لهذا الكتاب أهمية عظيمة بين الكتب عامة، وبين الكتب الفقهية خاصة، وبين الكتب الحنبلية بوجه أخص.
وذلك لأن الكتاب يعظم قدره وتكبر فائدته ويسمو شرفه بقدر ما فيه من الهدى والعلم والحكمة والبينات، شأنه شأن العلم، إذ تتفاوت العلوم أهمية بتفاوت شأن المعلوم، فكذلك الكتب لأنها خزانات العلوم، وأنفاس العلماء، وأرواحهم يسكبونها في مدادها.
والفقه أهميته كبيرة ومنزلته عظيمة في الدين، ولذلك كان النبي ﷺ يحث ويحض صحابته الكرام على التفقه والتعلم ويقول: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة"، ولما للفقه من مكانة كبيرة ومنزلة سامية عظيمة فقد كان النبي ﷺ يدعو بالفقه لمن يحب ويعلم حرصه على العلم، قال ابن عباس ﵁: دخل النبي ﷺ الخلاء، فوضعت وضوء للنبي ﷺ، فلما خرج قال النبي ﷺ "من وضع هذا؟ "، فقيل: ابن عباس، فقال النبي ﷺ: "اللَّهم فقهه في الدين"، وفي رواية: "اللَّهم علمه الكتاب" (^١). وللفقه أثر عظيم في بيان محاسن الشريعة، وكلها محاسن، ولذلك أثنى النبي ﷺ على الفقهاء الذين يقتدون بالسنة والتوسط والاعتدال
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عبد الله بن عباس، برقم (٢٤٧٧).
[ ٧٣ ]
في قوله: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة" (^١).
ثم إن الكتاب بين الكتب الفقهية المذهبية قيم وجليل، وذلك أن التأليف المذهبي يثري المذهب، وينقح أقوال مجتهديه، ويصحح قواعده، ويطرح الشاذ والضعيف، فكلما استمرت حركة التأليف، استمرت حركة التحقيق والتنقيح والتصحيح، وهذا الخلاف المذهبي ليس من اختلاف التضاد وهو الاختلاف المذموم الممنوع، بل هو من الخلاف المحمود المبني على التنوع، المبني على الاجتهاد الدائر بين الأجر والأجرين، قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ (^٢)، ويقول النبي ﷺ: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد" (^٣)، إذ إن كل إمام نص على أن فتياه ما وافقت الدليل وتابعت السنة، وإن خالف قوله قول رسول الله ﷺ فالقول ما قال رسول الله ﷺ.
ثم إن الكتاب بين أشقائه الكتب الأخرى في المذهب الحنبلي جليل القدر، عظيم النفع، إذ حرص مؤلفه ﵀ على أن يتميز كتابه بمميزات تجعله مرغوبًا مطلوبًا.
وهذه المميزات كثيرة عديدة، وهي:
أولًا: أن المؤلف لخص المذهب وجمع في كتابه الفروع المتناثرة في بوتقة وطاقة واحدة، متناسقة متناسبة مؤتلفة مؤتلقة، جاذبة للمبتدئين وقريبة من المتوسطين وموثقة للمنتهين.
ثانيًا: أنه نقل رأي المتأخرين من محققي المذهب في المسائل والروايات التي اختلف النقل فيها عن الإمام، أو اختلف فيها اجتهاد
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب التغليظ في ترك الجمعة، برقم (٨٦٩).
(٢) (النحل / ٦٩).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، برقم (٦٩١٩).
[ ٧٤ ]
المتقدمين والمتوسطين من الأصحاب، فبذلك صح أن يعتمد هذا الكتاب في حكاية المذهب، كما يعتمد على الروض المربع وكشاف القناع ومنتهى الإرادات والوجيز والغنية والمغني وغيرها من الكتب المعتمدة في حكاية المذهب.
ثالثًا: أن المؤلف اعتمد في كتابه طريقة الجمع بين كتابين، وهو نوع فريد من التأليف، وظاهرة تستحق أن تدرس، ويمعن فيها النظر، حيث حظي المذهب الحنبلي في عصور المتأخرين بالجمع بين الكتب، فمثلًا العلامة أحمد الشويكي، يجمع بين كتابي المقنع لابن قدامة والتنقيح المشبع للمرداوي في كتابه التوضيح، والعلامة العسكري جمع بين المقنع والتنقيح في كتابه التصحيح لكنه لم يتمه، وقيل: إن الشويكي أتم النقص في التوضيح والله أعلم، وجاء ابن النجار الحنبلي فكتب منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات، وجاء عالمنا وجمع بين الروض المربع ونيل المآرب في كتابه العقد المفرد في مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل.
رابعًا: من مزايا هذا الكتاب أنه جمع الفقه كله، من أوله إلى آخره، فلم يكتف بدراسة مسألة أو فصل أو باب أو كتاب، بل جمع كتب الفقه كلها بين دفتي كتابه بأسلوب سهل متجانس قريب، فأصبح مقصدًا للراغبين والمتعلمين.
خامسًا: عناية المؤلف ﵀ بذكر النوادر والغرائب من المسائل، وفي هذا النوع من التأليف عدة فوائد إذا خلا من التكلف والتعمق والتعقيد، وذلك لما فيه من ترويض لعقل الفقيه، وتعويده على السبر والتقسيم والتحليل، ومن ثم تكييف المسألة والحكم عليها، وذكر النوادر والغرائب يبين مدى حرص علماء الدين وحملة الشريعة على استباق الزمان لبيان الأحكام، ووضع الحلول للناس قبل وقوعهم في المشكلات والمعضلات، وبهذا يظهر مدى ملائمة الشريعة لحاجات الناس، وسعتها ومرونتها أعظم من أن يضيق بها الناس، وانظر على سبيل المثال لا الحصر الصفحات التالية: (١٣١/ ١٣٧/ ٥٧٨).
[ ٧٥ ]
سادسًا: تجانس الألفاظ في الجملة، وسبكها وبعدها عن التعقيد والتكلف الذي يحيل المعنى في الجملة، فالكتاب لا يستغني عنه الراغب المبتدي، ولا المحقق المنتهي.
سابعًا: عناية المؤلف ﵀ بذكر مجموعة من القواعد والضوابط والكليات الفقهية، كلما سنحت الفرصة ودعت الحاجة، وشأن هذه القواعد الفقهية أن تجمع المتفرق وتلم المتناثر، وتضم المتجانس وتقرب البعيد، وكلما كثر إيرادها كانت الفائدة أعم، والنفع أكثر، وهي للفقيه دليل أو كالدليل، وانظر على سبيل المثال لا الحصر الصفحات التالية: (١٦٢/ ٤٠٠/ ٤٠٤/ ٤١٥).
ثامنًا: عناية المؤلف ﵀ بذكر دقائق الفروقات الفقهية، بين أنواع العبادات والمعاملات المتشابهة، والعناية بذكر الفروقات تعني رسوخ القدم في العلم، وطول الباع في الفقه، إذ من الفقهاء من تمر عليه الفروقات مرور الكرام، ومنهم من يسبرها ويحللها، وهنا تظهر حدة الفهم ودقة النظر والإحساس المرهف، وانظر على سبيل المثال لا الحصر: (١٣٦/ ١٦٢).
تاسعًا: خصص المؤلف بابًا جامعًا في المعاملات، جمع فيه العقود وأحكامها الفقهية المتشابهة، وشأن هذا الجمع أن يقرب البعيد ويجمع المتفرق، وانظر صفحة: (٣٨٦).
عاشرًا: عناية المؤلف ﵀ بذكر التعليل العقلي والتبرير المنطقي، للحكم الفقهي وهكذا شأن الفقيه، أن يجمع في استدلاله بين صحيح المنقول وصحيح المعقول، فيكون حديثه ورأيه أمضى من حد السيف، وأسطع من شعاع الشمس، وكثيرًا ما عانى الناس من فقيه لا ينظر إلى روح النص ومعناه الشامل، أو فقيه يعتمد الرأي والتحسين والتقبيح العقلي، فيضرب برأيه النصوص، والحق أن يعمل فكره في النص ثم يجمع إليه ما يوافقه من الفقه والرأي الصحيح.
حادي عشر: عناية المؤلف ﵀ بذكر أنواع عديدة من الحيوانات والنباتات والطوائف والأمراض والصنائع والمواضع والمعادن، مما له أثر في
[ ٧٦ ]
الحكم ويختلف باختلافه، مما يدل على عنايته بالجانب الحضاري - كغيره من الفقهاء - الذي يقترب من معايشة واقع الناس، وتلمس حاجاتهم ومعرفتها، وانظر إلماحًا لما ذكر في جميع الحواشي السفلية للبحث تجد حشدًا عظيمًا مما ذكر.
ثاني عشر: يظهر في الكتاب بجلاء عناية المؤلف - رجمه اللهُ - بتعريف المصطلحات الفقهية، إذ عنى الفقهاء بالحدود الفقهية، وشرط الطرد والعكس في التعريف وبيان المحترزات، حيث إنه إذا تصور الحد بشكل صحيح كان الحكم صحيحًا؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وبلغ عدد الحدود التي عرفها المؤلف أكتر من مائتي حد.
ثالث عشر: عناية المؤلف ﵀ بالحصر والعدد، كلما مرت به الشروط والأسباب والأركان والواجبات والنواقض والسنن والمكروهات، وشأن هذه الطريقة النبوية الفريدة أن تجمع الكثير في اللفظ اليسير.
رابعة عشر: عناية المؤلف ﵀ بذكر الأحكام الاعتقادية في أصول الدين، بدءًا من الصغيرة وانتهاءً بالكفر القولي والعملي والاعتقادي، وفي هذا فائدة عظيمة وهي أن الفقهاء لا يهملون جانب الاعتقاد في أصول الدين، بل يرون الدين قولًا وعملًا، وأن العمل يؤثر في القوله، والقول يؤثر في العمل طردًا وعكسًا، وانظر على سبيل المثال لا الحصر الصفحات: (٣٣٦/ ٥٢١/ ٦٩٠).
خامس عشر: عناية المؤلف ﵀ بذكر الأعذار والحالات الطارئة، التي تخالف الحكم المنصوص، وهذا نصف العلم من وجهة نظري، وذلك أن من الأحكام الشرعية ما يخص الأصحاء وكاملي الأهلية، وهذا نصف العلم، ومنها ما يخص ناقصي وفاقدي الأهلية، فمن هذا التقسيم والنسبة، صح أن يكون العلم بالأعذار نصف العلم، وقد وقفت على ما يقرب من (١٩٩) عذرًا ذكرها المؤلف تباعًا أثناء عرضه للمسائل، لعل الله أن يعين على إخراجها في دراسة فقهية مستقلة.
[ ٧٧ ]
سادس عشر: عناية المؤلف ﵀ بذكر تقديم وتوطئة وتمهيد للباب التالي في نهاية الباب السابق، وبهذا تظهر حسن الصناعة الفقهية، والتمكن من التعامل مع الألفاظ والأحكام، وهذا أمر في غاية الحسن والجمال والإبداع، وانظر مثالًا لهذا كما في نهاية كتاب البيع وبداية كتاب الخيار، ونهاية ميراث أهل الملل وبداية ميراث المطلقة.
* * *
[ ٧٨ ]