القول بخلق القرآن فتنة عمياء جرّت على الأمة الوبال، حيث كانت ضريبة لإخضاع النص للعقل، لا العقل للنص، والعقل يحركه الهوى، والهوى لا عاصم له! ولما توفي هارون الرشيد سنة ١٩٣ للهجرة، وتولى المأمون الخلافة خرجت هذه الفتنة إلى حيز التطبيق، حتى عظمت واشتد عودها في زمن المعتصم، إلى أن بلغت الواثق بن المعتصم.
لم تكن هذه الفتنة في عهد هارون إلا في مجال الدراسة والمناظرة مع خوف شديد من هارون الرشيد، لذا لم يجرؤ رؤوس الضلال على نشر أفكارهم، فكبتوا مقالاتهم، وكفوا ألسنتهم.
فلما تولى المأمون سابع خلفاء بني العباس وهو تلميذ لأبي الهذيل العلاف المعتزلي، وسعى في نشر الفلسفة، وتوغل الفرس في خلافته، وكانوا له بطانة! فتشبعت نفسه بالاعتزال، وقرب رؤوس الضلال ومنهم: ثمامة بن الأشرس، والجاهل أحمد بن أبي دؤاد، ولم يجرؤ المأمون إذ ذاك على مراغمة الناس لوجود شيخ أهل السنة في زمانه، والذي كان له هيبة ومكانة عند العامة والخاصة: يزيد بن هارون، فلما مات يزيد بن هارون وخرج المأمون إلى طرسوس، وتردت حالته دعاه المشؤوم أحمد بن أبي دؤاد على حمل الناس عليها، وإرغامهم على ذلك! فقبل المأمون وكانت آخر أعماله نعوذ بالله من سوء الختام؛ فكان على هذا الفتنة ثلاثة نفر: أحمد بن أبي دؤاد، النافخ في غير هذه الفتنة، والخادم في بغداد صاحب الشرط إسحاق بن إبراهيم الخزاعي. وتلميذ ثمامة بن الأشرس: عمرو بن بحر بن محبوب البصري الكناني المعتزلي المشهور بالجاحظ.
وكان المأمون يبعث بالرسائل التي يأمر فيها بإحياء هذا المذهب، وهو في طرسوس حتى بلغت خمس رسائل، الأولى فيها دعوة العلماء إلى مراكز
[ ٢٧ ]
الشرط ببغداد وأخذ أقوالهم، ثم بعث الجواب إليه! خاصة من كان من أصحاب المناصب، والذي لم يقل بالخلق يعزل من فوره! والثانية فيها طلب إرسال سبعة من المحدثين إليه، وتحت التهديد أجابوا مكرهين! وغضب عليهم الإمام أحمد وقال: هم أول من ثلم هذه الثلمة! لأنهم أجابوا، وهم عيون البلد، فاجتُرِء على غيرهم.
وبعد الإجابة تغيرت الطريقة، وبدأت شدة اللهجة تظهر في الرسائل، وأن من لم يجب فعقوبته الحبس، وأمر بإحضار علماء بغداد، وامتحانهم على ذلك، فلم يجب أربعة منهم، وهم: أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، وعبيد الله بن عمر القواريري، والحسن بن حماد، ثم أجاب الأخيران بعد تقية، وأصر أحمد ومحمد على الحق وأن كلام الله غير مخلوق! فحبسا وقيدا وحملا على جملين، وبعث بهما إلى المأمون في طرسوس، وكان الإمام أحمد يسأل الله تعالى أن لا يرى المأمون، وقد بلغه أن المأمون يحد سيفه! فمات المأمون وهما في الطريق إليه سنة ٢١٨ للهجرة، فأعيدا إلى بغداد، وفي الطريق توفي محمد بن نوح في مكان اسمه: عانات. فحل قيده وغسله أحمد وصلى عليه، وذهب بأحمد إلى السجن!
ولما أحس المأمون بدنو أجله كانت وصيته لأخيه المعتصم الخليفة بعده، أن يواصل أمر المحنة وحمل الناس عليها!
ولما تولى المعتصم الخلافة كان على النقيض، فلم يكن من أهل العلم والمعرفة إنما كان رجلًا عسكريًا، مرّت به كلمة الكلأ فلم يعرف معناها لا هو ولا وزراؤه فقال:
لا حول ولا قوة إلا بالله: خليفة أميّ، ووزير عاميّ.
وفي عهد المعتصم ضرب الإمام أحمد بالسياط حتى سقط، فإذا أفاق لُعن وسُب وشُتم، وسُحب على وجهه، وخلعت يداه حيث شدتا في خشبتين حتى انخلعتا! وهو مقيد في كل هذه الأحوال بل إنه كان في صيام.
[ ٢٨ ]
وكانت أقوى حجة دامغة عليهم في نقطتين:
هل علم النبي ﷺ وأصحابه أن كلام الله مخلوق.
فإن كان الجواب بنعم، ألم يسعك ما يسعهم؟!
وإن كان الجواب بلا، فمن أنت حتى تؤتى من العلم ما لم يؤت نبينا ﷺ ولا أصحابه؟!
واستمرت هذه الحال ثمانية وعشرين شهرًا، والمعتصم يقول لأحمد: لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك، ويريد أن يخلي سبيله، وابن أبي دؤاد يصرفه عما يريد، ويهول عليه سوء العاقبة إن أطلقه وخلّى سبيله.
ومن عجيب خلق الإمام وسمو نفسه إعلانه العفو عن كل من آذاه، وأنه في حل إلا صاحب بدعة، وجعل المعتصم في حل يوم فتح بابل وعمورية!
ثم توفي المعتصم سنة ٢٢٧ للهجرة وتولى بعده ابنه الواثق فلم يستطع أن يعاود الكرة مرة أخرى لكنه أرسل إلى عامله إسحاق ينهى فيه الإمام أحمد عن مساكنته وليذهب حيث شاء!، وابتلى غير أحمد من الأئمة العلماء، وذبح أحمد بن نصر الخزاعي، وقيل: إنه تاب من هذا القول قبل موته، فلما ولي المتوكل الخلافة رفع الله به المحنة وأظهر السنة، وأفل نجم التجهم والاعتزال، وكتب بذلك إلى الآفاق سنة ٢٣٤ للهجرة وكانت له مع أحمد الأخبار الحسان والتي يظهر فيها إكرام العالم وورع الإمام، وتقدير العالم، وإجلال أهل الديانة والمعروف، حكى ابن الجوزي ﵀ أن الإمام أحمد بن حنبل قيل له أيام المحنة: يا أبا عبد الله! ألا ترى الحق كيف ظهر عليه الباطل؟! فقال: كلا. إن ظهور الباطل على الحق أن تنتقل القلوب من الهدى إلى الضلالة، وقلوبنا بعد لازمة للحق.