لدراسة الحالة السياسية والأحداث التي مرت بها الدول، والتقلبات التي عاشها الناس إبان فترة معينة أعظم الأثر في إدراك طبيعة ظروفهم وبيئتهم، ومن ثم إدراك مدى تأثيرها عليهم، ومدى تأثر الناس بها، أو تحركهم لتغيير الظروف السلبية، والتفاعل معها، والمؤرخون في العصر الحديث، وخاصة من عني بدراسة تاريخ مصر يرون الفترة التي عاشها إمامنا محمد البيومي أبو عياشة ﵀، بين عامي ١٢٦٣ هـ - ١٨٤٧ م و١٣٣٥ هـ - ١٩١٧ م، يرونها فترة ثرية بالأحداث العظيمة، والمواقف التاريخية المؤثرة، ليس على صعيد العالم العربي أو العالم الإسلامي، بل على مستوى العالم أجمع، وما ذلك إلا لمكانة مصر وعلو شأن أهلها وعلمائها، ولاستراتيجية موقعها ومنزلتها في الصورة والواقع، حيث هي من العالم موقع القلب في الجملة، فإلى بيان نبذة تاريخية عن الحالة السياسية في الفترة التي عاصرها إمامنا، وبالله العصمة والتوفيق.
بدأ الغزو الفرنسي لمصر عام ١٧٩٨ ميلادية بقيادة نابليون بونابرت، لتكون مصر نواة للإمبراطورية الفرنسية في الشرق الأوسط، لكن الحملة الفرنسية فشلت في تحقيق أهدافها، بعد المقاومة المشتركة من قبل الخلافة
_________________
(١) لمعرفة المزيد عن الحالة السياسية، انظر: موقع تاريخ مصر الحديث، وذاكرة مصر الحديثة، وموقع مكتبة الإسكندرية، على الشبكة العالمية الإلكترونية.
[ ٥٥ ]
العثمانية والإنجليز والمصريين المماليك، وبعد هروب نابليون إلى باريس سرًا، ومرور ثلاثة أعوام وشهرين على الغزو الفرنسي، أعلنت باريس هزيمتها وانسحابها وعودة جيشها إلى بلاده على ظهور السفن البريطانية، كان ذلك عام ١٨٠١ ميلادية، فتنازع السلطة في مصر آنذاك ثلاثة قوى مختلفة المصالح والمشارب والتوجهات، وكانت قد اتحدت فيما قبل على محاربة الفرنسيين، ثم بدأت كل قوة تعمل على تحقيق أطماعها الخاصة في أرض وادي النيل.
القوة الأولى: هي الخلافة العثمانية التي فتحت مصر قبل ثلاثة قرون، فأرادت أن تبقى مصر كإحدى ولاياتها.
والقوة الثانية: هي إنجلترا التي كانت تطمع في احتلال المواقع الهامة على شواطئ مصر، في البحرين المتوسط والأحمر، لتضمن لنفسها السيادة في البحار في طريقها إلى الهند.
أما القوة الثالثة: فكانت المماليك الذين سبق لهم حكم مصر قبل الفتح العثماني، كما كانت لهم قوة لا يستهان بها إبان الحكم العثماني، وقد تجاهلت هذه القوى الثلاث في تنازعها على السلطة العامل القومي والانتماء الوطني ولم تلق له بالًا، لكن رجلًا واحدًا أدرك مدى تأثير هذا العامل لمن يستعين به، وهو محمد علي قائد الكتيبة الألبانية في الجيش التركي في مصر، فتقرب إلى القوة الوطنية والشعب المصري فأحبه وناصره.
وفي عام ١٨٠٥ ميلادية وصل محمد علي إلى منصب الوالي، ولم يجد الباب العالي في الأستانة أمامه إلا أن يصدر قرارًا بذلك، وبهذا حكم محمد علي وأسرته من بعده مصر حكمًا استمر قرنًا ونصفًا من الزمان، وتتابع على حكم مصر أحد عشر حاكمًا منهم الوالي أو الباشا، ومنهم الخديوي، ومنهم السلطان، ومنهم الملك، وهم على التوالي: