* شرح قول المصنف: "وإن بلغ الماء قلتين" المسألة.
* معنى القلة، تقدير القلة بالصاع، وبالمساحة.
* تخصيص المسألة بإجماع أهل العلم: أن الماء إذا تغير بالنجاسة فهو نجس.
* دليل أحمد على تخصيص بول الآدمي دون سائر النجاسات.
* قوله: "ولا يرفع حدث رجل طهورٌ يسير خلت به امرأة"
* شرح المسألة، قيودها، الراجح فيها.
* القسم الثاني من أقسام المياه: الطاهر.
* قوله: "وإن تغير طعمه أو لونه أو ريحه".
* قوله: "أو رُفع بقليله حدث"، المقصود بالقليل، دليل المذهب.
* الراجح في هذه المسألة أن الماء طهور.
* قوله: "أو غمس فيه يد قائم من نوم ليل"، علة النجاسة على المذهب هو توهم النجاسة.
* قوله: "أو كان آخر غسلة زالت بها النجاسة".
* القسم الثالث من أقسام المياه: النجس، إجماع أهل العلم على وجوده.
* حكم الماء المتغير بالنجاسة في محل التطهير.
* طرق تطهير الماء النجس.
* مسائل الشك في الطهارة، واشتباه الطهور بالنجس أو المحرم أو الطاهر.
الحمد لله ورب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد
شرع المصنف رحمه الله تعالى بكتاب الطهارة وذكر تعريف الطهارة وهي ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال الخبث وتضمن الحد نوعي الطهارة هما طهارة الحدث وطهارة الخبث يعني طهارة سببها الحدث سواء كان الحدث أكبر أو أصغر وطهارة سببها الخبث وهي إزالة النجاسة هذا محل وفاق واتفاق بين علماء المسلمين أن الطهارة منقسمة إلى هذين النوعين ثم ذكر أقسام المياه باعتبار ما تتنوع إليه في الشرع بأنها ثلاثة أقسام طهور وطاهر ونجس، والطهور والنجس محل إجماع بين العلماء وإنما الطاهر هو الذي فيه نزاع وخلاف والجمهور على إثباته من المالكية والشافعية والحنابلة وهو المرجح في المذهب والقسم الأول هو الطهور وهو الطاهر في نفسه المطهر لغيره بمعنى أنه اشتمل على صفتين صفة الطاهرية وهذا يقابل النجس وصفة التطهير وهذا يقابل الطاهر إذًا هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره عرفه المصنف بالتعريف المشهور عند الفقهاء وهو الباقي على خلقته يعني الماء الذي بقي على خلقته على فطرته وصفته التي خلق عليها ابتداء إلى أن استعمل في التطهير في الطهارة وهذا النوع الذي هو الباقي على خلقته نوعان إما أن يكون باقي على خلقته حقيقة وإما أن يكون باقي على خلقته حكمًا، والأول هو الذي لم يطرأ عليه شيء يغيره يعني يغير إحدى صفاته من اللون أو الطعم أو الرائحة والثاني بأن لم يبقى على ما خلق عليه بل تغيرت إحدى صفاته أو الصفات الثلاث ولكن لازال الحكم باقي وهو كونه طاهر في نفسه مطهر لغيره حينئذٍ النوع الثاني الذي هو الطهور حكم من حيث انطباق الحد عليه لا ينطبق عليه لأنه لم يبقى بل تغير إما كلًا أو بعض صفاته حينئذٍ من حيث الحقيقة لا ينطبق عليه إلا إذا أدخلنا هذين اللفظين في الحد وقلنا الماء الطهور هو الباقي على خلقته حقيقة أو حكمًا إذا أدخلنا هذين اللفظين حينئذٍ دخل وإلا حينئذٍ ينصرف الحد إلى النوع الأول وهو الماء الذي بقي على خلقته التي بقي عليها ثم ذكر المصنف أنواعًا للطهور إذ الطهور قد يكون مكروهًا وقد يكون غير مكروه وذكر بعض الأمثلة التي مرت معنا ومن أنواع الطهور ما نشرع فيه الليلة وهو الماء الكثير الذي وقعت فيه نجاسة ولم تغيره ماء كثير وقعت فيه نجاسة ولم يتغير هذا الماء بالنجاسة حينئذٍ يحكم عليه بكونه طهورًا فيما سبق الذي وقع في الماء الطهور شيء طاهر يعني إما ورق شجر أو بممره أو بمكثه إلى آخره والمغير الذي وقع في الماء شيء طاهر، هنا القسم هذا ليس بشيء طاهر إنما هو نجس قال رحمه الله تعالى (وإن بلغ القلتين وهو الكثير وهما خمس مئة رطل عراقي تقريبًا فخالطته نجاسة غير بول آدمي أو عذرته المائعة فلم تغيره أو خالطه البول أو العذرة ويشق نزحه كمصانع طريق مكة فطهور) هذه مسألة واحدة ضمنها مسألتين (وإن بلغ الماء قلتين) يعني الحديث في الماء الطهور وإن بلغ الماء الطهور قلتين وبلغ بمعنى وصل قلتين هذا تثنية قلة وهي في أصل إطلاقها في اللغة اسم لكل ما ارتفع وعلا؛ كل ما ارتفع وعلا يسمى قلة لكن المراد هنا في اصطلاح
[ ٢ / ١ ]
الفقهاء الجرة الكبيرة وإن كان لفظ القلة يطلق على الصغيرة والكبيرة لكن العرف عند الفقهاء خص لفظ القلة بالجرة الكبيرة من قلال هجر والمراد هنا الجرة الكبيرة من قلال هجر حينئذٍ قيد القلتان بقيد وهو المعروف في ذاك الزمان الذي نطق فيه النبي ﷺ بقوله (إذا بلغ الماء قلتين) حينئذٍ نحمل هذا اللفظ على قلال هجر لأنها أكبر ما يكون من القلال وأشهرها في عصر النبي ﷺ وإذا ورد شيء من ذلك في عصر النبي ﷺ حينئذٍ يقيد بالعرف وهي مشهورة الصفة معلومة المقدار لا تختلف كالصيعان هكذا قال أهل العلم ولأن النبي ﷺ قيد في حديث ابن عمر (إذا بلغ الماء قلتين) هذا تحديد والتحديد لا يقع بمجهول وكذلك جاء في الحديث المشهور في وصف الشجرة في الجنة (وإذا نبتها مثل قلال هجر) ولو أراد التقيد هذا دل على ماذا؟ على أن المراد من قول الرسول ﷺ (إذا بلغ الماء قلتين) يعني من قلال هجر وهذه قرية قريبة من المدينة إذًا لا إشكال في تقيد القلتين بأن المراد بهما القلة الكبيرة أو الجرة الكبيرة من قلال هجر (وإن بلغ الماء قلتين وهو الكثير) هذه جملة اعتراضية المراد بيان اصطلاح الفقهاء لأن الفقهاء إذا نطقوا في هذا الباب قالوا الماء القليل والماء الكثير الماء اليسير والماء الكثير يقابلون هذا بذاك فما مرادهم بهذا التعبير وبهذا الاصطلاح؟ مرادهم بالماء الكثير هو ما بلغ قلتين فأكثر يعني أدنى الماء الكثير هو قلتان حينئذٍ ما بلغ ووصل قلتين فأكثر حينئذٍ يسمى ماء كثيرًا وما دون ذلك يسمى ماء قليلًا إذًا إذا أطلق الماء القليل في اصطلاح الفقهاء فمرادهم ما دون القلتين وإذا أطلق الكثير فمرادهم القلتان فأكثر إذًا قوله (وهو الكثير) هذا إشارة إلى اصطلاح الفقهاء ثم قال (وهما) أي القلتان (خمس مئة رطل) رِطل ورَطل بكسر الراء وفتحها والرطل العراقي تسعون مثقالًا لذلك قال (خمس مئة رطل عراقي تقريبًا) يعني لا تحديدًا بمعنى إذا نقص رطل أو رطلان لا يؤثر في الحكم لأن المراد هنا التقريب لأنه لم يرد عن النبي ﷺ التحديد وإذا لم يرد حينئذٍ رجعنا إلى العرف وهو المراد بالقلال وأي قلال هجر وهذه قد تختلف نسبي الاختلاف نسبي حينئذٍ لا يمكن أن يحصر فيه على جهة التحديد وإنما يقال فيه على جهة التقريب (وهما خمس مئة رطل عراقي تقريبًا) يعني لا تحديدًا وهو المذهب فلا يضر بخس يسير كرطل أو رطلين وهذا كما ذكرنا على الصحيح وحددت بخمس مئة رطل بقول ابن جريج رأيت قلال هجر ورأيت القلة تسع قربتين وشيئًا والقربة مئة رطل بعراقي والاحتياط أن يجعل الشيء نصفه فكانت القلتان خمس مئة رطل بالعراقي إذًا هذا الشيء الذي استند إليه الفقهاء وهذا لا إشكال فيه لأن النبي ﷺ أطلق القلتين وحملة على العرف حينئذٍ أهل العرف هم الذين يحددون المراد بالقلتين وأما بالصاع فالقلتان تساوي ثلاث وتسعين صاعًا وثلاثة أرباع الصاع وأما بالمساحة مربعًا ذراع وربع طولًا عرضًا وعمقًا بذراع اليد هكذا قال فقهاء الحنابلة قال (فخالطته نجاسة) إذًا إذا كان الماء كثير وهو ما بلغ قلتين فأكثر (فخالطته)
[ ٢ / ٢ ]
