع وجوبًا (غسل) ليس اختيارًا وإنما وجوبًا؛ لماذا؟ لأن اجتناب النجاسات هذا واجب إذا كان كذلك - حينئذٍ - ما لم يتحقق الوجوب إلا به فهو واجب - حينئذٍ - اجتناب النجاسة يعتبر واجبًا (حتى يجزم) أي إلى أن (حتى) بمعنى إلى؛ إلى أن يجزم ويقطع بزواله يعني زوال النجس لأنه متيقن فلا يزول إلا بيقين الطهارة وقيل يتحرى مكان النجاسة فيغسلها يعني لا فرق بين الواسع والضيق وهذا هو الصحيح إن غلب على ظنه أنه أصيب في موضع ما من بدنه أو ثوبه أو بقعته - حينئذٍ - نقول التحري جاءت به الشريعة بدليل ماذا؟ بدليل أنهم قالوا بالتحري في مكان واسع صحراء ونحوها له أن يتحرى وهذا حكم شرعي إذا كان كذلك كما أنه يتحرى في الصلاة ويتحرى في عدد أشواط الطواف والسعي ونحو ذلك هنا كذلك نقول على الصحيح تلك المسألة هنا كذلك يتحرى فما غلب عليه في ظنه عمل به فإن تيقن أن النجاسة أصابت أحد الكمين هذا أو ذاك على المذهب يجب أن يغسل الكمين معًا على المذهب والصحيح أنه إن غلب على ظنه أنه في الكم الأيمن هذا الذي يلزمه غسله وما عداه فلا يغسله هذا على الصحيح أنه يتحرى يعني إذا غلب على ظنه هو الذي يعمل به إن استويا - حينئذٍ - رجعنا إلى الأصل وهو ما قرره المصنف هنا رحمه الله تعالى، إذًا (وإن خفي موضع نجاسة غُسل حتى يجزم بزواله) والصحيح أنه لا يلزمه غسل ذلك إذا غلب على ظنه - وحينئذٍ - يتحرى فما غلب على ظنه وإلا فلا، [فإن لم يعلم جهتها من الثوب غسله كله] هذا على المذهب والصحيح أنه يتحرى فإن لم يغلب على ظنه شيء غسل الثوب كله وأما إذا غلب على ظنه جهة معينة - حينئذٍ - رجعنا إلى التحري، [وإن علمها في أحد كميه ولا يعرفه غسلهما] هذا مثال أو تفريع لقاعدة (خفي موضع نجاسة غسل حتى يجزم بزواله) والصحيح ما ذكرناه، [ويصلي في فضاء واسع حيث شاء بلا تحري]- حينئذٍ - نقول لا فرق بين الفضاء الواسع وبين الضيق بل الصواب أنه يتحرى فيهما، ثم قال رحمه الله تعالى (ويطهر بول غلام لم يأكل الطعام بنضحه) هذا النوع الثالث من أنواع النجاسة وهو أنه قد تكون
[ ١٤ / ٤ ]
النجاسة مخففة نجاسة مخففة وهي نجاسة بول الغلام، قال (ويطهر بول) إذًا البول نجس أخذنا ذلك من قوله (يطهر) لأن الطهارة يقابلها ماذا؟ النجاسة؛ وهل قال بعض أهل العلم بطهارة بول الغلام؟ نقول نعم قال داود الظاهري بأنه طاهر وليس بنجس والصحيح ما عليه الجماهير من أنه نجس ولذلك عبر المصنف هنا بالطهارة (ويطهر بول) إذًا خص البول وخرج الغائط وليس له حكم من حيث الاستثناء أو التخفيف وإنما رجع إلى الأصل وهو وجوب الغسل (ويطهر بول) لا غائط (بول غلام) غلام يطلق على الصبي من حين يولد على اختلاف أحواله إلى أن يبلغ هذا أصل الغلام لكن المراد هنا من ولادته إلا أن يأكل الطعام لأن الحكم مقيد فليس مطلق الغلام كل غلام لا؛ المراد به غلام قيده المصنف لم يأكل إذًا هناك غلام أكل الطعام فإذا كان الغلام يطلق على من دون البلوغ - حينئذٍ - قد يكون شابًا أليس كذلك؟ هذا يأكل ويشرب - حينئذٍ - الحكم لا يتعلق به، (غلام) أخرج الجارية - حينئذٍ - الحكم لا يتناولها (غلام) لم يأكل الطعام قال (بنضحه) جار ومجرور متعلق بقول (يطهر) يعني يطهر هذا المذكور النجس (بنضحه) والنضح هو الرش والبل وهو يقابل الغسل فالغسل لابد من جريان الماء ولابد من الفرك والعصر لابد أن يفركه لابد أن يعصره وأما النضح فيكفي الرش فحسب وهذا كما هو الشأن في المذي إذا أصاب الثياب كذلك البول بول الغلام، قال هنا (لم يأكل الطعام) هذا القيد لم يرد في النص وإنما جاء من وصف الصحابي للصبي الذي بال على النبي ﷺ لأنه جاء في الحديث (أتي النبي ﷺ بصبي فبال على ثوبه فدعا رسول الله ﷺ بماء فأتبعه إياه) متفق عليه وليس فيه أنه لم يأكل الطعام وجاء في حديث أم قيس (أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام - فجاء الوصف هنا مقيد بالصحابية - إلى رسول الله ﷺ فأجلسه في حَجْرِه فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله) إذًا (فنضحه ولم يغسله) دل على أن النضح هنا المراد به الرش والبل وليس المراد به الغسل فإن قيل بأن النضح قد يطلق على الغسل نقول ليس بمراد في هذا النص بدليل (ولم يغسله) لما نفى لم يغسله دل على أن النضح المراد به هنا الرش والبل وليس المراد به الغسل إذًا جاء في النص هنا بابن لها صغير لم يأكل الطعام، وجاء كذلك عن أم الحسن (أنها أفسرت أم سلمة تصب الماء على بول الغلام ما لم يطعم فإذا طعم غسلته وكانت تغسل بول الجارية) إذًا هذا القيد لم يرد في فعل النبي ﷺ أو قوله وإنما جاء بقرائن الأحاديث الواردة في هذا الموضع، (ويطهر بول غلام لم يأكل الطعام بنضحه) قال أي غمره بالماء ولا يحتاج لمرص وعصر فإن أكل الطعام غسل، قال ابن القيم رحمه الله تعالى [وإنما يزول حكم النضح إذا أكل الطعام وأراده وشتهاه تغذيًا به] يعني ليس المراد مطلق الأكل لأنه قد يحنك بالتمر مثلًا عند ولادته هذا أكل الطعام لكنه هل اشتهاه هل طلب الطعام؟ هل اختاره؟ الجواب لا، إذًا ليس كل من أكل الطعام يخرج عن هذا الحكم وإنما المراد غلام لم يأكل الطعام تشهيًا يعني لشهوة أو اختيارًا لم يطلبه وإنما أعطي إعطاء هذا ليس بخراج ولا يسمى
[ ١٤ / ٥ ]
آكلًا للطعام؛ لماذا؟ لأنه لا يكون آكلًا للطعام إلا إذا قاصدًا طالبًا له والفعل إنما ينسب إلى الشخص إذا كان قاصدًا وطالبًا له، إذًا قال ابن القيم [وإنما يزول حكم النضح إذا أكل الطعام وأراده واشتهاه تغذيًا به] وقال في الفتح ابن حجر رحمه الله تعالى [والمراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه] لأنه نوع طعام إذا لم يأكل الطعام مات هذا أليس كذلك؟ وإنما المراد به لم يأكل الطعام لشهوة - حينئذٍ - اللبن الذي يرتضعه أخرجه عن الحكم نقول لا، لأنه منذ أن يولد وهو يرتضع فإذا كان هذا آكلًا للطعام ارتفع الحكم الشرعي، إذًا قال ابن حجر [والمراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه والتمر الذي يحنك به والعسل الذي يلعقه للمداواة وغيرها فكان المراد أنه لم يحصل الإغتذاء بغير اللبن عن الاستقلال] هذه المذكورات لا تخرجه عن كونه ليس آكلًا للطعام لأنه يعطى إعطاء إذًا هذا الحكم خاص بالغلام ولا يشمل الجارية للنص الذي ذكرناه سابقًا ولما فرق الشارع بينهما الله أعلم، بين النبي ﷺ بأن البول بول الصبي ينضح من بول الغلام ويغسل بول الجارية نقول فرق بينهما وجمع بينهما في لفظ واحد؛ لم فرق؟ نقول الصحابة لم يسألوا لم فرقت يا نبي الله ﷺ وإذا لم يسألوا - حينئذٍ - رجعنا إلى التسليم والأحكام الشرعية إنما مبناها على التعبد الفقهاء استنبطوا أحكام لكن لا نقف معها، ثم قال (ويعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم نجس من حيوان طاهر) (ويعفى) هذا النوع الرابع وهو النجاسة التي يعفى عن يسيرها (ويعفى) أي يتجاوز تجاوز (عن يسير دم) يتجاوز (يعفى) (عن يسير) متعلق بقوله (يعفى) والذي عفا من؟ الشارع هو الذي تسامح هو الذي تجاوز يعفى عن يسير إذًا لا كثير واليسير ما لا يفحش في نفس كل أحد بحسبه والكثير ما يفحش في نفس كل أحد بحسبه يسير ماذا؟ قال (يسير دم) أما يسير غير الدم كالبول والغائط فلا يعفى لأنه خصه بماذا؟ بالدم، النجاسات كثيرة ومنها الدم - حينئذٍ - لما قال (عن يسير) إذًا لا كثير فكثير الدم لا يعفى عنه ولما قال (عن يسير دم) خص الحكم وقيده بالدم إذًا يسير البول لا يعفى عنه يسير الغائط لا يعفى عنه يسير القيء على القول بنجاسته لا يعفى عنه وقلها في ما عدا هذه النجاسات، (عن يسير دم نجس) قيد الدم بكونه نجس تعلم منه أن بعض الدم ليس نجس، فالدماء ثلاثة أقسام: الأول: نجس لا يعفى عن شيء منه ألبته؛ وهو الدم الخارج من حيوان نجس ولذلك قال هنا (من حيوان طاهر) إذًا الحيوان النجس هذا لا يعفى عنه لا يسير ولا كثير نجس لا يعفى عن شيء وهو الدم الخارج من حيوان نجس أو خارج من السبيلين من القبل أو الدبر هذا على المذهب لا يعفى عن يسيره، النوع الثاني: نجس يعفى عن يسيره؛ وهو الذي معنا يسير دم من حيوان طاهر - بهذا القيد - حيوان طاهر يعني في الحياة ولو لم يكن مأكول اللحم، الثالث: دم طاهر؛ وهذا أنواع دم السمك لأن ميتته طاهرة، الثاني الدم اليسير الذي لا يسيل كدم البعوضة والذباب ونحوها لأن ميتتها طاهرة كما سينص عليها المصنف، ثالثًا الدم الذي يبقى في المذكاة بعد تذكيتها كدم الذي يكون في العروق أو في الكبد أو في الطحال هذا
[ ١٤ / ٦ ]
سواء كان قليلًا أو يسيرًا يعني بعد سيران الدم الذي يسيل الدم المسفوح هذا نجس باتفاق وأما الدم الباقي في اللحم أو في الكبد أو في الطحال أو في العروق هذا طاهر وليس بنجس ولو كثر ولو رأيته يطبخ مع اللحم نقول هذا مستثنى طاهر، رابعًا دم الشهيد عليه طاهر لأن النبي ﷺ لم يأمر بغسله فدل على طهارته هذا عندنا وعند الحنفية وأما عن المالكية والشافعية فهو نجس، إذًا الدماء الطاهرة أربعة دم السمك والدم اليسير الذي لا يسيل وثالثًا الدم الذي يبقى في المذكاة بعد تذكيتها ودم الشهيد ما عدا هذه - حينئذٍ - يكون نجسًا ويختلف حكمه من حيث العفو عن يسيره أو لا، (ويعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم نجس) عرفنا أنه من حيوان طاهر في الحياة وسيأتي هذا، إذًا التخصيص في العفو هنا خصه المصنف باستثناء نوعين أنه لا يعفى عن يسيره وهو (في غير مائع) السائل يعني في غير السائل وأما السائل سواء كان ماء أو غيره فعلى كلام المصنف أن يسير الدم النجس وغيره كذلك لا يعفى عنه فلو وقعت قطرة بول في ماء يسير؟ نجس ما يعفى عنه ولو كانت قطرة بول، (ومطعوم) يعني ما يطعم من الجوامد كالخبز ونحوه كذلك لو وقعت عليه قطرة بول قالوا حكمنا عليه بأنه نجس ولا يعفى عن يسيره وما يعفى عن يسيره يترتب عليه حكم وهو أنه لا يطالب بغسله أو تطهيره وأما هنا في المطعوم وفي المائع - حينئذٍ - الحكم ثابت كما هو فمراد المصنف هنا أن العفو عن يسير الدم النجس من حيوان طاهر يكون في غير المائع وأما المائع فلا يعفى عن يسيره بل نحكم عليه بكونه نجسًا لأن الماء وغيره بمجرد الملاقاة يعتبر نجسًا ولكن الماء بقيد القليل وأما المائع فلا يقيد بقليل ولا كثير وهذا يصح في ماذا؟ يصح في الماء القليل وأما المائع فكما ذكرنا سابقًا أن العبرة بالتغير وبناء المذهب هنا على أنه بمجرد الملاقاة وهو قول ضعيف، (ويعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم نجس) يعني في الثياب والبدن والأرض والبساط ونحوها أما المائع والمطعوم فلا يعفى عن يسيره (من حيوان طاهر) هذا من المتن - إن كان ظاهر النسخة التي معنا ليست من المتن بل هي من المتن - قيد لابد منه (من حيوان طاهر) حيوان قسمان: طاهر ونجس، فالطاهر الأول مأكول اللحم كل ما أذن الشارع بأكل لحمه فهو طاهر لأن النجس خبيث وإذا كان خبيثًا فالأصل فيه التحريم إذًا مأكول اللحم، ثانيًا ما ليس له دم سائلة فهو طاهر في الحياة وبعد الممات كالذباب للحديث الوارد في الذباب فهو طاهر في الحياة وبعد الممات، والنجس كل حيوان محرم في الأكل إلا الهرة وما دونها في الخلقة، إذًا مأكول اللحم طاهر، ما ليس مأكول اللحم هل كله ليس بطاهر؟ الجواب لا؛ وإنما يفسر فيه ما ليس له دم سائلة فهو طاهر في الحياة وبعد الممات - طيب - كذلك ما دون الهرة في الخلقة فهو طاهر في الحياة وهو له دم سائلة لكن جاء النص باستثنائه، إذًا الطاهر مأكول اللحم وما ليس له دم سائلة فهو طاهر في الحياة وبعد الممات ثم النجس كل حيوان محرم الأكل إلا الهرة وما دونها في الخلقة على المذهب فطاهر، وما دونها في الخلقة هذا القيد فيه نظر والصحيح أن العلة هي التطواف كما سيأتي، المراد الهرة وما
[ ١٤ / ٧ ]
دونها هذا طاهر في الحياة، قال هنا (من حيوان طاهر) إذًا لو كان يسير دم من حيوان نجس؛ ما الحكم هل يعفى عن يسيره؟ الجواب لا؛ وإنما يعفى عن يسير الدم النجس من حيوان طاهر - حينئذٍ - الطاهر قد يكون مأكول اللحم وقد لا يكون مأكول اللحم؛ أليس كذلك؟ فالهرة مثلًا هي طاهرة - حينئذٍ - لو أصيبت يعني جرحت فخرج الدم فأصاب ثوبك قطرة يسيرة؛ هل يجب إزالته؟ لا يجب إزالته؛ لماذا؟ لأنه دم نجس من حيوان طاهر في الحياة - حينئذٍ - نحكم عن هذا اليسير بأنه معفو عنه يعني لا يحب غسله فلو صليت به ولو عمدًا نقول هذه الصلاة صحيحة فلا يجب غسله ألبته لأنه مما استثني، إذًا (من حيوان طاهر) لا نجس ولا إن كان من سبيل قبلًا كان أو دبرًا، وأما مسألة الدم الإنسان هل طاهر أم نجس؟ حكي الإجماع أنه نجس وإن كانت الأدلة قد لا تسانده وهذه المسألة طويلة مفصلة في الشرح المطول، ثم قال (وعن أثر استجمار بمحله) هذا النوع الثاني مما يعفى عن يسيره وهو الاستجمار وقد مر معنا في باب الاستجمار (وعن أثر استجمار) يعني ويعفى ويتجاوز (عن أثر استجمار) والمراد بالاستجمار الاستجمار الشرعي يعني الذي استوفى العدد مع الإنقاء وأما إذا لم يكن شرعيًا كأن استنجى أو استجمر بنجس نقول هذا لا يعفى عنه ولا عن يسيره ولا عن أثره - حينئذٍ - نقول هذا الاستجمار ليس شرعيًا وإنما المراد الاستجمار الشرعي الذي توفرت فيه الشروط السابقة في بابه، (وعن أثر استجمار) هو في الأصل نجس لأنه بول والبول نجس وكذلك الغائط الدبر مثلًا والأصل فيه أنه نجس والأصل في الموضعين أنهما نجسان هذا الأصل فيهما ولكن لكون النبي ﷺ اقتصر على الاستجمار مع وجود الماء دل على أن هذا الأثر معفو عنه، وهذا على التسليم بأن الاستجمار لا يطهر لأنه لو استجمر في موضع القبل أو الدبر فالباقي من أثر النجاسة معفو عنه يعني متجاوز عنه يعني لا يجب غسله فيما لو صلى أو انتهى من صلاته، طيب ماذا بقي؟ قال (بمحله) يعني في محله يعني على القبل والدبر فإن علق الموضع فأصاب الثوب قالوا رجعنا إلى الأصل وهو النجاسة فلا يعفى عنه إنما العفو معلق بالمحل فمادام أن الغائط في الدبر بقية منه أجزاء قالوا معفو عنه يعني يتسامح فيه ولا يترتب عليه الحكم وهو وجوب الإزالة لكن لو علق الموضع فأصاب الثوب حكمنا على الثوب بأنه نجس؛ لماذا؟ لأنه رخصة والرخصة إنما تناط بمحلها فإذا تجاوزت المحل رجعنا إلى الأصل، وهذا الفرع الذي وقع فيه نزاع مبني على الاستجمار هل هو مطهر أو لا؟ فمن قال أنه مطهر حكمنا على الباقي ولو كان في أصله نجسًا حكمنا على الباقي أثره في الموضع بأنه طاهر فإن عرق الموضع فأصاب الثوب فالثوب طاهر وهذا هو الصحيح بأن الموضع قد تطهر ثم ما أصاب الثوب ولو وجد لونه لون البول أو الغائط ونحو ذلك نقول الأصل أنه طاهر؛ لماذا؟ لأن النبي ﷺ قال (إنهما لا يطهران) دل على أن ما عداهما يطهر ثم استعمل الاستجمار مع وجود الماء فليس هو كالتيمم طاهرة ضرورة وإنما هو طهارة مع القدرة على الماء فلما عدل عن الماء إلى الاستجمار مع وجود الماء علمنا أنه ليست طهارة ضرورة وإذا كان كذلك ساوى الاستجمار الماء
[ ١٤ / ٨ ]
هذه النتيجة ساوى الاستجمار الماء - حينئذٍ - كما أن الماء يطهر وإن كان هو أكثر تطهيرًا وإنقاء كذلك الاستجمار بالأحجار ونحوها يطهر وإن كان أدنى تطهيرًا من الماء ويترتب عليهما أن الموضع قد طهر ولو بقيت أجزاء النجاسة ولو بقيت أجزاء النجاسة وعقلك لا تدخله في مثل هذه المواضع هذه تعبدية والحكم ما حكم به الله ورسوله ﷺ فمادام أن النصوص صحت فالاجتهاد والرأي يكون لا مجال له ألبته، ويعفى (عن أثر استجمار) إذًا هو في الأصل نجس على المذهب هو في الأصل نجس لأن المسح لا يزيل أجزاء النجاسة كلها فالباقي منها نجس لأنه عين نجاسة فأشبه ما لو وجد في المحل وحده (عن أثر استجمار بمحله) يعني في الباء هنا بمعنى في، مفهومه أنه لو تجاوز محله لم يعفى عنه وهذا المذهب والصحيح كما ذكرنا أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه اقتصر على الاستجمار في التنزه عن البول والغائط فإذا كان كذلك فهو مطهر، ثم قال رحمه الله تعالى (ولا ينجس الآدمي بالموت) (ولا ينجس) لأن المقام هنا حديث في بيان النجاسات والآدمي سواء كان مسلمًا أو كافرًا فيه خلافًا بين أهل العلم المسلم في حال الحياة بالإجماع أنه طاهر وإذا مات صار ميتة - حينئذٍ - هل يدخل في الألفاظ الدالة على أن الميتة نجسة أو لا؟ هذا محل نزاع ولذلك ذهب بعض الفقهاء وهو رواية عن الإمام أحمد في بعض الروايات أن المسلم إذا مات صار نجسًا ولذلك يحتاج إلى تغسيله، لكن هذا القول ضعيف، (ولا ينجس الآدمي) يعني من كان من بني آدم سواء كان مسلمًا أو كافرًا (لا ينحس) بالموت وهنا لم يفرق المصنف بين المسلم ولا الكافر لاستوائهما في حال الحياة وأجزاؤه وأبعاضه كجملته، قال (بالموت) لا ينجس بسبب الموت لأن الموت إذا حل بحيوان بحكم بنجاسته والآدمي حيوان لكنه ليس كسائر الحيوانات هل يختلف الحكم أو لا؟ جاء النص بقوله ﷺ (المؤمن لا ينجس) (سبحان الله إن المؤمن لا ينجس) (المؤمن) مؤمن مفعل يعني ذات متصف بالإيمان دخلت عليه أل وأل هذه ما نوعها؟ استغراقية ما نوعها؟ موصولية - وصفة صريحة صلة أل - صفة صريحة مؤمن يعني اسم فاعل صلة أل؛ إذًا أل هذه من الموصولات وإذا كانت من الموصولات عند الأصوليين أن الموصولات الذي والتي والذين وأل مثلها أنها من صيغ العموم - حينئذٍ - تعم (المؤمن) تعمه من أي جهة سواء كان ميتة أو حيًا فالمؤمن في حال الحياة هو متصف بالإيمان إذا مات هل يبقى الوصف أم يزول؟ إذا مات على إيمانه يبقى الوصف أم يزول؟ يبقى الوصف؛ هل يصدق عليه الحديث؟ يصدق عليه الحديث إذًا (المؤمن) سواء كان ميتة أو حيًا والعموم لكونه صفة دخلت عليه أل فوصف الإيمان باق في حياته وبعد مماته - فحينئذٍ - قال (لا ينجس) هذا نفي يعني لا يوصف بكون نجسًا بسبب الموت ألبته (المؤمن لا ينجس) الحكم نفي النجاسة علقه على ماذا؟ على وصف المؤمن وتعليق الحكم بمشتق يأذن بعلية ما منه الاشتقاق بمعنى أن نفي النجاسة لكونه مؤمنًا يعني كأنه قال المؤمن لأجل إيمانه لهذه العلة لا ينجس مفهومه مفهوم مخالفة أن الكافر ينجس لماذا؟ لانتفاء العلة وهي الإيمان وهذا صحيح فكما أن المؤمن عام في الحي والميت كذلك الحكم
[ ١٤ / ٩ ]
ينجس الكافر حيًا وميتًا الكلام في النص لآن الكلام في هذا الحديث، - حينئذٍ - (لا ينجس) هذا حكم معلق على ماذا؟ على مشتق على وصف وتعليق الحكم بمشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق يعني الحكم هنا معلل والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا كأنه قال (المؤمن) لعلة لكونه مؤمن متصف بالإيمان قريب من رحمة الله (لا ينجس) مفهومه مفهوم مخالفة من لم يؤمن نجس إذًا الكافر نجس وهذا صحيح - حينئذٍ - يكون العموم هنا في مفهوم المخالفة يعم الكافر حيًا وميتًا دلت النصوص لجواز نكاح الكتابية وكذلك أكل طعامهم النبي ﷺ أكل مع اليهودي وتعامل مع اليهود وإلى آخره دلت هذه النصوص الواردة في التعامل مع الكفار على أنه في حال الحياة طاهر بقي ماذا؟ بقي الموت؛ - حينئذٍ - نقول الكافر في حال الحياة طاهر وأما إذا مات رجع إلى دلالة هذا النص فنحكم عليه بكونه نجسًا قال ابن قدامة في هذا الحديث [ويحتمل أن ينجس الكافر بموته - بل هو مدلول النص - لأن الخبر إنما ورد في المسلم ولا يقاس الكافر عليه لأنه لا يصلى عليه ولا حرمة له كالمسلم]، وأما في حال الحياة قد ذهب بعضهم كأبي حنيفة وابن حزم إلى أنهم أنجاس استدلالًا بقوله تعالى (إنما المشركون نجس) لكن المراد هنا بالآية النجاسة المعنوية وليست النجاسة الحسية ولذلك أباح الله طعامهم ونساءهم فدل على أنهم على طهارتهم في حال الحياة ولذلك دخلوا المسجد في عهد النبي ﷺ وكذلك ربط ثمامة في المسجد فدل على أنهم على طهارة لو كانوا أنجاسًا ما جاز أن يدخلوا المساجد - حينئذٍ - نقول في حال الحياة هم طاهرون وأما إذا مات فنرجع إلى دلالة النص، إذًا (ولا ينجس الآدمي بالموت) يستثنى من الكافر والكافر ينجس بالموت على الصحيح والله أعلم، (وما لا نفس له سائلةً - سائلةٌ يجوز الوجهان - متولد من طاهر) (وما) هذا معطوف على ماذا؟ على الآدمي (ولا ينجس الآدمي) ولا ينجس (ما لا) وما هنا اسم موصول يصدق على حيوان يعني كأنه قال لا ينجس حيوان لا نفس له؛ النفس هنا المراد بها الدم يعني ليس له دم ليس المراد ليس له دم الدم ضروري بل قيل هو الروح لكن المراد إذا قطع أو ذبح أو نحو ذلك لا يسيل الدم يعني لا يجري هو فيه دم لكن لا يجري ليس له دم مسفوح، فالنفس الدم فإن العرب تسمي الدم نفسًا ومنه قيل للمرأة نفساء لسيلان دمها عند الولادة ويقال نفست المرأة إذا حاضت، إذًا (وما لا نفس) أي دمًا (له) الضمير يعود إلى (ما) للحيوان (سائلة) كالبقي والعقرب وهو (متولد من طاهر) هذا شرط في الحكم عليه بكونه طاهرًا لأنه ليس بنجس (متولد من طاهر) المتولد من طاهر يعني الذي أصله الطهارة بخلاف الذي أصله النجاسة فما كان متولد من طاهر هذا لا خلاف فيه والمتولد من النجس جمهور أهل العلم على أنه طاهر خلافًا للمذهب فإنه لا يطهر وهذا مبني على مسألة الاستحالة يعني لو وجد نجاسة ميتة مثلًا فتحول بعض الدم أو بعض اللحم إلى دود هذا دود متولد من ماذا؟ من نجس؛ ما حكمه؟ إن قلنا أن الاستحالة لا تطهر وهي المذهب حكمنا عليه بكونه نجس وإن قلنا بكون الاستحالة مطهرة حكمنا عليه بكونه طاهرًا وكذلك مثلًا الصراصير التي توجد في الحمامات
[ ١٤ / ١٠ ]
ونحوها قد تتولد من نجاسة إن حكمنا عليها بكونها نجسة بأن الاستحالة لا تطهر فهي نجسة فإن وقعت في الماء نجسته وإذا ماتت فيه نجسته وإذا حكمنا بكون الاستحالة مطهرة - حينئذٍ - لو وقعت وماتت في الماء لا نحكم بنجاسته لأنها طاهرة إذًا (ما لا نفس له سائلة) يعني ليس له دم تجري إذا ذبح مثلًا (متولد من طاهر) لا ينجس بالموت وهذا المذهب فلا ينجس الماء اليسير بموتهما فيه هذا الذي ينبني عليه، قال ابن هبيرة [واتفقوا على أنه إذا مات في الماء اليسير ما لا نفس له سائلة كالذباب ونحوه فإنه لا ينجسه - يعني لا ينجس الماء - إلا في أحد قولي الشافعي] والأصل في هذه المسألة مسألة الحيوان الذي ليس له دم سائلة الأصل أنه ورد حديث في الذباب فقط وقيس عليه ما عداه جاء في الصحيح (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه) يفهم منه ماذا؟ أولًا وقع وهو حي إذًا لم ينجس الشراب وهو قليل قطعًا أنه قليل إذًا الذباب في حال الحياة طاهر لأنه لو كان نجس دلت النصوص على أن الماء القليل بمجرد الملاقاة ينجس وهنا قال (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم) إذًا (فليغمسه) إذًا أول ما وقع نقول حكمنا عليه بكونه وهو حي أنه طاهر قوله فليغمسه وقال (في شراب أحدكم) الشراب على نوعين شراب بارد وشراب ساخن حار - حينئذٍ - لو غمسه في الشراب الحار قضا عليه إذًا مات فإذا مات هل أمر النبي ﷺ بإراقة هذا الشراب؟ الجواب لا - حينئذٍ - دل على أنه بعد موته ميتته طاهرة وليست نجسة لأن النبي ﷺ قال (فليغمسه) ومع إطلاقه الشراب قد يكون حارًا ساخنًا فيموت وهذا النبي ﷺ لا يأمر به لأنه إفساد له لو كانت الميتة نجسة فدل هذا النص على أن الذباب ليس بنجس في حال الحياة كذلك بعد الموت، قال ابن القيم في هذا الحديث [وفيه دلالة ظاهرة على أنه لو مات في ماء أو مائع أنه لا ينجسه لأنه طاهر وهذا قول جمهور العلماء ولا يعرف في السلف مخالف في ذلك وعدي هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة] يعني استنبطوا لما الذباب هل له خاصية معينة بالغمس هل يفيد الشراب شيئًا يحتمل هذا وذاك لكن وجدوا أن الذباب ليس له دم تسيل فقاسوا عليه كل ما لا نفس له سائلة - حينئذٍ - مثله الصراصير وكذلك العقارب والنمل وكله يقاس على هذا ليس فيه نص خاص وإنما من باب القياس [وعدي هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة]، قول المصنف (وما لا نفس له سائلة) مفهومه ما له نفس سائلة أنه ينجس لكن هنا لابد من إخراج ما نص عليه سابقًا الآدمي لأن الآدمي نص على أنه ليس بنجس (ولا ينجس الآدمي بالموت وما لا نفس له سائلة متولد من طاهر) خرج الآدمي ما له نفس سائلة من الحيوان غير الآدمي على قسمين: الأول ما ميتته طاهرة وهو السمك وسائر حيوان البحر الذي لا يعيش إلا في الماء فهو طاهر حيًا وميتًا لأنه لو كان نجس لم يبح أكله، ثانيًا ما لا تباح ميتته غير الآدمي كحيوان البر المأكول وغيره وحيوان البحر الذي يعيش البحر كالضفدع والحية والتمساح ونحو ذلك وكل ذلك ينجس بالموت وينجس الماء القليل إذا مات فيه والكثير إذا غيره، إذًا (ما لا نفس له سائلة متولد من طاهر) المراد به ما لم
[ ١٤ / ١١ ]
يأتي النص بكونه نجسًا أو أنه حي، ثم قال المصنف رحمه الله تعالى (بول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه ومني الآدمي ورطوبة فرج المرأة) كل ذلك حكم عليه بأنه طاهر (وبول ما يؤكل لحمه) إذًا مفهومه أن بول ما لا يؤكل لحمه أن الحكم يختلف لأنه خصه بماذا؟ بموصوف وهو ما يؤكل لحمه، إذًا فرق بين الحيوان مأكول اللحم والحيوان غير مأكول اللحم (بول ما يؤكل لحمه) ومثل البول (روثه) بالرفع عطفًا على ماذا؟ - ما يؤكل لحمه روثه - إن عطفته على اللحم - ما يؤكل لحمه روثه - معطوف على البول انتبه!، بول وروث ومني ما يؤكل لحمه هذا المراد ولو أخر المصنف لكان أجود، (وبول ما يؤكل لحمه) انظر النحو كيف (روثه) بالرفع قد يظن الظان أنه معطوف على (لحمه) ولحمه نائب فاعل يؤكل لحمه نائب فاعل لو عطفت عليه روثه لقولت يؤكل روثه وإذا عطفت على البول - حينئذٍ - صار محكومًا عليه، الكلام بول وروث ومني ما يؤكل لحمه؛ ما حكمه؟ طاهر، أما الإبل فجاء النص فيه على جهة الخصوصية وما عداه فهو مقيس عليه (بول ما يؤكل) (بول ما) أي حيوان (يؤكل لحمه) ذكرنا أن في الإبل النص وفي غيرها مما يؤكل لحمه فبالقياس (وروثه) كبوله (ومنيه) وله مني لقوله تعالى (والله خلق كل دابة من ماء) (كل دابة) عام والإبل دابة والقط دابة إذًا كل ما يصدق عليه أنه دابة قال (من ماء) يعني من مني فله مني، إذًا هذه الثلاثة الأشياء نحكم عليها بكونها طاهرة؛ لماذا؟ قالوا لأن النبي ﷺ أمر العرنيين قبيلة من العرب أن يلحقوا بإبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها فلما أمرهم بذلك دل على أن - الألبان واضحة طاهرة - أبوالها طاهرة؛ لماذا؟ لأنه لا دواء فيما حرمه الله تعالى، فلو كانت الأبوال نجسة معلوم أن نجس محرم الشرب ولم يأذن الله عزوجل للعباد أن يتداووا بما هو محرم - حينئذٍ - لما أمرهم النبي ﷺ وأذن لهم أن يشربوا أبوال الإبل لأجل الدواء علمنا أنها طاهرة هذا يستلزم الطهارة ولذلك قال الشارح [والنجس لا يباح شربه] قد يقال أنه للضرورة قال لو أبيح للضرورة لأمرهم بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة فلما ترك دل على أنه طاهر وصلى النبي ﷺ في مرابض الغنم وأذن بالصلاة فيها ولا تخلو من أبعالها وأبوالها؛ وكذلك البراءة الأصلية، إذًا الأصل في بول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه الأصل أنه طاهر، ولذلك قال الشوكاني رحمه الله تعالى [والظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه تمسكًا بالأصل واستصحابًا للبراءة الأصلية والنجاسة حكم شرعي ناقل عن الحكم الذي يقتضيه الأصل والبراءة فلا يقبل قول مدعيها إلا بدليل يصلح للنقل عنهما ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليل] ليس عندهم دليل واضح بين وإن كان هذا منسوب القول بالنجاسة منسوب للجمهور شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى [يقول هذا القول محدث لا سلف له من الصحابة] مع كونه قول الجمهور، (ومني الآدمي) كذلك طاهر لقول عائشة رضي الله تعالى عنها (كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ ثم يذهب ويصلي فيه) إذًا لم تغسلهّ إذ لو كان نجسًا لغسلته والحديث متفق عليه، قال شيخ الإسلام [وأما كون عائشة تغسله تارة - من
[ ١٤ / ١٢ ]
ثوب رسول الله ﷺ - وتفركه تارة هذا لا يقتضي تنجيسه] يعني هو طاهرة كونه يغسل لا يدل على النجاسة؛ بدليل ماذا؟ أمرين؛ الأول: أن المخاط والبصاق مثلًا وما يكون من سائر الإنسان قد يغسل فالغسل - حينئذٍ - لا يستلزم التنجيس، ثانيًا: أنه قد ورد رواية أخرى وهي أنها تفركه؛ ولو كان نجسًا لوجب غسله لهذين الأمرين هو طاهر، ولذلك قال [وأما كون عائشة تغسله تارة وتفركه تارة فهذا لا يقتضي تنجيسه فإن الثوب يغسل من المخاط والبصاق والوسخ وهذا قول غير واحد من الصحابة ابن عباس وغيره] إذًا مني الآدمي طاهر هذا المذهب مطلقًا لكن استثنوا ما سبق التنصيص عليه وهو أن المني إذا خرج دون دفق ولذة حكم عليه بأنه نجس والثاني - النوع الثاني من المني النجس على المذهب - أنه لو استجمر ثم أمنى حكم على المني بأنه نجس؛ لماذا؟ لأنه لاقا نجاسة لا في محلها يعني تعدى خرجت تجاوز الموضع - حينئذٍ - حكم عليه بكونه نجسًا، في هذين الموضعين المني على المذهب يعتبر نجسًا، (ورطوبة فرج المرأة) كذلك طاهر فرج المرأة المراد به مسلك الذكر حكمه حكم الظاهر وهو طاهر، والرطوبة التي تخرج من المعدة نجسة بالاتفاق والمراد هنا الرطوبة التي تخرج من فرج المرأة، قال هنا [للحكم بطاهرة منيها مطلقًا وهو قول الشافعي وتقدم قول الشيخ وقال القاضي ما أصاب منه في حال الجماع نجس لأنه لا يسلم من المذي قال في المبدع وهو ممنوع فإن الشهوة إذا اشتدت خرج المني وحده] على القول السابق بأن مجرد الملاقاة لا ينجس إلا الماء - حينئذٍ - لا نحكم على سائر المائعات إلا بالتغير وإذا كان كذلك فإصابة قطرة أو قطرتين من المذي للمني لا نحكم عليه بكون نجسًا وكذلك الشأن في الرطوبة التي قد تواجه مذي أو نحو ذلك فلا نحكم عليه بالنجاسة، (ورطوبة فرج المرأة) طاهر، وعنه نجس عن الإمام أحمد رواية أخرى أنها نجسة وجاء في بعض الروايات للنبي ﷺ في ذاك الراجل الذي قال له (لعلنا أعجلناك؛ اغسل ذكرك) هذا أمر ودل على أنه قد يحكم عليها بالنجاسة (ورطوبة فرج المرأة) طاهر والكلام في حكم الرطوبة هنا ليس هو الكلام في حكم النقض فمن حكم بكونها طاهرة لا يلزم منه أن يحكم بكونها غير ناقضة للوضوء فالجمهور على كونها طاهرة ولكنها ناقضة للوضوء هذا هو الصحيح أنها ناقضة للوضوء وأما الطاهرة فهذا فيه شيء من الإشكال، ثم قال (وسؤر وما دونها في الخلقة طاهر) (سُؤر) بضم السين مع الهمزة بضم السين مهموز المراد به بقية الطعام وكذلك الشراب يعني يصدق على الطعام ويصدق على الشراب، ولذلك قال في الشرح [والسؤر بضم السين مهموز بقية طعام الحيوان وشرابه] (الهِرة) بالكسر المراد به القط (وما دونها في الخلقة) يعني وما هو أقل منها في الخلقة يعني أقل حجمًا العبرة بالحجم هنا فالقطة المتوسطة وما دونها في الخلقة يعني كالفأر ونحوه ما حكمه؟ قال (طاهر) ويستثنى ما سبق وهو ما كان متولد من نجس فما كان متولد من نجس على المذهب فهو نجس فلا يستثنى ليس داخل في الحكم لأنه قال هناك (وما لا نفس له سائلة متولد من طاهر) فإن كان متولد من نجس حكمنا عليه بكونه نجس وليس داخل معنا هنا فسؤره نجس لأنه نجسه وكذلك
[ ١٤ / ١٣ ]
سؤره سواء كان طعامًا أو شرابًا يعتبر نجسًا والحكم إنما هو معلق بالطاهر إذًا سؤر الهرة وما دونها في الخلقة ويستثنى ما سبق وهو ما لم يكن متولد من نجسًا فهو طاهر، لحديث أبا قتادة في الهر (إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات) هذا تعليل فنفى أنها نجسة لما رآه تشرب من الماء ثم توضأ بعدها فكأنه أنكره أو زوجته أنكرت ذلك قال (إنها ليست بنجس) فإذا لم تكن نجسة - حينئذٍ - سؤرها ليس بنجس وهذا قد يؤخذ منه تأييد المذهب وهو أن ما كان دون القلتين بأنه ينجس بمجرد الملاقاة لأنه نظر هنا إلى الظاهر هرة نجسة في ظنها ثم أخذت أو شربت من الماء فلو لم يكن لها تأثير مطلقًا لما كان الإنكار، إذًا (إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات) انظر نظروا إلى الهرة من حيث الخلقة ونفي الحكم بالنجاسة - حينئذٍ - عمموا الحكم فيما دونها مع أن العلة التي ذكرها النبي ﷺ ليست هي متعلقة بحجم الهر أو أكبر أو دون ذلك وإنما دفعًا للمشقة لأن التطواف المراد به ما يدخل البيوت بكثرة أو ما يلابس الناس بكثرة هذا الاحتراز منه وعنه من حيث النجاسة فيه مشقة ولذلك العلة الصحيحة أن يقال فيما هنا أنه التطواف لأن إن بعد النفي تدل على التعليل كما أن إن بعد الأمر أو النهي تدل على التعليل (إنها ليست بنجس) لماذا؟ لإنها - حينئذٍ - صار علة فعلق النبي ﷺ العلة هنا ليس على حجمها وإنما على مشقة الاحتراز عنها ومنها - حينئذٍ - ما كان مثل الهرة كالحمار الأهلي ونحوه مما يركبه الناس ونحوه مما لا يمكن التحرز منه وعنه - حينئذٍ - يكون حكمه حكم الهرة وهذا هو الصحيح، (وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر) فنقول أن الصحيح أن العلة ليست هي حجم الهرة وإنما العلة هي التطواف فكل ما كان كثير تطواف على الناس ويشق التحرز عنه - حينئذٍ - نحكم عليه بكونه طاهر، ثم قال المصنف رحمه الله تعالى (وسباع البهائم والطير والحمار الأهلي والبغل منه نجسة) (سباع البهائم) مراده غير الكلب والخنزير وغير الهر وما دونها في الخلقة يعني يستثنى مما سبق من أول الباب فالكلب ليس بداخل وإن كان من سباع البهائم وكذلك الخنزير ليس بداخل والهر وما دونها في الخلقة ليس بداخل، (وسباع البهائم والطير) الطير اسم جنس يقع على الواحد ومنها السباع كذلك التي أكبر من الهر خلقة والمراد بالسباع هي التي تأكل وتفترس (والحمار الأهلي) لا الوحشي (والبغل منه) يعني إذا كان نتاجًا عن الحمار الأهلي أي من الحمار الأهلي لا الوحشي (نجسة) فالحكم على كل ما ذكر بأنه نجس وكذلك جميع أجزائها وفضلاتها لأنه ﵊ لما سئل عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب فقال (إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء) ما هو المسئول عنه؟ ينوبه من السباع والدواب؛ والسباع يشمل سباع البهائم ويشمل سباع الطيور فكل ما هو من هذه الطائفة التي تأكل وتفترس - حينئذٍ - الحكم أنها نجسة ولأنه أجاب بأنه إذا كان الماء قلتين لم ينجس شيء يعني من تلك السباع فدل على أنها نجسة، فمفهومه أنه ينجس إذا لم يبلغهما، وقال في الحمر يوم خيبر (إنها رجس) هذا أكلها وليس المراد أنها يعني عرقها وما
[ ١٤ / ١٤ ]
يخرج منها أنه نجس والصحيح في الحمار الأهلي أنه داخل فيما سبق ولذلك كان يركب وكان يعرق وكان النبي ﷺ يركبه والصحابة ولم يأتي حرف واحد بكون النبي ﷺ بين أنه نجس ولذلك قال ابن القيم [ودليل النجاسة لا يقاوم دليل الطهارة فإنه لم يقم على تنجس سؤرها دليل وغاية محتج به لذلك قول النبي ﷺ (إنها رجس) الرجس هو النجس وهذا لا دليل فيه لأنه إنما نهاهم عن لحومها - عن أكلها - وقال (إنها رجس) ولا ريب أن لحومها ميتة لا تعمل الذكاة فيه فهي رجس ولكن من أين أن تكون في حال حياتها حتى يكون سؤرها نجس] والصحيح أن الحمار الأهلي والبغل منه أنه ليس بنجس بل هو طاهر للأصل وثانيًا للعلة السابقة لأنه مما يستعمله الناس ولذلك عن الإمام أحمد رواية أخرى أن الحمار الأهلي والبغل أنه طاهر واختاره الموفق وابن تيمية وجماعة وهو مذهب مالك والشافعي قال في الإنصاف [وهو الأصح والأقوى دليلًا لأن ﵊ يركبهما ويركبان في زمانه وفي عصر الصحابة فلو كان نجسين لبين النبي ﷺ ذلك] لكن إذا قيل بأن العلة التطواف إذًا في المدن الآن في المدن لا يركبون الحمير؛ هل تبقى العلة أم تزول؟ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا - حينئذٍ - إذا كان في القرى وفي الأرياف يستعملون هذه الحمير في الركوب ونحوها لا شك أن الحكم واضح بين وأما إذا كان في نحو المدن هذا يحتاج إلى نظر في إعادة ما ذكر
والله أعلم
وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
[ ١٤ / ١٥ ]