باب بيع الأصول والثمار روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «(٣٠) من باع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن
_________________
(١) [العُدَّة شرح العُمْدة] الثالث: أن لا يكون له نقد يشتري به للخبر. الرابع: أن يشتريها بخرصها للخبر، ولأن رسول الله - ﷺ -: «رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلًا» متفق عليه، ولا بد أن يكون التمر معلومًا بالكيل للخبر، وفي معنى الخرص روايتان: إحداهما: أن ينظر كم يجيء منها تمرًا فيبيعها بمثله لأنه يخرص في الزكاة كذلك، والثانية: يبيعها بمثل ما فيها من الرطب لأن الأصل اعتبار المماثلة في الحال بالكيل، وإذا خولف الدليل في أحدهما وأمكن أن لا يخالف في الآخر وجب. الخامس: أن يتقابضا قبل تفرقهما لأنه بيع تمر بتمر فاعتبرت فيه أحكامه إلا ما استثناه الشرع، والقبض فيها على النخل بالتخلية وفي التمر باكتياله، فإن كان حاضرًا في مجلس البيع اكتاله وإن كان غائبًا مشى إلى التمر فتسلمه، وإن قبضه أولًا ثم مشى إلى النخلة فتسلمها جاز، واشترط الخرقي كون النخلة موهوبة لبائعها، لأن العرية اسم لذلك، واشترط القاضي وأبو بكر حاجة البائع إلى بيعها، وحديث زيد بن ثابت يرد ذلك مع أن اشتراطه يبطل الرخصة إذ لا تتفق الحاجتان مع سائر الشروط فتذهب الرخصة، فعلى قولنا يجوز لرجلين شراء عريتين من واحد، وعلى قولهما لا يجوز ألا ينقصا بمجموعهما عن خمسة أوسق. [باب بيع الأصول والثمار] مسألة ٣٠: (ومن باع نخلًا مؤبرًا فالثمر للبائع) متروكًا في النخل إلى الجذاذ، (إلا أن يشترطه المبتاع) قال ابن عبد البر: الإبار عند أهل العلم التلقيح، وقيل: التأبير ظهور الثمرة من جف الطلع، والأول أشهر لأن الحكم متعلق بنفس الظهور دون نفس التلقيح بغير اختلاف بين العلماء، فمتى ظهرت الثمرة فهي للبائع، وإن لم تظهر فهي للمشتري، لقول النبي - ﷺ -: «من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترطها المبتاع" رواه البخاري ومسلم ولفظه: " قد أبرت» .
[ ٢٥٠ ]
يشترطها المبتاع»
(٣١) وكذلك بيع الشجر إذا كان ثمره باديًا
(٣٢) فإن باع الأرض وفيها زرع لا يحصد إلا مرة فهو للبائع ما لم يشترطه المبتاع
(٣٣) وإن كان يجز مرة بعد أخرى فالأصول للمشتري والجزة الظاهرة عند البيع للبائع
_________________
(١) [العُدَّة شرح العُمْدة] مسألة ٣١: (وكذلك بيع الشجر إذا كان ثمره باديًا) والشجر على خمسة أضرب: الأول: ما تكون ثمرته في أكمامها لم يفتح الكمام فتظهر كالنخل، وقد سبق بيان حكمه، وهو الأصل الذي وردت السنة ببيان حكمه وما عداه مقيس عليه، ومن هذا الضرب القطن وما يقصد نوره كالورد والياسمين والنرجس والبنفسج، فإنه يظهر في أكمامه ثم يفتح كمامه فيظهر، فهو كالطلع أن يفتح جنبذه فيظهر نوره فهو للبائع، وإن لم يظهر فهو للمشتري قياسًا على النخل. الضرب الثاني: ما له ثمرة بارزة كالجميز والتوت والتين، فما كان منه ظاهرًا فهو للبائع لأنها ثمرة ظاهرة فهي كالطلع المؤبر، وما ظهر بعد العقد فهو للمشتري لأنه حدث في ملكه. الثالث: ما له قشر لا يزول إلا عند الأكل كالرمان والموز فهو للبائع إن كان ظهر لأن قشره في مصلحته فهو كأجزاء الثمرة. الرابع: ما له قشران كاللوز والجوز، فهذا للبائع بنفس الظهور لأن قشره لا يزال في الغالب إلا بعد جذاذه فهو كالرمان. وقال بعض أصحابنا: إن تشقق قشره الأعلى فهو للبائع، وإلا فهو للمشتري، لأنه لا يدخر في قشره الأعلى بخلاف الرمان. الخامس: ما تظهر ثمرته في نوره ثم يتناثر نوره كالعنب والمشمش والتفاح فكان كتابير النخل، ويحتمل أنه للبائع بظهور نوره، لأن استتار الثمرة بالنور كاستتار ثمرة النخل بعد التأبير بالقشر الأبيض. السادس: ما يقصد ورقه كالتوت فيحتمل أنه للمشتري بكل حال قياسًا على سائر الورق، ويحتمل أنه إن تفتح فهو للبائع وإلا فهو للمشتري لأنه هاهنا كالثمر. مسألة ٣٢: (فإن باع الأرض وفيها زرع لا يحصد إلا مرة) كالبر والشعير (فهو للبائع ما لم يشترطه المشتري) لأنه ظاهر فكان للبائع أشبه الثمرة المؤبرة. مسألة ٣٣: (وإن كان يجز مرة بعد أخرى) كالرطبة والبقول (فالأصول للمشتري والجزة الظاهرة عند البيع للبائع) إلا أن يشترطه المبتاع لذلك.
[ ٢٥١ ]
فصل «(٣٤) نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها»
(٣٥) ولو باع الثمرة بعد بدو صلاحها على الترك إلى الجذاذ جاز
(٣٦) فإن أصابتها جائحة رجع بها على البائع لقول رسول الله - ﷺ - لو بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق
_________________
(١) [العُدَّة شرح العُمْدة] مسألة ٣٤: «نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها» فلو باعها قبل بدو صلاحها لم يجز إلا بشرط القطع لما روى ابن عمر: «أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها» متفق عليه، وفي لفظ: «نهى عن بيع الثمار حتى تزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة» رواه مسلم، ولأن في بيعه غررًا من غير حاجة فلم يجز كما لو اشترط التبقية، وإن باعها بشرط القطع جاز بالإجماع. مسألة ٣٥: (ولو باع الثمرة بعد بدو صلاحها على الترك إلى الجذاذ جاز) قال أبو حنيفة: لا يجوز بشرط التبقية لأنه شرط الانتفاع بملك البائع على وجه لا يقتضيه العقد فلم يجز كما لو شرط تبقية الطعام في بيته، ولنا أن رسول الله - ﷺ - «نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها» فمفهومه أنه أجاز بيعها بعد بدو صلاحها، وثبت أنه إنما نهى عن بيع يتضمن التبقية لأنه يجوز بشرط القطع، وعنده مطلقًا ثبت أن الذي نهى عنه هو الذي أجازه، ولأن النقل والتحويل يجب في المبيع بحكم العرف فإذا اشترطه جاز كما لو اشترط نقل الطعام من ملك البائع حسب الإمكان وفي هذا انفصال عما قاله. مسألة ٣٦: (فإن أصابتها جائحة رجع بها على البائع) لما روى جابر أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ من ثمنه شيئًا، لم تأخذ مال أخيك بغير حق» رواه مسلم والإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه، ولفظهما: «من باع ثمرًا فأصابته جائحة فلا يأخذ من مال أخيه شيئًا، علام يأخذ أحدكم مال أخيه المسلم؟» . وهذا صريح في الحكم فلا يعدل عنه، وروى مسلم عن جابر: «أن رسول الله - ﷺ - أمر بوضع الجوائح» .
[ ٢٥٢ ]