كان الإمام أحمد ﵀ إذا وجد للصحابي فتوى في مسألة، ولا يُعرف له مُخالف منهم فيها لم يَتجاوزها إلى غيرها، ولم يَقُل: إن ذلك إجماع، بل مِن وَرَعِه في العبارة يقول: لا أعلم شيئًا يدفعه، أو نحو هذا، وكان إذا وجد هذا النوع عن الصحابة لم يُقدم عليه عملًا ولا رأيًا ولا قياسًا، فكانت فتاواه لذلك، مَن تَأمّلها وتَأمّل فتاوى الصحابة رأى مطابقة كل منهما للأخرى، ورأى الجميع كأنها تخرج من مشكاة واحدة.
[ ٣٧ ]
حتى إن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان، وكان تَحَرِّيه لفتاوى الصحابة كتحرّي أصحابه لفتاواه ونصوصه، بل أعظم، حتى إنّه لَيُقَدِّم فتاواهم على الحديث المرسل.
قال إسحاق بن إبراهيم بن هانيء في "مسائله": قلت لأبي عبد الله حديث عن رسول الله مرسل برجالٍ ثبت أحبّ إليك، أو حديث عن الصحابة والتابعين متصل برجال ثبت؟
قال أبو عبد الله ﵀: "عن الصحابة أعجب إليّ" وَمِن ثمّ صارت فتاواه إمامًا وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم، حتى إنّ المخالفين لمذهبه في الاجتهاد والمقلدين لغيره، ليعظمون نصوصه وفتاواه، ويعرفون لها حقها، وقربها من النصوص، وفتاوى الصحابة.