قال ابن بدران في كتابه القيم "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل": كان إذا وجد النَّصَ أفتى بِمُوْجِبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا إلى من خالفه، كائنًا من كان، ولهذا لم يَلتفت إلى خلاف عُمر في المبتوتة، لحديث فاطمة بنت قيس؛ ولا إلى خلافه في التَّيمم للجُنُب، لحديث عمار بن ياسر المصرح بصحة تيمم الجنب؛ وكذلك لم يلتفت إلى قول علي وعثمان وطلحة وأبي أيوب وأبي بن كعب في ترك الغسل من الإكسال،
_________________
(١) انظر: المدخل، والمدخل المفصل وتاريخ المذاهب الفقهية، ومفاتيح الفقه الحنبلي، ومنتدى الأصلين على الشبكة العالمية الإلكترونية.
[ ٣٦ ]
لصحة حديث عائشة "أنها فعلته هي ورسول الله ﷺ فاغتسلا" إلى غير ذلك مما هو كثير جدًّا.
ولم يكن يُقَدِّم على الحديث الصحيح عملًا ولا رأيًا ولا قياسًا، ولا قول صاحب، ولا عدم علمه بالمخالف، الذي يسميه كثير من الناس بالإجماع، ويقدمونه على الحديث الصحيح.
وقال الإمام ابن القيم وغيره من علماء الأصول: قَد كَذَّب أحمدُ مَن ادّعى هذا الإجماع، ولم يُسِغ تقديمه على الحديث الثابت، وكذلك الشافعي أيضًا، نَصَّ في الرسالة على أنّ ما لم يُعلم فيه خلاف لا يُقال له: إجماع. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: سمعت أبي يقول: "ما يَدّعي فيه الرجلُ الإجماعَ فهو كَذِبٌ، وَمَن ادّعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، ما يُدريه ولم يَنته إليه، فليقل لا نعلمُ النَّاسَ اختلفوا، هذه دعوى بِشْر المرّيسي والأصم، ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا أو لم يبلغني ذلك".
ونصوص رسول الله أجلّ عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يُقَدِّموا عليها تَوَهُّم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو سَاغَ لَتَعَطّلت النصوصُ وسَاغَ لكل مَن لم يَعلمُ مخالفًا في حكم مسألة أن يُقدِّم جهله بالمخالف على النصوص، فهذا هو الذي أنكره الإمَام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده.