تزخر مصر بالعديد من الأبنية والمنشآت المتنوعة، من مساجد وقصور وقلاع وحصون وفنادق ومدارس وجامعات ومتاحف وغيرها، لها تاريخ زاخر، وتحتفظ داخلها بذكريات لو تحدث بها ما سكت أبد الدهر، ولو كتب عنها المؤرخون والصحفيون لمَا توقفت أقلامهم، يحكون حكاية الإبداع والجمال.
ولقد ظهرت في حياة المؤلف ﵀ بدايات الثورة والتجديد في عالم البناء، وتغيير نمط البنايات وطراز المسكن، حيث صار يوحي أو يقتبس من الطراز الفرنسي أو الأوروبي على وجه العموم ويقوم بالتصميم والإشراف مهندسون ومختصون أوروبيون جلبوا أو مكثوا في مصر لهذا العمل، ويظهر هذا جليًا مثلًا في جامع محمد علي باشا في قلعة الجبل، وقد فرغ من بنائه عام ١٨٦٠ ميلادية، ويظهر التجديد كذلك في وسط القاهرة بالعمارات الخديوية بشارع عماد الدين، التي يرجع تاريخ إنشائها إلى عام ١٩١١ ميلادية، على يد المعماري أنطونيو لاشاك، وهي من أوائل العمارات المتعددة الأدوار والمهيأة للأغراض السكنية، والتي شيدت في وسط البلد، ويتبع طرازها الأرت نوفو، وتمثل صرحًا لا مثيل له في العمارة المصرية الحديثة آنذاك. ومن ذلك عمارة أسيكيو رازيوني في وسط القاهرة، ومن ذلك أيضًا منزل أحمد عرابي باشا، والذي يعد تحفة معمارية رهيبة، وتحول فيما بعد إلى مستشفى باسم سترانجفورد.
[ ٦٦ ]
أما من ناحية القصور الملكية والرئاسية فقد زخرت مصر بالعديد من القصور الملكية مثل: القصر العالي، قصر نازلي هانم، قصر إبراهيم باشا، قصر محمد علي، قصر النيل، قصر بنها، قصر النزهة، قصر القبة، قصر المغارة، سراي عابدين، سراي الحلمية، سراي الإلهامية، سراي الأزبكية، سراي إبراهيم باشا يكن، وغيرها كثير.
فعلى سبيل المثال نجد قصر القبة وهو من أكبر القصور في مصر، وهو يستخدم حاليًا كمقر لنزول الضيوف الأجانب من رؤساء وغيرهم، وقد بناه الخديوي إسماعيل في أوائل ١٨٠٠ ميلادية، ويبعد عدة كيلومترات شمال وسط القاهرة، وكانت تحيط به الحقول الزراعية والقرى الريفية ثم تحول إلى أحد قصور رئاسة الجمهورية بعد ثورة يوليو ١٩٥٢ ميلادية.
وأيضًا قصر عابدين، وهو من أهم وأشهر القصور التي شيدت خلال حكم أسرة محمد علي باشا لمصر، فقد كان القصر مقرًا للحكم من عام ١٨٧٢ ميلادية، حتى عام ١٩٥٢ ميلادية، وقد شهد خلالها القصر أهم الأحداث التي كان لها دور كبير في تاريخ مصر الحديث والمعاصر.
وكان الخديوي إسماعيل قد أمر ببناء قصر عابدين فور توليه الحكم في مصر عام ١٨٦٣ م، ويرجع اسم القصر إلى "عابدين بك"، أحد القادة العسكريين في عهد محمد علي باشا وكان يمتلك قصرًا صغيرًا في مكان القصر الحالي، فاشتراه إسماعيل من أرملته وهدمه، وضم إليه أراضي واسعة ثم شرع في تشييد هذا القصر العظيم وغيرها من القصور.
أما من حيث المتاحف وقيمتها الفنية، ومدى حرص حكام مصر على إبراز هذا الجانب فيعكسه كثرة وتنوع المتاحف وتعدد اتجاهاتها، حيث تحفل بمصر بالعديد من المتاحف، منها: المتحف المصري، المتحف الحربي، المتحف اليوناني والروماني، متاحف قصر عابدين، متحف الأسلحة، متحف الأوسمة والنياشين، متحف الفن الإسلامي وغيرها.
فالمتحف المصري: أنشأته مصلحة الآثار المصرية عام ١٨٣٥ ميلادية، وأقيم أول متحف لحفظ الآثار المصرية في القاهرة في مبنى صغير في
[ ٦٧ ]
حديقة الأزبكية، ثم نقلت الآثار إلى قلعة صلاح الدين، ثم أهداها الخديوي عباس إلى ولي عهد النمسا عام ١٨٥٥ ميلادية، وفي عام ١٨٥٨ ميلادية أقام "ماريبت" وكان مديرًا لمصلحة الآثار متحفًا آخر صغيرًا على شاطئ النيل في بولاق، ثم نقلت الآثار مرة أخرى إلى الجيزة عام ١٨٩١ ميلادية. بدأ العمل في المتحف الحالي عام ١٨٩٧ ميلادية، وتم افتتاحه عام ١٩٠٢ ميلادية في عهد الخديوي "عباس حلمي الثاني"، وقد صمم بناء المتحف المهندس الفرنسي مارسيل دور نون على الطراز الكلاسيكي المحدث، واستخدمت الخرسانة المسلحة لأول مرة في البناء بمصر.
أما المتحف الحربي: فيعد من المتاحف المصرية المتخصصة، ويأتي في الصدارة بين المتاحف الحربية العالمية، بمقاييس الثراء الشامخ للمجموعات التي يتضمنها، ويرجع تاريخ المبنى إلى عصر محمد علي، ومؤسس المتحف الحربي الملك فؤاد الأول ابن الخديوي إسماعيل.
أما من حيث فنون التمثيل والمسرح والأوبرا، والذي عرف في أكتوبر عام ١٨٤١ ميلادية، واعتبرت الأوبرا القديمة في القاهرة هي الأولى في قارة أفريقيا، واعتبر مسرحها واحدا من أوسع مسارح العالم رقعة واستعدادا وفخامة، وقد لاقت عروض الأوبرا في تلك الفترة نجاحًا علي المستوى الفني، وفي عام ١٨٦٩ أقام الخديوي إسماعيل أول أوبرا في مصر وذلك لاستقبال أمراء أوروبا الذين يشاركون في افتتاح قناة السويس، وأول أوبرا عرضت هي أوبرا عايدة التي ألفها عالم الآثار الفرنسي مريت باشا آنذاك.
[ ٦٨ ]