المقدمة
الحمد لله ذي القدرة القاهرة، والآيات الباهرة، والآلاء الظاهرة، والدلائل الآسرة، والنعم المتواترة، والمنن المتكاثرة، والمنح الفاخرة.
اللَّهم لك الحمد على ما تميت وتحيي، ولك الحمد على ما تأخذ وتعطي، لك الحمد على حلمك بعد علمك، وعلى عفوك بعد قدرتك، لك الحمد كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، لك الحمد أوله وآخره، وظاهره وباطنه، وسره وعلانيته، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء، وخير الأتقياء، وغرة العلماء، وإمام الفقهاء، فصيح الخطباء، نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، تسليمًا كثيرًا.
مولاي لا آوي لغيرك إنه … حُرم الهدى من لم تكن مأواه
مولاي جودك لم يدع لي مطلبًا … إلا وتممه إلى أقصاه
مولاي أنسك لم يدع لي وحشة … إلا محا ظلماءها بسناه
من كان يعرف أنك الحق الذي … بهر العقول فحسبه وكفاه (^١)
ثم أما بعد: فإنها والله لمن أعظم المنن، وأجزل النعم، أن يستعمل الله العبد في طاعته ومرضاته وخدمة دينه.
ولا ريب أن طلب العلم والبحمث عنه في مظانه وعند أهله، وثني الركب عند باذليه، من أكبر أبواب الأجر وسبل الثواب، كيف لا! ومنتهى
_________________
(١) تسبيح ومناجاة وثناء (١٣٢).
[ ١١ ]
هذا الطريق الجنة ورضوان الله تعالى، قال ﷺ: "ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله به طريقًا إلى الجنة" (^١).
ووالله كفى بالعلم شرفًا، ومكانة عالية، ومنزلة سامية، أن الله تعالى جعل أهل العلم هم أخشى الخلق له، وأكثرهم طاعة وخضوعًا وامتثالًا لأوامره، واجتنابًا لزواجره، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٢)، وهذا إمام العلماء، وسيدهم ﷺ يقول مخبرًا عن نفسه: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي" (^٣).
والخير كله فيما أمر الله تعالى نبيه ﷺ بالازدياد منه، والإكثار من أخذه، ألا وهو العلم، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (^٤)، ولو كان ثم شيء خيرًا من هذا لأمر الله تعالى نبيه ﷺ به، ولا يأمر الله تعالى نبيه إلا بالأتم والأكمل والأفضل.
العلم أشرف مطلوب وطالبه … لله أشرف من يمشي على قدم
العلم نور مبين يستضيء به … أهل السعادة والجهال في الظلم
ولما كنت طالبًا في جامعة أم درمان الإسلامية، تلميذًا في معهد بحوث ودراسات العالم الإسلامي، وكان من متطلبات التخرج تقديم بحث في الدراسات الإسلامية.
اخترت أن يكون البحث تحقيقًا لمخطوط "العقد المفرد في فقه الإمام المبجل أحمد بن حنبل" للإمام محمد البيومي بن محمد بن أبي عياشة بن
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر (٢٦٩٩).
(٢) (فاطر: ٢٨).
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الصوم، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب (١١١٠).
(٤) (طه: ١١٤).
[ ١٢ ]
علي بن حسن الهاشمي، المولود عام ١٢٦٣ هـ والمتوفى عام ١٣٣٥ هـ بدمنهور، بمصر.
وكانت أسباب اختياري لهذا الموضوع القيم عديدة، وجديرة بالذكر، منها:
١ - الرغبة في التفقه في دين الله تعالى، ومعرفة حكم وأسرار الشريعة، ولا يكون هذا إلا بدراسة كتاب فقهي معتمد، احتوى جميع الأبواب الفقهية، التي تنظم حياة الفرد والمجتمع، بدءًا بالعبادات والمعاملات، مرورًا بالنكاح والأحوال الشخصية، ثم الجنايات والحدود والقضاء.
٢ - الرغبة في الحصول على الخيرية، ورفعة الدرجة، وعلو المنزلة لقول النبي ﷺ: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (^١).
٣ - الرغبة في خدمة التراث الفقهي الحنبلي، خاصة وأن المتون الحنبلية، المختصرة والميسرة قليلة نسبيًا، مقارنة بالمتون المتوافرة في المذاهب الأخرى.
٤ - الرغبة في خدمة تراث المؤلف، وإبرازه وإظهاره بصورة تجعله متداولًا، سهلًا قريبًا ميسورًا متوافرًا بين يدي الراغبين والباحثين، وذلك أن كثيرًا من تراث المؤلف ﵀ لم ينشر أو يطبع، وهو من المكثرين، فلا شك أن دراسة كتابه يعتبر بحق إضافة جيدة وجديدة للمكتبة الإسلامية وإثراءً لها.
٥ - خدمة مذهب من أقوم المذاهب وأعدلها، ومن أشدها تمسكًا بالأثر في الجملة، وقد قيل: "أحمد مذهب، مذهب أحمد"، وقيل: "مذهب أحمد، مذهب أحمد".
وأحب هنا أن أرقم وأدوِّن بعض المصاعب التي واجهتني خلال بحثي، وهي عديدة، أذكر منها:
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" برقم (٧١)، ومسلم، كتاب الإمارة باب قوله ﷺ: "لا تزال طائفة … " برقم (١٠٣٧).
[ ١٣ ]
أولًا: ضعف الحصيلة العلمية والبضاعة المزجاة، التي ينوء بها ظهر راقم هذه السطور، حيث إن بحثًا في الدراسات العليا ينبغي لصاحبه أن يكون على درجة عالية من معرفة أمهات كتب كل فن، مطلعا عليها ومتمرسًا في قراءتها، مما يسهل عليه الوصول للمعلومة واستخراجها من مظانها، وفهم كلام العلماء على وجهه، وغير هذا مما لا أدركه.
ثانيًا: كثرة التنقل والترحال الذي أمرت به بعد الموافقة على موضوع الأطروحة، فأجزاء كثيرة من البحث كتبت في أماكن متعددة، منها ما كتب في جدة بلد المنشأ، ومنها ما كتب في مكة المكرمة، ومنها في المدينة المنورة، ومنها في الطائف، ومنها في الرياض، ومنها في القاهرة، ومنها في الدار البيضاء، ومنها كثير في أكرا، فكان هذا البحث أنيسي وجليسي في أوقات الحضر والسفر، في ردهات المطارات، وعلى كرسي الطائرة. ثالثًا: ظهر أثر التنقل الدائم في صعوبة العثور على المراجع كل حين، مما اضطرني إلى الاستعانة بالشبكة العالمية الإلكترونية مرات عدة.
رابعًا: صعوبة قراءة بعض المفردات التي كتبها المؤلف، حيث أظنه كتب كتابه بالريشة الخشبية والحبر الصيني، وذلك يظهر في عرض الخط وتداخل الأحرف.
خامسًا: صعوبة العثور على ترجمة أكثر اتساعًا ووفاء لحق الشيخ البيومي، أبو عياشة، فلطالما راجعت المكتبة المركزية كرات ومرات، ورجعت بخفي حنين، لقلة من تحدث أو ترجم له.
سادسًا: إغلاق بعض العبارات التي ساقها المؤلف؛ لأنه يجمع بين عباراتي كتابين، مما يجعل عبارته غير مفهومة لأول وهلة.
[ ١٤ ]
خطة البحث
وتشتمل الرسالة على فصلين:
• الفصل الأول: قسم الدراسة، ويتفرع منه أربعة مباحث:
• المبحث الأول: التعريف بالإمام أحمد ﵀ وبمذهبه الفقهي، ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: التعريف بالإمام أحمد بن حنبل ﵀، ويشتمل على سبعة فروع:
الفرع الأول: اسم الإمام ونسبه ﵀.
الفرع الثاني: ولادة الإمام ونشأته ﵀.
الفرع الثالث: رحلات الإمام وطلبه للعلم ﵀.
الفرع الرابع: مؤلفات الإمام ﵀.
الفرع الخامس: شيوخ الإمام وتلامذته ﵀.
الفرع السادس: محنة الإمام ﵀.
الفرع السابع: وفاة الإمام ﵀.
المطلب الثاني: التعريف بمذهب الإمام أحمد ﵀، ويشتمل على ستة فروع:
الفرع الأول: المراد بالمذهب.
[ ١٥ ]
الفرع الثاني: أطوار المذهب.
الفرع الثالث: أصول المذهب.
الفرع الرابع: مميزات المذهب.
الفرع الخامس: مصطلحات الفقه الحنبلي.
الفرع السادس: كتب المذهب المعتمدة.
• المبحث الثاني: التعريف بالمؤلف ﵀، ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: ذكر نبذة عن حياته الشخصية، ويشتمل على ثلاثة فروع:
الفرع الأول: اسمه ونسبه ﵀.
الفرع الثاني: مولده ﵀ زمانًا ومكانًا.
الفرع الثالث: مناقب أسرته ﵀.
المطلب الثاني: مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه ﵀.
المطلب الثالث: حياته العملية وأعماله ومؤلفاته.
المبحث الثالث: دراسة عصر المؤلف، ويشتمل على أربعة مطالب:
المطلب الأول: الحالة السياسية لعصر المؤلف.
المطلب الثاني: الحالة الثقافية والتعليمية لعصر المؤلف.
المطلب الثالث: الحالة الاقتصادية لعصر المؤلف.
المطلب الرابع: الحالة الحضارية والفنية في عصر المؤلف.
المبحث الرابع: التعريف بالكتاب، وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: توثيق الكتاب.
المطلب الثاني: أهمية الكتاب.
[ ١٦ ]
المطلب الثالث: مصطلحات الكتاب.
المطلب الرابع: منهج الكتاب.
المطلب الخامس: مصادر الكتاب.
المطلب السادس: تقييم الكتاب.
• الفصل الثاني: قسم التحقيق، ويتفرع منه أربعة مباحث:
المبحث الأول: وصف نسخ المخطوط.
المبحث الثاني: منهج التحقيق وبيان مفرداته.
المبحث الثالث: تحقيق المخطوط.
المبحث الرابع: الفهارس.
[ ١٧ ]