يعني مازجته (نجاسة) وعرفنا النجاسة وهي عين مستقذرة شرعًا سواء كانت هذه النجاسة قليلة أو كثيرة (فلم تغيره) نترك الاستثناء (فلم تغيره) طهورًا بالإجماع إذا وقعت نجاسة وخالطت الماء الكثير فلم يتأثر الماء إحدى صفاته بهذه النجاسة نحكم على الماء بأنه طهور إذًا هذا نوع من أنواع الماء الطهور وهو ماء كثير وقعت فيه نجاسة فلم تغيره حكمنا عليه بكونه طهورًا وهذا محل إجماع بين أهل العلم لحديث ابن عمر مرفوعًا وهو حديث صحيح قوله ﷺ (إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء) وفي رواية (لم يحمل الخبث) هذا الحديث رواه أحمد وغيره قال الحاكم على شرط الشيخين وصححه الطحاوي وهو حديث كثر الكلام فيه عند الفقهاء ولكن المشهور حديث صحيح ثابت قال بعضهم بأنه موقوف على ابن عمر إن صح عن ابن عمر موقوفًا إذا كان كذلك فله حكم الرفع لو سلم بأنه موقوف فله حكم الرفع لأن هذا شيء لا يقال من قبل الرأي وإنما يكون من قبل الوقوف على قول النبي ﷺ لذا قال الخطابي في معارج السنن (وكفى شاهدًا على صحته أن نجوم الأرض من أهل الحديث قد صححوه وقالوا به وهم القدوة وعليهم المعول في هذا الباب) إذًا ثبت الحديث وله منطوق ومفهوم ومنطوقه أن الماء إذا بلغ إلى هذا الحد وهو القلتان والتحديد هنا يدل على أن ثَمَّ فرقًا بين القلتين وما دون القلتين حينئذٍ إذا بلغ ووصل الماء إلى هذا الحد ووقعت فيه نجاسة فلم تغيره قال (لم ينجسه شيء) بل هو باقي على أصله وقولنا باقي على أصله بمعنى أنه باقي على أصله إن كان طهورًا فهو طهورًا وإن كان طاهرًا فهو طاهر بمعنى أن النجاسة قد تقع في ماء طهور ولم تغيره وهو كثير نحكم على الماء بأنه طهور بقاء على الأصل استصحاب الأصل، وقد تقع النجاسة في ماء بلغ قلتين وهو طاهر حينئذٍ لم تغيره يبقى على الأصل وهو أنه طاهر فليس الحكم خاصًا بالطهور دون الطاهر بل يشمل النوعين فنحكم بكونه طهورًا وبكونه طاهرًا باعتبار الأصل (إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء) فتحديده بالقلتين يدل على أن ثَمَّ فرق بين القلتين وما دون القلتين قوله (لم ينجسه شيء) هذا مخصوص بالإجماع لأنه إذا تغير إحدى صفات الماء بالنجاسة حينئذٍ حكموا عليه بأنه نجس ولذلك نجاسة ما تغير بالنجاسة لا خلاف فيها بين أهل العلم فقوله (لم تغيره) له مفهوم وهو أن النجاسة إذا خالطت الماء سواء كان طهورًا أو طاهرًا إذا خالطته وأثرت فيه بأن تغير جميع صفاته أو بعض صفاته حكمنا على الماء بكونه نجسًا وهذا محل إجماع كما ذكرنا قال ابن المنذر (أجمع أهل العلم على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت للماء طعمًا أو لونًا أو رائحة أنه نجس مادام كذلك) إذًا علق المصنف الحكم بمطلق النجاسة لكنه استثنى نوعًا من أنواع النجاسات إذا وقعت في الماء الكثير فلم تغيره بأن الحكم يختلف ليست العبرة بالتغير وعدمه، النجاسة الواقعة في الماء الكثير نوعان إما أن تكون بولًا أو غائطًا كما سيذكره المصنف إما أن يكون غير ما ذكر إن كان الثاني فالعبرة بالتغير بشرط أن يكون الماء كثير وإن كان الأول فالعبرة ليست بالتغير وإنما العبرة بمشقة النزح حينئذٍ إذا وقعت النجاسة وهي
[ ٢ / ٣ ]
بول لآدمي أو عذرته المائعة في ماء كثير حينئذٍ لا نظر لكونه تغير أو لا وإنما نقول هل يشق نزحه أو لا؟ إن شق نزحه فطهور باقي على أصله أو طاهر وإن لم يشق نزحه حكمنا عليه بأنه نجس لماذا؟ بمجرد ملاقاة النجاسة وهي البول أو العذرة للماء الكثير ولم يشق نزحه حكمنا عليه مباشرة بكونه نجسًا ولذلك قال المصنف (فخالطته نجاسة غير) هذا استثناء بالنصب (غيرَ بول آدمي) آدمي استثنى من البهيمة (أو) هذه للتنويع (عذرته) قيدها بكونه (المائعة) يعني الذائبة أو في حكمها الجامدة إذا ذابت في الماء ما حكمه؟ هذا ذكره بقوله (أو يشق) (أو خالطه البول أو العذرة) هذا نطق بما يفهم من السابق بقوله (غير بول آدمي أو عذرته) يفهم من هذا الاستثناء أن لهما حكمًا ما غاير لما ذكر وهو الذي نص عليه بهذا القول (أو خالطه) الماء الطهور أو الطاهر (البول) والمراد به بول الآدمي لأنه قيده فيما سبق وهنا أطلق فيشمل القليل والكثير يعني دون تفصيل ولو قطرة واحدة (أو العذرة) من الآدمي كذلك احترازًا عن البهيمة ونحوها حينئذٍ النظر لا يكون إلى التغير بل إلى شيء آخر وهو ما قصده بقوله (ويشق نزحه) (ويشق) المشقة هي العسر ولها مفهوم بمعنى إن لم يشق حينئذٍ يحكم عليه بكونه نجسًا (ويشق نزحه) يعني لكثرته والنزح هو أن يأخذ الماء الذي خالطه بالبول أو العذرة ليتجدد بعده ماء خال منهما بمعنى أنه يأخذ من الماء ماء كثير من أجل أن يتجدد الماء هذا يكون فيما يتوارد عليه الماء (ويشق نزحه كمصانع طريق مكة) كمصانع هذا مثال لما شق نزحه (كمصانع طريق مكة) مصانع جمع مصنع والمراد بها الأحواض التي يجتمع فيها ماء المطر واحدها مصنع والمراد بالمصانع المصانع الكبار التي تكون موردًا للحجاج أشبه بالبرك التي تكون موردًا للحاج إذا مر بها حينئذٍ يتوضأ ويغتسل ويشرب منها وقد تكون مجتمع للسيول ونحوها لكن يشترط في هذا ما لم تتغير فإن تغير حينئذٍ رجعنا إلى الأصل وهو أن الإجماع منعقد على أن كل ماء وقعت فيه نجاسة وظهر أثر النجاسة في الماء حينئذٍ حكمنا على الماء بكونه نجسًا مطلقًا سواء كان الماء كثيرًا أو قليلًا سواء كانت النجاسة بولًا لآدمي أو عذرته المائعة أو الجامدة إذا ذابت فيه أو غير ما ذكر نحكم على الماء بكونه نجسًا إذًا كل ماء تغير بالنجاسة حكمنا عليه بكونه نجسًا الكلام فيما إذا وقعت فيه نجاسة وكان كثيرًا ولم يتغير ننظر في النجاسة على كلام المصنف إن كان بولًا أو غائطًا فالعبرة حينئذٍ بمشقة النزح فما شق نزحه فهو طهور وما لم يشق نزحه فهو نجس فإن لم تكن النجاسة بولًا أو عذرة حينئذٍ رجعنا إلى التغير فإن تغير فهو نجس وإن لا فهو طهور أو طاهر والمسألة هذه التي هي خاصة ببول الآدمي أو عذرته هي المذهب عند أكثر المتقدمين والمتوسطين وهذه الرواية من روايات الإمام أحمد من أشهر وأكثر الروايات عنه التفصيل بما ذكر ولكن المذهب عند المتأخرين وهي رواية أخرى عن الإمام أحمد وإن لم تكن أشهر من الأول إلا أنه لا فرق بين النجاسات حينئذٍ نقول الفتوى على ما قرره المتأخرون فيكون المصنف قد خالف المذهب في هذه المسألة بكونه فرق بين النجاسات في هذا الموضع والمذهب عند المتأخرين هو التسوية
[ ٢ / ٤ ]
فكل نجاسة وقعت على الماء الكثير ولم تغيره حكمنا على الماء بكونه طهورًا أو طاهرًا على أصله والتفريق هذا وإن كان عند أكثر المتقدمين والمتوسطين إلا أنه غير معتمد عند المتأخرين ومستند الإمام أحمد في الرواية المشهورة هو حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين قول النبي ﷺ (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه) (لا يبولن) هنا نهي مؤكد بنون التوكيد ويبولن هذه نجاسة خاصة خص النبي ﷺ البول وقيس عليه الغائط لأنه أفحش منه (أحدكم في الماء الدائم) عام في المتغير وغيره فقال: النبي ﷺ لم ينهى عن الاغتسال من الماء الذي قد بال فيه إلا لكون الماء قد تنجس ولم يذكر هنا التغير فصار هذا الحديث مخصص لحديث القلتين (إذا بلغ الماء قلتين) يخص منه ما بال فيه الإنسان فيكون نجسًا لأن النبي ﷺ عمم في النهي ولم يخصص كونه تغير أو لم يتغير والصحيح أن هذا الحديث محمول على شيء آخر وهو أنه يفسده على نفسه وعلى غيره، إذًا هذا نوع من أنواع الماء الطهور وهو الماء الذي كان كثير بأن بلغ قلتين فأكثر ووقعت فيه نجاسة وعلى الصحيح مطلق النجاسة أين كانت فنحكم على الماء إذا لم يتغير بكونه طهورًا وأما إذا تغير فنحكم على الماء بكونه نجس وهذا محل وفاق وإجماع بين أهل العلم، ثم قال رحمه الله تعالى في النوع الأخير الذي أراد بيانه وهو ماء طهور لا يرفع الحدث سبق أن حكم الماء الطهور أنه يرفع الحدث وتزال به النجاسة ثَمَّ نوع من الماء هو طهور ولكنه لا يرفع الحدث ويزيل النجاسة لا يرفع الحدث هذا يعتبر تخصص وتقييد للحكم العام للطهور ولهم دليل يذكره الشارح قال رحمه الله تعالى (ولا يرفع حدث رجل طهور يسير خلت به امرأة لطهارة كاملة عن حدث) بهذه القيود مجتمعة حينئذٍ يحكم على هذا الماء الطهور بكونه لا يرفع حدثًا الحدث سبق أنه وصف قائم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة ويشمل النوعين سواء كان حدثًا أصغر وهو ما أوجب وضوء أو كان حدثًا أكبر وهو ما أوجب غسلًا هنا قال (لا يرفع) يعني ماء يسير لا يرفع يعني لا يزيل سبق أن الرفع هو الزوال والإزالة إزالة الوصف القائم بالبدن هذا هو طهارة الحدث ما هي طهارة الحدث زوال الوصف القائم بالبدن هذا لا يرفع حدثًا إذًا لا يزيل لا يرفع بمعنى لا يزيل (لا يرفع حدثًا) إذًا هل تزال به النجاسة؟ كل قيد وشرط من هذه القيود له مفهوم بمعنى أن ما لم يذكر نطقًا فالحكم مخالفًا لما لم ينطق به يعني مفهومه معتبر هنا (لا يرفع الحدث) إذًا هل له أن يزيل به النجاسة؟ نعم لأن الحكم مخصص هنا بالحدث وعندنا طهارة أخرى وهي طهارة خبث إذًا لا يرفع الحدث وله أن يزيل به النجس وهو المذهب (حدث رجل) رجل هو ذكر بالغ من بني آدم لفظ رجل لا يصدق إلا على الذكر إذًا الأنثى لها أن ترفع به الحدث لأن الحكم هنا خاص بالذكر قال بالغ من بني آدم لأن الوصف بالرجولة لا يصدق إلا على البالغ إذًا ما دون البلوغ سواء كان مميزًا أو لا حينئذٍ له أن يرفع الحدث نعم له أن يرفع الحدث لأن الحكم هنا مقيد بالرجل إذًا (ولا يرفع حدث رجل) لا امرأة الأنثى
[ ٢ / ٥ ]
حينئذٍ لا تسمى لا يطلق عليها بأنها رجل فلها أن ترفع به ولا صبي فيرفع حدثهما وهو المذهب (طهور يسير) إذًا ماء طهور (يسير) ما المراد باليسير ما دون القلتين إذًا لو خلت بماء كثير يرفع الحدث أو لا؟ يرفع الحدث لأن المصنف هنا قيد الحكم بكون الماء الطهور لا يرفع حدث رجل بكون هذا الماء الطهور يسيرًا يعني دون القلتين فلو خلت بماء كثير قلتين فأكثر حينئذٍ نقول له أن يرفع يعني الرجل له أن يرفع حدثه بذلك الماء (طهور يسير) حينئذٍ لو خلت بتراب تطهرت بتراب هل له أن يرفع به الحدث لعله يرفع الحدث إذا قلنا إن التيمم يرفع الحدث (طهور يسير) لا تراب فلا أثر لخلوتها به وهو المذهب لأن النص هنا مقيد بالوضوء نهى النبي ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة طهور المرأة المراد به الماء إذًا التراب لا يقاس عليه على الماء فلو خلت بالتراب فتيممت حينئذٍ للرجل أن يتيمم بما تيممت به المرأة (طهور يسير) لا كثير واليسير هنا كما ذكرنا هو القليل والمقابل الكثير وهو ما دون القلتين لما سبق (خلت به امرأة) هذا وصف للطهور طهور خلت به امرأة هي الأنثى البالغة من بني آدم المرأة لا يطلق على الصغيرة ولا يطلق على الرجل حينئذٍ لو خلا به رجل وتوضأ للرجل أن يرفع الحدث به لأن الحكم مقيد بخلوة امرأة وهنا لم تخلو به امرأة كذلك لو خلت به من دون البلوغ جارية مميزة حينئذٍ نقول للرجل له أن يرفع الحدث به لأن الحكم هنا مقيد بالمرأة (خلت به امرأة) مفهومه لو خلت به صغيرة لا أثر لخلوتها به فيرفع الحدث وكذلك لو خلا به رجل قوله (لو خلت به) خلوة قال في الشرح كخلوة نكاح المراد به هنا فيه روايتان عن الإمام أحمد في تفسير الخلوة لكن المذهب المعتمد يعني لا يشاهدها أحد ألبته مطلقًا يعني تختفي عن الأنظار وهذا يشبه بخلوة نكاح يعني كما تخلو هي مع زوجها في مسألة الجماع كذلك تخلو بالماء في مسألة الطهارة هذا مرادهم كخلوة نكاح يعني جماع كما يخلو بها زوجها فتختفي أو يختفيان عن الأنظار كذلك تختفي بهذا الماء عن الأنظار فلا يشاهدها أحد حينئذٍ المذهب أن المراد بالخلوة هنا عدم المشاهدة فإن شاهدها امرأة أو صبي أو رجل حينئذٍ زالت الخلوة (خلت به امرأة) حينئذٍ لا أثر لعدم خلوتها فلو رآها شخص وهي تتوضأ أو تغتسل فلرجل أن يغتسل بهذا الماء لماذا؟ لفوات شرط من شروط الحكم على هذا الماء بكونه لا يرفع حدثًا (لطهارة كاملة عن حدث) هذه ثلاثة قيود (لطهارة) يعني لو خلة به امرأة لتبرد وتنظف هل يرفع الحدث أو لا؟ نعم يرفع الحدث لماذا؟ لأن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ بفضل طهور المرأة، إذًا لو تبردت به أو تنظفت حينئذٍ الحكم يختلف (لطهارة كاملة) لا لطهارة ناقصة فلو خلة به وغسلت يديها وتمضمضت واستنشقت وغسلت كامل الوجه واليدين ومسحت الرأس ثم شاهدها شخص هل خلة به كخلوة نكاح؟ الجواب لا لماذا؟ لأن الخلوة هنا وقعت في أول الطهارة والشرط أن تكون الطهارة كاملة أن تخلو بهذا الماء كخلوة نكاح في حال الوضوء كله من أوله إلى آخره فلو شاهدها مميز في أول الطهارة ثم غاب عنها لم تخلو به لو شاهدها في أثناء الطهارة لم تخلو به لو خلة به في أول الطهارة ثم شاهدها
[ ٢ / ٦ ]
في آخرها لم تخلو به إذًا يشترط بأن تكون هذا الطهارة كاملة عن حدث لا عن طهارة خبث فلو خلت به امرأة لطهارة كاملة عن خبث هل للرجل أن يرفع الحدث به؟ نعم له أن يرفع الحدث لأن الشرط قد فات بهذه القيود كلها حينئذٍ نقول هذا الماء اليسير لا يصح لهذا الرجل أن يتوضأ به أو يغتسل لشروط التي ذكرها المصنف رحمه الله تعالى ما العلة ما الحكم قالوا العلة والحكم هنا تعبدي بمعنى أن النبي ﷺ نهى ولم يأتي تعليل فنبقى على عدم معقولية المعنى لنهي النبي ﷺ أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة والحديث صحيح ثابت ضعفه بعض أهل العلم لكن الصحيح أنه ثابت حينئذٍ الحكم يكون واجبًا فلا يرفع الحدث ولكن إذا لم يجد إلا هذا الماء استعمله ثم تيمم وجوبًا وهذا مراعاة للخلاف قال أحمد في رواية أبي طالب أكثر أصحاب رسول الله ﷺ يقولون ذلك يعني الحكم السابق وهو تعبدي يعني لأمر الشارع به وعدم عقل معناه هذا الذي رجحه المصنف هو المذهب عند المتأخرين والصحيح الذي دلت عليه الأدلة هو خلاف ذلك وهو أنه طهور يرفع الحدث لكنه مكروه ولذلك ورد في حديث ابن عباس النبي ﷺ أنه كان يغتسل بفضل ميمونة حينئذٍ النهي الذي ورد في الحديث السابق يكون مصروفًا بهذا الحديث وكذلك جاء في حديث ابن عباس اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ فجاء ليتوضأ في جفنة فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها فقالت إني كنت جنبًا والظاهر أنها خلت به لأنها اغتسلت به عن جنابة وهذا لا يكون في العرف والعادة إلا إذا خلت به فقال النبي ﷺ إن الماء لا يجنُب لا يجنِب فدل على انه يجوز به الوضوء إذًا نجمع بين هذين الحديثين وغيرهما وبين الحديث الذي فيه نقول بأن النهي مصروف عن التحريم إلى الكراهة فهو طهور ويرفع الحدث ولكنه مع الكراهة فيكون من القسم الذي سبق ذكره وهو الطهور المكروه ثم قال المصنف رحمه الله تعالى (وإن تغير لونه أو طعمه أو ريحه) إلى آخره هذا شروع في النوع الثاني بعد ما أنهى شيء مما يتعلق بالماء أو النوع الأول من أنواع المياه وهو الطهور شرع في بيان النوع الثاني وكلاهما اشتركا في أن كلًا منهما طاهر في نفسه الطهور طاهر في نفسه والطاهر كذلك طاهر في نفسه إلا أن الفرق في أن الطهور يطهر غيره بمعنى أنه يرفع الحدث عن غيره وكذلك يزال به حكم النجاسة وأما الطاهر فهو طاهر في نفسه لكنه لا يرفع الحدث عن غيره ولا تزال به النجاسة ولذلك يقول الفقهاء الطهور يستعمل في العادات وفي العبادات في العادات بمعنى أنه يشرب منه ويغتسل لتبرد والتنظف كذلك تغسل به الأواني ونحوها ويستعمل في العبادات في الوضوء والغسل الواجب وأما الطاهر فهو يستعمل في العادات لا في العبادات لأنه طاهر في نفسه فلك أن تغسل به الثياب إذا لم تكن نجسة ولك أن تطبخ منه وأن تشرب ونحو ذلك هذه عادات ليست بعبادات لكونه طاهرًا بنفسه أما أنه يستعمل في العبادات لرفع الحدث وإزالة النجاسة هذا الذي ذهب إليه جمهور أهل العلم من كونه لا يرفع به حدث ولا تزال به النجاسة فهو على النقيض من الطهور، الطهور حكمه أنه يرفع الحدث ويزيل النجس وأما
[ ٢ / ٧ ]
الطاهر فلا يرفع حدثًا ولا يزيل نجس ولا يستعمل حتى في الأغسال المندوبة يعني لا يستعمل لا في رفع حدث ولا ما يشبه رفع الحدث قال المصنف هنا رحمه الله تعالى (وإن تغير لونه أو طعمه أو ريحه) وسبق إثبات أن هذا الحكم وهو وجود الماء الطاهر أنه ثابت بنفسه قد دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة لما سبق وهو قول جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة والقول به لا يلزم منه التشديد على الناس كما يظن بعض الطلاب أنه لا وجود للماء الطاهر كما نقل المحشي هنا عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى حينئذٍ إذا أثبتناه كأننا ضيقنا على الناس قل لا الماء الطاهر الماء قد لا يوجد عند بعض الناس قد يموت ولم يره أصلًا لأنك إذا نظرت خارج بيتك كل ما كان من البحار والآبار والعيون والسيول فهو طهور باتفاق لا خلاف فيه بين أهل العلم وما كان في بيتك من الخزانات ونحوها وما يجري من الصنابير فهو طهور باتفاق لا خلاف فيه بين أهل العلم لم يبقى إلا نوع قليل وهو أن يكون في جفنة أو في ماء في شيء يسير ثم هذا على نوعين قد يتغير بنفسه وقد يتغير بفعل آدمي الأول طهور باتفاق بقي النوع الثاني وهو ماء يسير في إناء وأنت الذي غيرته بنفسك هذا شيء يسير بالنسبة للطهور فالقول به لا يلزم منه لا تشديد على الناس كما قد يظنه بعض الطلاب قل لا؛ إثباته هو الذي دلت عليه النصوص كما سبق ووجوده كذلك قليل قد تجلس السنين وأنت ما رأيت هذا الماء الطاهر الذي اختلف فيه أهل العلم ولذلك أقول أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى وهو مما نقل عنه بأن الماء عنده قسمان طهور ونجس والطاهر عنده لا وجود له النقل هذا ليس محرر عن أبي حنيفة ولا عن أصحابه بل عندهم الطاهر نوعان طاهر متفق عليه قد ذكر ذلك في المبدع بن مفلح أن الطاهر قسمان طاهر متفق على أنه طاهر حتى أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول به وإذا تقرر ذلك فثَمَّ نوع متفق عليه حينئذٍ لابد من عده في القسمة الثلاثية فنقول القسمة ثلاثية طهور وطاهر ونجس (وإن تغير طعمه أو لونه أو ريحه) تغير بمعنى أن وقع فيه شيء طاهر ثم هذا الذي وقع الشيء الطاهر في الماء الطهور لأن الأصل هو الطهور ثم ننتقل إلى الطاهر، ماء طهور وقع فيه شيء طاهر حينئذٍ إما أنه يغيره أو لا فإن لم يتغير به فهو على أصله فإن تغير حينئذٍ ثَمَّ أحكام وهي التي ذكرها المصنف (وإن تغير) إما أن يكون التغير كاملًا لجميع أوصاف الماء بأن يتغير طعمه ولونه وريحه كلها وإما أن يتغير صفة من صفاته كلها أو يتغير كثير صفته من تلك الصفات حينئذٍ نحكم عليه بأنه طاهر غير مطهر بالشرط الذي سيذكره المصنف (وإن تغير) يعني جميع أوصافه تغير كاملًا (لونه) كله (أو طعمه) كاملًا (أو ريحه) كاملًا قال الشارح أو كثير من صفة من تلك الصفات لا يسير منها، بمعنى أن الضابط في هذا النوع الثاني الطاهر بأن يتغير إما جميع صفاته أو كل صفة - صفة واحدة من الصفات الثلاث - أو كثير صفة لا كل الصفات، لا يسير منها بمعنى أنه لو تغير يسير صفة من تلك الصفات لا يخرجه عن كونه طهور على الأصل ولذلك جاء في حديث أم هاني أنه ﷺ اغتسل هو وزوجته ميمونة من قصعة فيها أثر العجين، هذا والله أعلم وهذه
[ ٢ / ٨ ]
الأمور يحكم بها العرف بمعنى أن الذي يتغير متأثر العجين يكون يسير لا كثيرًا فإن تغير يسير صفته لا يخرجه عن أصله وهو كونه طهورًا إذًا إن تغير طعمه أو لونه أو ريحه قال (بطبخ أو ساقط فيه) هذان نوعان للمتغير الأول النوع الأول قال (بطبخ) أشار إلى المتفق عليه لأن هذا النوع حتى أبو حنيفة يقول بكونه طاهر غير مطهر وهو أن الماء الطهور إذا طبخ فيه لحم مثلًا حينئذٍ لا يسمى ماء يسمى ماذا؟ يسمى مرقًا، إذًا بهذه التغير خرج عن كونه ماء فلم يسمى ماء إذًا هل هذا الماء طهور أم طاهر؟ نقول هذا طاهر نقول هو في أصله طهور قد وقع فيه شيء فغيره فسلبه اسمه ولذلك قال في المبدع الماء الطاهر قسمان أحدهما غير مطهر بالإجماع وأراد به هذا النوع وحكاه صاحب الشرح الكبير بأنه ثلاثة أنواع وهو ما خالطه طاهر يمكن أن يصان الماء عنه والثاني أو غلب على أجزائه فصير حبرًا أو طبخ فيه فصيره مرقًا هذه الأنواع الثلاثة بالإجماع أنه طاهر غير مطهر لذلك قال (بطبخ فيه) يعني بسبب الطبخ ولا شك أنه يطبخ فيه شيء طاهر لا نجس حينئذٍ بقي على أصله والباء هنا سببية متعلق بقوله (إن تغير) (بطبخ) يعني بسبب طبخ حينئذٍ لا يسمى ماء فلا يصدق عليه قول الله تعالى (فلم تجدوا ماء) نقول هذا ليس بماء هذا مرق يسمى مرقًا لأنه طبخ فيه لحم واللحم شيء طاهر حينئذٍ نقول هذا الماء قد خرج عن كونه ماء فسلب اسمه فإذا سلب الاسم حينئذٍ لا يكون ماء طهورًا في لا رفع حدثًا ولا يزيل نجسًا، (أو ساقط فيه) يعني أو تغير جميع الصفات أو بعضها أو كثير منها بساقط فيه بسبب ما سقط فيه هنا يقيد بما ما مضى لأن ما سقط قد يكون موافقًا للماء كالملح المائي أو التراب هذا لا يسلبه الطهورية بل يبقى طهورًا أو سقط فيه وتغير به عن مجاورة لا عن ممازجة هذا لا يسلبه الطهورية ولذلك عبارة الشارح صاحب الروض مقيدة ولابد من العناية بها ولذلك قال (أو بساقط فيه أو تغير بطاهر من غير جنس الماء) لأن ما تغير بجنس الماء كالتراب فهو طهور لا يتأثر به الماء لا يخرج عن كونه طاهرًا مطهرًا وكذلك لو تغير بالملح المائي لأنه من جنس الماء حينئذٍ نقول هذا ماء تغير بشيء هو من جنس الماء فلا يخرجه عن الطهورية (أو لا يشق صونه عنه) هذا قيد لابد من تقييده ما ذكره المصنف فأخرج ما تغير بما يشق صون الماء عنه حينئذٍ يحكم له بكونه طهورًا ولم ينتقل إلى النوع الثاني إذًا ساقط في ماء طهور وتغير به ولم يكن من جنس الماء ولم يكن مما يشق صون الماء عنه حينئذٍ نحكم عليه بكونه طاهر غير مطهر، ثم أشار إلى ما جاء الشرع بالحكم على كون الماء طاهرًا غير مطهر وهي وإن كان عليه المذهب عند المتأخرين إلى أن فيها شيء من النظر إثبات الطاهر كإثبات القياس إثبات الطاهر القسم الطاهر كإثبات القياس كإثبات الإجماع إذا قيل بأن الإجماع ثابت هل كل من ادعى الإجماع يقبل منه؟ لا، إذا قيل القياس ثابت هل كل قياس يكون قياسًا صحيحًا أو دعوى القياس تكون صحيحة؟ لا؛ لا يلزم بل يكون الأصل ثابتًا ثم التفريع قد ينظر فيها ولذلك كثير من المسائل التي يذكرها ولذلك تجد من يعترض على هذا القسم يقول لكثرة الخلاف فيه وتناقض الفقهاء فيه أقول تناقض وكثرة
[ ٢ / ٩ ]
المسائل المفرعة أكثرها لا دليل عليها فإذا نوزع من أثبت هذا الفرع لا يلزم منه أن ينسف الأصل من أصله بل يبقى الطاهر ثابت ثم نحصره فيما دلت النصوص عليه وهو ما تغير بما ذكره المصنف وأما ما جاءت به الأدلة من كونه يمنع من استعماله لكونه كذا وكذا حينئذٍ ننظر في الدليل إن دل الدليل على أن المنع هنا لكونه قد سلب الماء الطهورية فعلى العين والرأس وإلا رجعنا إلى الأصل وهو كون الماء طاهرًا وما ذكره الفقهاء يكون رأيًا مرجوحًا (أو رفع بقليله حدث) رفع حدث بقليله رفع يعني أزيل بقليله ما المراد ما دون القلتين لأنه إذا أطلق القليل كما هنا وهنا قال طهور يسير إذًا يسير وقليل بمعنى واحد عند الفقهاء (أو رفع بقليله) وهو ما دون القلتين ماء طهور رفع به (حدث) أي حدث كان يعني سواء كان بجميع الأعضاء أو كان ببعضها جميع الأعضاء هذا إنما يكون في غسل الجنابة البدن كله أو بعضها وهذا إذا كان رفع به حدث أصغر (أو رفع بقليله حدث) حينئذٍ يحكم بكون الماء قد سلب الطهورية وصار طاهرًا في نفسه غير مطهر لغيره وهذا ما يسمى بالماء المستعمل الماء المستعمل، الماء المستعمل نوعان المستعمل في طهارة مستحبة كتجديد وضوء وغسل جمعة وغسلة ثانية وثالثة وقد سبق الكلام عنها بأنها طهور وهذا الاستعمال لا يسلبه الطهورية، ماء مستعمل في رفع حدث بأن يكون توضأ به لرفع الحدث أو اغتسل به لرفع الجنابة حينئذٍ هذا الماء يقال فيه ماء مستعمل والمراد بالماء المستعمل ليس الماء الباقي أو الذي يغترف منه للوضوء وإنما المراد بالماء المستعمل الذي يجري على العضو فلو غسل وجهه ثم تقاطر الماء وجمعه وجمع من يده ونحوها حينئذٍ نقول هذا الماء المستعمل على المذهب لكونه استعمل في رفع حدث حينئذٍ قولوا هذا سلبه الطهورية لماذا؟ قالوا لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) رواه مسلم، (لا يغتسلن) هذا نهي مؤكد فلولا أنه لا يفيد منعًا لم ينهى عنه النبي ﷺ هذا وجه الاستدلال لولا أنه لا يفيد منعًا لما نهى عنه النبي ﷺ (لا يغتسلن) لماذا قال لأنه اغتسل فيه جنب حينئذٍ استعمل في رفع حدث وخص الجنب دون غيره وفلكون النبي ﷺ علل وقوله (وهو جنب) والجملة حالية حينئذٍ تكون تعليلًا علل الحكم هنا لكون ذلك المستعمل له قد استعمله في رفع حدث ما موقفك أنت قال (لا يغتسلن) لا يفهم من هذا النهي إلا لكونه أنه لا يرفع ونقول هنا كما قلنا هناك وهو أن الصحيح أن الماء طهور وليس بطاهر لأنه باق على أصله والأصل في الماء الطهور ولا يعد عنه لكونه طاهرًا غير مطهر إلا بدليل ولا دليل هنا فنبقى على الأصل وأما هذا الحديث فهو كحديث (لا يبولن) ليس المراد به أن الماء قد تغير بنجاسة أو نحوها وإنما المراد لئلا يتوارد الناس في الاغتسال ثم قد يكون ما هو قذارة أو إفساد لنفسه أو لغيره إذًا هذا النوع نناقش فيه المصنف أنه باقي على أصله وهو أنه طاهر في نفسه مطهر لغيره، (أو رفع بقليله حدث أو غمس فيه يد قائم من نوم ليل ناقض لوضوء) هذا نوع من أنواع الطاهر وهو كما ذكرنا مبني على دليل ليس على أصل التغير وإنما بدليل
[ ٢ / ١٠ ]
والدليل فيه نظر كما ذكر في المسألة السابقة أو غمس فيه الضمير هنا يعود على قوله (أو رفع بقليله) إذًا المراد بفيه الضمير هنا الماء القليل المراد به ما دون القلتين مفهومه لو غمس يده فيما هو كثير في قلتين فأكثر فالماء باقي على طهوريته بكونه طاهرًا في نفسه مطهرًا لغيره (أو غمس فيه) يعني في الماء القليل (يد قائم من نوم ليل) في الشرح قال كل يد بمعنى أن الحكم هنا مقيد باليد وأطلقها النبي ﷺ في الحديث الآتي ذكره فيحمل على الجميع ولا يلحق اليد البعض بالكل بمعنى أن اليد هنا المراد بها من أطراف الأصابع إلى الكوع هذه اليد هي التي تقطع في السرقة إن أدخل يده كلها بالشروط الآتية ثبت الحكم إن أدخل أصبعه فقط أو بعض أصابعه لا يثبت الحكم لأن الحكم تعبدي فإذا نص النبي ﷺ على اليد كلها فإثبات الحكم مع بعضها من باب القياس وهنا لا قياس لأن من شرط القياس أن يكون الحكم معللًا وهنا لم يعلل الحكم إذًا قوله كل يد مراده أن اليد هي التي يثبت لها الحكم وإذا أطلقت اليد انصرفت إلى جميع اليد وأما بعض اليد فلا يثبت بها الحكم قال كذلك يد مسلم مكلف يعني مسلم لا كافر فلو أدخل يده الكافر لم يثبت الحكم يعني هو طهور وإذا أدخل المسلم يده فهو طاهر غير مطهر، مكلف يعني لا صغير بمعنى أن الصبي أدخل يده مع أن الصبي مظنة لنجاسة ونحوها لو أدخل يده الماء باقي على أصل طهوريته ليس بطاهر وأما المكلف العاقل الكبير لو أدخل يده حينئذٍ انتقل الحكم، قال (يد قائم من نوم ليل) النوم معروف وقيده هنا بالليل للحديث الآتي ذكره (ناقض لوضوء) والمذهب أن النوم من نواقض الوضوء لكن ليس كل النوم وإنما هو كل نوم إلا يسيرًا من قاعد أو قائم هذا الضابط في النوم في المذهب من كونه ناقضًا كل نوم إلا نوم يسير من قاعد أو قائم هذه الذي يعتبر ناقضًا حينئذٍ لو كان يسيرًا من قاعد هل ينتقض الوضوء قل لا لم ينتقض، فلو نام نومًا لم ينقض الوضوء حينئذٍ نقول لو وضع يده في الماء لم يسلبه الطهورية بهذه القيود الماء يعتبر طاهرًا (أو غمس فيه) يعني يده أو غمست ولو قهرًا أو نسيانًا أو جهلًا يد مسلم مكلف قائم من نوم ليل لا نوم نهار الحكم يختلف ناقض للوضوء إن لم يكن النوم ناقض للوضوء فيختلف الحكم قال الشارح قبل غسلها ثلاثًا لأن الحديث الوارد عن النبي ﷺ قال (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثًا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) (إذا استيقظ أحدكم) هذا خطاب للمسلم إذًا الكافر لا يشمله (من نومه) هذا عام يشمل كل نوم - نوم النهار ونوم الليل - ولكن المصنف قيده بماذا؟ بنوم الليل قالوا للتعليل الوارد في الحديث فإن النبي ﷺ قال (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) والبيتوتة لا تكون إلا في الليل لا في النهار فدل على أن مراده من نومه هو عام أريد به الخاص وهو نوم الليل (فليغسل) الأمر هنا للوجوب (يديه) أطلق اليدين (قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثًا) فإن أدخل يديه في الإناء قبل أن يغسلهما ثلاثًا حينئذٍ حكم على الماء بكونه سلب الطهورية وهنا يقال فيه ما قيل بقوله (أو رفع بقليله حدث)
[ ٢ / ١١ ]
النبي ﷺ لم يتعرض لحكم الماء وإنما تعرض لحكم اليدين وهل التعليل هنا لكون النجاسة متوهمة أو لشيء آخر؟ نقول الله أعلم بذلك بمعنى أن النبي ﷺ أمر من استيقظ من نومه يشمل نوم الليل ونوم النهار على الصحيح والحكم عام أنه لا يدخل يديه في الإناء حتى يغسلهما ثلاثًا والأمر هنا للوجوب حينئذٍ وجب الامتثال، هل الحكم معلل؟ نقول الحكم غير معلل، ما العلة؟ الله أعلم بها لا بالنجاسة ولا بغيرها، لأنه لو كانت النجاسة متوهمة فالأصل ماذا؟ الأصل الطهارة فمن شك في يديه بأنهما نجستان نقول الأصل الطهارة وضعهما في الماء لو لم تكن قائمًا من نوم ليل وأنت الآن مستيقظ وشككت في نجاسة يديك ووضعتها في الماء ما حكم الماء؟ نقول اليقين لا يزول بالشك واليقين هو الطهارة، وكذلك الحكم فيما إذا كان مستيقظًا من نوم ليل إذًا التعليل هنا لكون النجاسة متوهمة وحفظًا للماء تعليل فيه نظر، وكذلك التعليل من كون الشيطان يلعب بهما تعليل فيه نظر، نبقى على الأصل من أن كون الحكم تعبدي، ولم يتعرض النبي ﷺ للماء فإذا كان كذلك نبقى على أصله بمعنى أنه طهور مطهر ولا نسلبه الطهورية بمجرد كون النبي ﷺ نهى أن يغمس القائم من نوم ليل يديه أو يده في الماء إذًا يكون هذا القسم من قسم الطهور لا من الطاهر، (أو غمس فيه يد قائم من نوم ليل ناقض للوضوء) قوله (من نوم ليل) الصحيح أنه يجب غسل اليدين لكل من قام من كل نوم سواء كان نوم ليل أو كان نوم نهار للعموم الذي في قوله (من نوم) فإنه مصدر مضاف حينئذٍ يكتسب العموم فإن أدخلهما بعد غسلهما ثلاثًا فالماء طهور على المذهب، فإن أدخلهما بعد غسلهما مرتين فالماء المذهب كما هو أو يختلف قال الشارح قبل غسلهما ثلاثًا، فإن غسلها مرة فأدخل يده فالماء طاهر غير مطهر فإن غسلهما مرتين ثم غمسهما في الإناء فالماء طاهر غير مطهر إن غسلهما ثلاثًا ثم غمسهما فالماء طهور، إذًا قبل غسلهما ثلاثًا له مفهوم (أو كان آخر غسلة زالت النجاسة بها) هذا القسم الأخير الذي أراده المصنف من قسم الطاهر بأنه طاهر في نفسه غير مطهر (أو كان) يعني الماء القليل (أو كان) إذًا الضمير يعود إلى ما عاد عليه (أو غمس فيه) وهو الماء القليل وهو ما دون القلتين (آخر غسلة زالت النجاسة بها) على المذهب أن النجاسة لا تزول إلا بسبع سيأتي بحثه وأنه ضعيف بالصواب أن النجاسة تزول بزوالها هذا هو الصحيح لكن على المذهب سيأتي حديث ابن عمر أمرنا بغسل الأنجاس سبع حديث ضعيف لا يعول عليه فيبقى على الأصل، فالمذهب أنه لا تزول النجاسة إلا بسبع فلو وجد على الثوب قطرة بول وجب غسله سبع مرات ولو زالت النجاسة عين النجاسة بالمرة الأول فيغسل المرة الأول والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة، من الأول إلى السادسة كلها نجس كل الغسلات المنفصلة نجسة السابعة هي التي حكمنا على الموضع بأنه قد طهر من حكم النجاسة إذًا زالت هذه النجاسة وهو حكمها بالغسلة السابعة فمراد المصنف هنا الغسلة السابعة بشرط انفصال النجاسة بمعنى أنه زالت وأما إذا بقيت في محلها ثم لاقتها المرة السابعة حينئذٍ ماء قليل لاقا
[ ٢ / ١٢ ]
نجاسة في حكم عليه بالنجاسة وإنما المراد فيما إذا زالت عين النجاسة وبقي المحل من حيث أثر النجاسة لا الحكم بقي المحل من حيث أثر النجاسة يعني الصفة اللون أو الطعم أو الرائحة قد أزيلت حينئذٍ حكمًا النجاسة باقية لا عينًا وإنما تزول بالسابعة فمن الأولى إلى السادسة كل الغسلات تعتبر نجسة لأنها لاقت محلا ً محكومًا عليه بالنجاسة وأما السابعة هي التي حكمنا بسببها كون المحل قد طهر ما حكمه هذا المنفصل من المرة السابعة قالوا هذا ما طاهر غير مطهر (أو كان) يعني الماء القليل (آخر غسلة) وهي الغسلة السابعة (زالت النجاسة بها) وانفصل بشرط أن يكون هذا الماء المنفصل غير متغير فإن كان متغيرًا حكمنا عليه بكونه نجسًا (فطاهر) يعني هذا خبر فهو طاهر (طاهر) هذا خبر لمبتدأ محذوف فهو طاهر لأنه أثر شيء هذه المرة السابعة أثرة شي وهو التطهير فصار كالمستعمل في رفع الحدث صارت هذه المرة السابعة أثرة بمعنى أنها بسببها ختمنا بها الغسلات السبع فحكمنا على الموضع بكونه انتقل من النجاسة إلى الطاهرية كذلك الماء المستعمل في رفع الحدث باستعمالنا للماء انتقل من كون موصوفًا بالحدث إلى كونه طاهرًا هذا يكون من قبيل ماذا من قبيل القياس وإن كان علل هنا لقوله لأن المنفصل بعض المتصل والمتصل طاهر والصحيح أن هذه الغسلة تعتبر طهورًا لماذا؟ لأنها مرة سابعة وعلى الصحيح فيما سبق أن النجاسة تزول بزوال عينها وأثرها بأن لا تبقى العين وأن لا يبقى من آثارها كاللون ونحوه فإذا زالت حينئذٍ نقول الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا فنحكم على المحل بكونه طاهرًا فإذا جاءت المرة الثانية والمحل قد خلص من النجاسة حكمنا على هذه المرة بكونها طاهرة وكذلك الخامسة والسادسة ونحو ذلك إذًا على المذهب باعتبار اشتراط سبع غسلات من الأولى إلى السادسة نجسة والسابعة طاهر غير مطهر والثامنة طهور والصحيح ما ذكرناه سابقًا، إذًاَ يخلص من هذا القسم الثاني أم قوله (وإن تغير طعمه أو لونه أو ريحه بطبخ أو ساقط فيه) إلى هنا هو الطاهر وما ذكر من قوله (أو رفع بقليله حدث أو غمس
[ ٢ / ١٣ ]
أو كان آخر غسلة زالت النجاسة بها) على المذهب لابد أن تعرف المذهب أنه طاهر غير مطهر والصحيح أنه من قبيل الطهور والخلاف هنا في مثل هذه المسائل المفردات والآحاد كالخلاف في بعض الأقيسة التي يذكرها الفقهاء قد يقال بأن هذا القياس صحيح وهذا قياس فاسد وليس كل ما ذكر من شروط القياس فهي يعتبر عند أهل الأصول بل بعضها ما هو موافق عليه وبعضها ما هو مردود على صاحبه وهنا نقول الطاهر ثابت ويحصر فيما ذكرناه وما عداه فمحل نظر ولذا صار الكلام في الطاهر كلام قليل ولو أكثر الفقهاء من الكلام فيه ثم من حيث النظر من استعمال المكلف كذلك يكون يسيرًا لا كثيرًا والأصل في الماء هو الطهور ولا تحكم بكونه طاهرًا إلا بغلبت ظن أو يقين، ثم انتقل إلى النوع الثالث وهو النجس فقال رحمه الله تعالى وهذا محل إجماع النجس محل وفاق بين الفقهاء لا خلاف في النجس من حيث الجملة يعني في وجوده فالنجس ثابت وهو لا يرفع حدثًا ولا يزيل نجسًا باتفاق وإنما يستثنى ماذا؟ يستثنى الماء المتغير بالنجاسة في محل التطهير وهذا الاستثناء يذكر في الماء الطاهر الماء الطاهر المتغير بالشيء الطاهر يعني إن كان محل التطهير يعني محل الغسل هذا مستثنى الماء لو وضعت فيه عجين وحركته وتغير به نحكم على الماء بكونه طاهرًا لأنك أدخلت فيه بفعلك شيء وتغير به لكن لو جاء الماء على يدك وأنت تتوضأ ثم لاقا عجينًا فتغير به كل الماء لونه وطعمه ورائحته في الأصل نحكم عليه بكونه طاهرًا لكن في محل التطهير نستثني هذه الحالة للضرورة لأن لو حكمنا عليه بكونه طاهرا ًوالطاهر لا يرفع حدث لو جدت مشقة على المكلفين حينئذٍ الطاهر الماء المتغير بشيء طاهرًا قصدًا في محل التطهير من أجل الضرورة كذلك الماء الذي يغسل به النجاسة تكون النجاسة على اليد فتغسلها يتغير الماء ما حكم الماء؟ هو ماء متغير بالنجاسة وهذا بالإجماع نجس لكن الإجماع ليس في هذه الصورة بل هذه الصورة مستثناه بالإجماع إجماع المتقدمين وقال بعضه هو نجس لكنه يتطهر به في هذا الموضع على جهة الخصوص فقط وما عداه فيبقى على الأصل، إذًا النجس لا يرفع به حدث ولا تزال به النجاسة الأول متفق عليه وهو أنه يرفع به حدث والثاني أنه لا تزال به النجاسة محل خلاف يرى بعض أهل العلم أنه تخفف به النجاسة وهو اختيار ابن تيمية رحمه الله تعالى والذي تدل عليه الأدلة هو أنه لا يستعمل مطلقًا فلا يستعمل لا في العادات ولا في العبادات حينئذٍ يكون ما خالف لطرفي الطهور والطاهر الطهور يستعمل في العادات والعبادات والطاهر في العادات لا في العبادات النجس لا في العادات ولا في العبادات، قال رحمه الله تعالى (والنجس) قسمان الأول مجمع عليه والثاني مختلف فيه وزاد المصنف قسمًا ثالثًا داخل في القسم الثاني (ما تغير بنجاسة) (ما تغير) ما يعني ماء طهور أو طاهر لأن الكلام في الماء الذي يقابل النجس والماء الذي يقابل النجس هو الطاهر ثم هو قسمان طاهر مطهر وطاهر غير مطهر ولذلك من الحنابلة من قسم الماء إلى قسمين وهو يرى أن القسمة ثلاثية لأن العبرة هنا بالتقابل فإن قابل النجس بالطاهر دخل في الطاهر الطهور وإن قابل الطاهر بالطهور حينئذٍ انفصل كل منهما عن الآخر
[ ٢ / ١٤ ]
(ما) يعني ماء تغير طهور كان أو طاهرًا (تغير) إما جميع صفاته أو بعض صفاته (بنجاسة) يعني بسبب نجاسة حلت فيه ثم أثرت في الماء قليلة كانت هذه النجاسة أو كثيرة سواء كان الماء قليل وهو ما دون القلتين أو كثيرًا وهو ما كان قلتين فأكثر مطلقًا دون تفصيل حينئذٍ نقول الماء نجس وهذا محل إجماع قال ابن المنذر (أجمع أهل العلم على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت للماء طعمًا أو لونًا أو رائحة أنه نجس مادام كذلك) لكن يستثنى ما تغير بمجاورة ميتة هذا مستثنى لأن الرائحة إحدى صفات الماء حينئذٍ نقول الماء إذا تغير برائحة النجاسة سبق أن الماء المتغير بمجاورة ميتة المتن أطلق هنا لكن لابد من التقيد بالرائحة حينئذٍ يكون هذا مستثنى بالإجماع وحكى ابن المنذر الإجماع عليه، (أو) هذا النوع الثاني النوع الأول واضح بين (أو) وهو القسم الثاني وهذا محل خلاف بين الفقهاء (أو لاقاها وهو يسير) (أو لاقاها) يعني لاقا الماء النجاسة (وهو اليسير) عرفنا اليسير المراد به دون القلتين فكل ما دون القلتين وهو القليل واليسير ليس العبرة في الحكم عليه بكونه نجسًا أو لا -بالتغير- وإنما العبرة بمجرد الملاقاة كون النجاسة وقعت وحلت في الماء ولو لم تغيره إن غيرته دخل في القسم الأول وإن لم يتغير حينئذٍ وقع نزاع بين أهل الفقهاء وجمهور أهل العلم على أنه نجس بمجرد الملاقاة لمفهوم حديث ابن عمر (إذا بلغ الماء قلتين لا ينجسه شيء أو لم يحمل الخبث) مفهومه أن ما دون القلتين يحمل الخبث ينجس حينئذٍ هذا حكم بالمفهوم وإذا كان كذلك صار هذا المفهوم ثابت في نفسه ويعتبر مخصصًا لحديث أبي سعيد (الماء طهور لا ينجسه شيء) وهذا محل إشكال عند بعض أهل العلم هذا مفهوم وذاك منطوق حديث أبي سعيد (الماء طهور لا ينجسه شيء) هذا مخصص بما إذا تغير بالإجماع لأن قوله الماء طهور لا ينجسه شيء ولو تغير بالنجاسة لكن نقول هذا مخصوص بالإجماع ثم نخصه بمفهوم حديث ابن عمر وهو أن ما كان دون القلتين ينجس بمجرد الملاقاة فنجمع بين هذا وذاك والحديث الخاص يقضي على العام ولا نقول هذا منطوق وهذا مفهوم وحينئذٍ يكون المنطوق مقدم على المفهوم هذه قاعدة صحيحة لكنها متى تستعمل؟ إذا اختلفا منطوق ومفهوم وكل منهما خاص حينئذٍ نقول هذه المسألة لو جاء حديث يدل بالمفهوم على أن الماء القليل ينجس بمجرد الملاقاة وجاء منطوق يدل على أن الماء القليل لا ينجس بمجرد الملاقاة حينئذٍ نقول تعارض منطوق ومفهوم ويقدم المنطوق لأنه أقوى وأما إذا تعارض منطوق وهو عام ومفهوم وهو خاص حينئذٍ نقول المفهوم دليل وحجة شرعية في نفسه تثبت به الأحكام الشرعية ولذلك المفاهيم معتبرة وهذا المفهوم شرط الموجود هنا ولذلك قال الشوكاني في إرشاد الفحول (لا ينكره إلا أعجمي) بمعنى أنه يكاد يكون إجماع على اعتباره حينئذٍ نقول هذا خاص وحديث أبي سعيد عام فيحمل العام على الخاص ويستثنى من حديث أبي سعيد الماء الذي يكون دون القلتين فينجس بمجرد الملاقاة وهذا المرجح الذي تدل عليه الأدلة كما ذكرنا، (أو لاقاها وهو يسير) فنحكم عليه بأنه نجس (أو انفصل عن محل نجاسة قبل زوالها) زوال ماذا؟ النجاسة تزول متى؟ بالسابعة (أو
[ ٢ / ١٥ ]
كان آخر غسلة زالت النجاسة بها فهو طاهر) ما دون ذلك نجس هو الذي عناه بهذه المسألة، إذًا مراده بهذه الصورة الغسلات من الأولى إلى السادسة كأنه فصل الأولى إلى السادسة نجسة ولذا قال (أو انفصل) يعني الماء الطهور وهو يسير (عن محل نجاسة) انظر (عن محل نجاسة) ولم يقل عن نجاسة يعني لا يشترط أن يلاقي النجاسة عينها لأن النجاسة قد تزول بأول غسلة نقطة بول على اليد غسلتها زالت النجاسة قطعًا لكن هل طهر المحل؟ لا لم يطهر المحل إذًا محل النجاسة الحكم ثابت له وعين النجاسة موجودة؟ لا غير موجودة المحل الثانية قد لاقت محلًا نجسًا لم تلاقي نجسة بنفسها بعينها وإنما محلًا نجسًا فمن الأولى إلى السادسة هذا تعتبر ماذا؟ نجسًا (أو انفصل عن محل نجاسة قبل زوالها) إذا تغير هذا واضح بين أنها تكون نجسة وهذا محل وفاق (قبل زوالها) فنجس فما انفصل قبل السابعة نجس وكذا ما انفصل قبل زوال عين نجاسة ولو بعدها فهما أو متغيرًا حينئذٍ الحكم هنا معلق بالغسلات من الأولى إلى السادسة والصحيح في هذا كما ذكرناه سابقًا أن الماء إذا لاقى عين نجاسة ولو لم يتغير فهو نجس فإذا زالت النجاسة طهور المحل فإذا كانت غسلة ثانية أو ثالثة فالصحيح أن الماء يعتبر طهور لا طاهرًا ولا نجسًا، ثم انتقل المصنف رحمه الله تعالى في خاتمة الباب ما يتعلق بأحكام هل يمكن تطهير الماء؟ ثم مسائل الشك ثم الاشتباه نأتي عليها لأنها يسيرة وسهلة، (فإن أضيف إلى الماء النجس طهور كثير غير تراب ونحوه أو زال تغير النجس الكثير بنفسه أو نزح منه فبقي بعده كثير غير متغير طهر) نجاسة الماء ليست نجاسة عينية وإنما هي نجاسة حكمية لأن الماء يكون طاهرًا أو طهورًا ثم حينئذٍ إذا وقعت فيه النجاسة فأثرت فيه فتغير الماء حكمنا على الماء بكونه نجسًا أو كان دون القلتين ووقعت فيه نجاسة حكمنا على الماء بكونه نجسًا إذًا هو الأصل طهور أو طاهر ثم انتقل لوقوع النجاسة فيه على التفصيل السابق إلى النوع الثالث وهو النجس هل يمكن تطهيره أو لا محل خلاف بين الفقهاء وأكثر أهل العلم على نعم يمكن تطهيره حينئذٍ ما مسائل التطهير ذكر المصنف هنا الإضافة والتغير ونحوه (فإن أضيف إلى الماء النجس طهور كثير) كثير ما المراد بالكثير؟ قلتان فأكثر يعني عندك ماء نجس سواء كان قليلًا أو كثيرًا أضفت إليه زدت عليه طهور كثير ماذا حصل؟ طهر الماء، إذًا تطهير الماء بإضافة ماء كثير عليه بأن تزيد عليه الماء هذا واضح بين فنحكم على هذا الماء في الأصل سواء كان قليلًا أو كثيرًا بكون الماء انتقل من النجاسة فرجع إلى أصله يعني تطهر الماء كما تطهر الثوب كما تغسل الثوب كذلك تغسل الماء تغسل الماء بالماء تطهر الماء بالماء (فإن أضيف إلى الماء النجس) أطلق المصنف فلم يقيده فيشمل الكثير والقليل (طهور كثير) لا يسير فإن أضيف إليه يسير حينئذٍ حكمنا عليه بكونه نجس بقي على أصله (غير تراب ونحوه) يعني الماء هو الذي يحصر فيه التطهير لأنك أردت إزالة النجاسة عن الماء يعني حكم النجاسة التي ثبت للماء بكون الماء نجسًا أردت زوالها فالذي يزيل هو الماء محصور في الماء إذًا التراب ونحوه من المائعات لا يحكم على الماء النجس سواء كان قليلًا
[ ٢ / ١٦ ]
أو كثيرًا بكون الماء قد طهر لماذا؟ لأن التراب لا يطهر نفسه فكذلك سائر المائعات لا تطهر نفسها وإنما حصرت الطهارة بنوعيها في الماء الطهور فكذلك حينئذٍ في الماء النجس إذا أردت تطهيره تضيف إليه الماء فإذا أضفت إليه التراب ونحوه بقي الحكم على أصله إذًا هذه الطريقة الأولى؛ الطريقة الأولى الإضافة تضيف إليه الماء بشرط أن يكون الماء كثيرًا والماء الذي أضيف إليه وهو النجس مطلق يعني سواء كان قليلًا أو كثيرًا، الثانية (أو زال تغير النجس الكثير بنفسه) هنا قيد النجس الكثير لأن العبر هنا بماذا؟ بالتغير الحكم على الماء الكثير بكونه نجسًا بالتغير والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا فإذا زال التغير حكمنا على الماء بكونه تطهر (أو نزح منه) يعني من الماء النجس وهنا يشترط أن يكون كثيرًا (فبقي بعده كثير) يعني بقي بعد النزح بقي كثير حينئذٍ يشترط في هذا الماء أن يكون أكثر من قلتين إذًا لا يكون قلتين ولا دون القلتين القلتان ماء كثير وحينئذٍ القلتان لا تطهر بالنزح لأنه يشترط في النزح وهو أخذ الماء من الماء النجس يشترط أن يبقى بعد النزح كثير وهو قلتان إذًا لا يتصور أن يكون ماذا؟ أن يكون هذا الماء قلتين وإنما هو أكثر من قلتين (أو نزح منه فبقي بعده) يعني بعد المنزوح (كثير غير متغير) بهذا الشرط طهورًا يعني حكمنا على الماء بكونه طهورًا أو طاهرًا لزوال العلة علة تنجسه وهي التغير، إذًا ما كان قلتين فإنه يطهر بطريقين الإضافة والثانية زوال تغيره بنفسه، ما كان أكثر من قلتين حينئذٍ يطهر بثلاث طرق الإضافة والنزح وزوال التغير، ما كان دون القلتين له كم طريقة؟ طريقة واحده وهي؟ الإضافة فقط، هل يمكن النزح؟ لا، هل بزوال التغير؟ الجواب لا، طيب لو كان متغير وهو قليل وزال التغير - ماء يسير مثل هذا زال تغيره بنفسه - طهر أم بقي على نجاسته؟ باق على نجاسته لأنه قال (أو زال تغير النجس الكثير) أما النجس القليل لو زال تغيره لا يطهر لماذا؟ لكون الملاقاة حاصلة النجاسة موجودة والملاقاة حاصلة حينئذٍ لا يمكن أن يطهر، ثم قال رحمه الله تعالى (وإن شك في نجاسة ماء أو غيره أو طهارته بنى على اليقين) وهذه مسألة الشك بمعنى أنه عنده ماء وشط في هذا الماء قد تغير ولا يدري هل هذه الروثة التي قد غيرة الماء روثة شاة أو وهي طهارة أو روثة حمار وهي نجسة لا يدري اشتبه عليه الأمر شك حينئذٍ نقول الأصل ما هو؟ الأصل الطهارة فنبقى على كونه طاهرًا أو كونه طهورًا ولا نحكم بنجاسته بالشك في المغير (وإن شك في نجاسة ماء) أو غيره من الطاهرات حتى في الثوب والبقعة ونحوها من المائعات شككت هل هو نجس أم لا نقول الأصل هو الطهورية فيبقى على أصله ولا تنتقل من كونه نجس إلا بيقين أو طهارته بأن يكون الأصل هو أنه نجس وشك هل زال التغير أو حينئذٍ نبقى على الأصل فالأصل هو المستصحب (بنى على اليقين) الذي علمه قبل طرو الشك فإن كان الأصل أنه طاهر وشك في النجاسة فالأصل أنه طهور وإذا كان الأصل أنه نجس وشك في نجاسته فالأصل أنه نجس والقاعدة المتفق عليها اليقين لا يزول بالشك استنادًا لهذه المسألة وكذلك حديث عبدالله بن زيد أن النبي ﷺ شكي إليه الرجل
[ ٢ / ١٧ ]
يجد في بطنه شيء فيشكل عليه هل خرج منه شيء أم لا، (فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوت أو يجد ريحًا) والمسألة واضحة، لكن ينبه إلى أن المراد بالشك هنا ليس هو الشك الذي هو عند الأصوليين الشك عند الأصوليين ما تردد بين أمرين مع استواء الاحتمالين وأما عند الفقهاء فيشمل الشك عند الأصوليين وزيادة على ذلك الظن فيدخل فيه الظن بمعنى أنه متى ما تردد ولو غلب على ظنه بأنه طاهر فيبقى على الأصل وهو النجاسة أو بالعكس، إذًا قوله (وإن شك) حينئذٍ الشك عند الفقهاء هو التردد بين وجود الشيء وعدمه سواء كان الطرفان في التردد سواء أو أحدهما راجحًا وهذا هو المصطلح عليه عند الفقهاء، ثم ذكر مسألة الاشتباه هي فيما اشتبه طهور بنجس ماذا يصنع، قال (وإن اشتبه طهور بنجس حرم استعمالهما) يعني عندك إناءان كل منهما متغير وتعلم يقين أن أحدهما نجس وأحدهما طاهر لكن شككت اشتبه عليك الشك يكون في محل واحد والاشتباه يكون بين أمرين حينئذٍ اشتبه عليك هذا هو الطهور أم النجس ما الحكم؟ حرم عليك استعمال الإناءين لأنه لا يحل لك أن تستعمل النجاسة محرم ولا يمكن اجتناب النجاسة إلا باجتناب الطهور فيتعين عليك اجتناب الأمرين فتعدل إلى التيمم (وإن اشتبه طهور بنجس حرم استعمالهما) لأنه لا يمكن اجتناب النجس إلا باجتناب الطهور (ولم يتحر) يعني لم يجتهد يعني لو كانت هناك قرينة تدل على أن هذا طهور وهذا نجس كذلك يتركهما والظاهر أنه يتحر فإن غلب على ظنه بقرينة محسوسة إما بشم رائحة أو نحوها أو عرف ونحو ذلك حينئذٍ ما غلب على ظنه استعمله وأما إذا استويا حينئذٍ يحرم استعمال الماءين (ولا يشترط للتيمم) لأنه إذا حرم عليه استعمال النوعين الطهور والنجس عدل إلى التيمم لكن هل يريق النوعين أو أنه يجمع بينهما لا يشترط ذكره الخرقي لكنه قول مرجوح، ولا يشترط للتيمم إراقة الإناءين من أجل أن يكون عادمًا للماء لأن الله تعالى يقول (فلم تجدوا ماء فتيمموا) هذا واجد للماء لكن لا؛ نقول الوجود هنا وجود حسي لكنه هو من حيث الحكم هو عجز عن استعمال الماءين حينئذٍ فلم يجد الماء هذا لم يجد الماء ما هو الذي وجب عليه التطهر به؟ هو الماء الطهور وهو قد اشتبه عليه الأمران إذًا لا يشترط لتيمم إراقت الإناءين ولا خلطهما من أجل أن يتحقق النجاسة، (وإن اشتبه بطاهر توضأ منهما وضوءًا واحد من هذا غرفة ومن هذا غرفة وصلى صلاة واحدة) إذا اشتبه الطهور بالنجس وجب اجتناب النوعين، لكن إذا اشتبه الطهور بالطاهر ليس عندنا هنا ما يمنع من استعمال النجاسة هناك يجب على المسلم أن يحفظ بدنه كله عن استعمال النجاسة وهنا ليس عندنا ما يجب حفظ البدن عنه لأن الطاهر يجوز استعماله لكن لا في العبادات وإنما في العادات يجوز أن يغتسل ويتنظف بماء طاهر غير مطهر لكن من باب التبرد والتنظف هنا إذا اشتبه طهور بطاهر ومعلوم أن الطهور هو الذي يرفع الحدث والطاهر لا يرفع الحدث ماذا يصنع؟ قلنا لا يعدل إلى التيمم قالوا هنا له مسلك وهو أن يتوضأ منهما وضوءًا واحدًا يعني يتوضأ من الإناءين الطهور والطاهر وضوء واحدا ً لا نقول توضأ من الأول ثم توضأ من الثاني هذا محال أن يقع وضوء بهذه الصفة لأنه إذا توضأ من الأول توضأ
[ ٢ / ١٨ ]
مترددًا والنية لا توجد مع التردد وإن توضأ من الثاني توضأ مترددًا والوضوء لا يوجد بدون نية والنية لا تكون مع التردد إذًا يمتنع أن يتوضأ فلا نقول له توضأ من هذا وضوءًا كاملًا ثم توضأ من هذا مرة أخرى وضوءًا كاملًا لماذا؟ لفقد النية وهي شرط مصححة للوضوء لكن يقال له اجمع بينهما بوضوء واحد تغترف من هذا غرفة ومن هذا غرفة (توضأ منهما وضوءًا واحدًا من هذا غرفة ومن هذا غرفة وصلى صلاة واحدة) حينئذٍ لا يلزم أن يصلي الفرض مرتين كما قاله البعض هذا من باب التشدد يعني توضأ من الأول وضوءًا كاملًا ولو جزم بنيته ثم بعد ذلك يصلي صلاة ثم يتوضأ من الثاني ويصلي صلاة حينئذٍ فيه إيجاب فرضين على مكلف واحد وهذا خلاف الأصول خلاف من صلى صلاة واحدة، ثم استطرد بذكر ما يمكن ذكره في هذا المقام وهو ذكر الاشتباه وإن كان يتعلق بباب اللباس فيما سيأتي (وإن اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة أو محرمة - كمغصوبة ومسروقة ونحوها - صلى في كل ثوب صلاة - يعني واحدة - بعدد النجس أو المحرم وزاد صلاة) يعني هنا يختلف الحكم بكونه إذا اشتبه عليه ثوب طاهر بثوب نجس حينئذٍ يصلي بعدد النجس يصلى ماذا؟ صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس؛ إذا كان عنده عشرة أثواب منها سبعة نجسة ثلاثة طاهرة وهو واجب عليه أن يحقق الشرط وهو اجتناب النجاسات في الثوب والبدن حينئذٍ نقول له صلي سبع صلوات وزد واحدة ثامنة فوجب عليه أن يصلي ثامن مرات وهذا لا شك أنه تكليف بما لم يشرعه الله عزوجل بل الصواب أنه يتحرى وما غلب على ظنه حينئذٍ لبسه وصلى صلاة واحدة ولا يلزمه الإعادة (وإن اشتبهت ثياب طاهرة - يعني مباحة - بثياب نجسة أو محرمة) يعني ثوب طاهر مباح حلال وثوب طاهر لكنه مسروق لا شك أن الصلاة في الثوب المسروق أو المغصوب لا تصح حينئذٍ ماذا يصنع؟ يصلي بعدد هذا المسروق لو كان ثلاثة يصلي ثلاث مرات وزاد صلاة واحدة هذا بناء عل أنه لا يتحر والصواب أنه يتحر، صلى في كل ثوب صلاة واحدة يكررها بعدد الثياب النجس أو المحرم وزاد على العدد صلاة ليؤدي فرضه بيقين لأن لابد أن يصلي صلاة متيقنًا فيها استيفاء الشروط
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
[ ٢ / ١٩ ]