نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَتَّزِرُ وَيُصَلِّي قَائِمًا، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَكْفِ. وَقَالَ الْقَاضِي يُصَلِّي فِيهِ جَالِسًا، وَيَسْتُرُ مَنْكِبَيْهِ "خ". وَسَتْرُ الْفَرْجَيْنِ مُقَدَّمٌ، فَإِنْ عَجَزَ فَعَنْهُ الدُّبُرُ أَوْلَى، وَقِيلَ الْقُبُلُ، وَقِيلَ بِالتَّسَاوِي، وَقِيلَ أَكْثَرُهُمَا سَتْرًا "م ٧".
وَيَجِبُ سَتْرُ دُونَ الرُّبْعِ "هـ" بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ لَهُ حُكْمَ الْكُلِّ لَا لِمَا دُونَهُ وَإِنْ أُعِيرَ سُتْرَةً لَزِمَهُ قَبُولُهَا "و" وَقِيلَ لَا، كَالْهِبَةِ في الأصح، و١ يلزمه تَحْصِيلُهَا بِقِيمَةِ الْمِثْلِ "هـ" فِي الزِّيَادَةِ كَمَاءِ الوضوء.
ــ
[تصحيح الفروع للمرداوي]
وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: يُقَرِّبُ أَعْضَاءَهُ مِنْ السُّجُودِ بِحَيْثُ لَوْ زَادَ شَيْئًا لَمَسَّتْهُ النَّجَاسَةُ، وَيَجْلِسُ عَلَى رَجُلَيْهِ، وَلَا يَضَعُ عَلَى الْأَرْضِ غَيْرَهُمَا. انْتَهَى. وَإِنْ كَانَتْ رَطْبَةً أَوْمَأَ غَايَةَ مَا يُمْكِنُهُ، وَجَلَسَ عَلَى قَدَمَيْهِ قَوْلًا وَاحِدًا، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي٢، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي الصورتين، والفرق ظاهر، والله أعلم.
مَسْأَلَةٌ- ٧: قَوْلُهُ: وَسَتْرُ الْفَرْجَيْنِ مُقَدَّمٌ، فَإِنْ عَجَزَ فَعَنْهُ الدُّبُرُ أَوْلَى، وَعَنْهُ الْقُبُلُ، وَقِيلَ بِالتَّسَاوِي، وَقِيلَ أَكْثَرُهُمَا سَتْرًا، انْتَهَى.
إحْدَاهُمَا: سَتْرُ الدُّبُرِ أَوْلَى، وَهُوَ الصَّحِيحُ، صَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ، قَالَ الْمَجْدُ: هَذَا الصَّحِيحُ عِنْدَنَا، قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: سَتْرُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهَادِي، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْوَجِيزِ والمنور
_________________
(١) ١ في "ط": هـ في. ٢ ١/٢٣٧.
[ ٢ / ٥٢ ]
وإن عدم صلى جالسا ندبا "وهـ" وقيل: وجوبا يُومِئُ، وَعَنْهُ يَسْجُدُ وَلَا يَتَرَبَّعُ هُنَا، بَلْ يَتَضَامُّ، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ وَالْمَيْمُونِيُّ. وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ يَتَرَبَّعُ، وَعَنْهُ تَلْزَمُهُ قَائِمًا وَيَسْجُدُ بِالْأَرْضِ "وم ش" اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَقِيلَ يُومِئُ، وَقِيلَ يُعِيدُ عَارٍ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ إنْ تَوَارَى بَعْضُ الْعُرَاةِ عَنْ بَعْضٍ فَصَلَّوْا قِيَامًا فَلَا بَأْسَ، قَالَ الْقَاضِي ظَاهِرُهُ لَا يُكْرَهُ الْقِيَامُ خَلْوَةً، وَنَقَلَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُصَلُّوا قُعُودًا، فَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَلْوَةِ وَغَيْرِهَا، قَالَ وَهُوَ الْمَذْهَبُ١.
وَإِنْ وَجَدَهَا فِي الصَّلَاةِ قَرِيبَةً عُرْفًا بَنَى "هـ م و" وَإِلَّا ابْتَدَأَ، وَقِيلَ:
بِالْبِنَاءِ وَعَدَمِهِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ إنْ انْتَظَرَ مَنْ يُنَاوِلُهَا له لم تبطل، لأن الانتظار
ــ
[تصحيح الفروع للمرداوي]
وَمُنْتَخَبِ الْآدَمِيِّ وَغَيْرُهُمْ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُقْنِعِ٢ وَالْمُحَرَّرِ وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالشَّرْحِ٢ وَشَرْحِ ابْنِ عُبَيْدَانَ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفَائِقِ وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ وَغَيْرُهُمْ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: سَتْرُ الْقُبُلِ أَوْلَى، حَكَاهَا غَيْرُ وَاحِدٍ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْمُقْنِعِ٢ وَغَيْرِهِ، قُلْت وَالنَّفْسُ تَمِيلُ إلَيْهِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُصُولِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي٣، وَقِيلَ: بِالتَّسَاوِي، قَالَ فِي الْعُمْدَةِ وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ: فَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمَا سُتِرَ أَحَدُهُمَا وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي التَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ، وَقِيلَ سَتْرُ أَكْثَرِهِمَا أَوْلَى، وَاخْتَارَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، قُلْت: لَوْ قِيلَ بِالْوُجُوبِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَكَانَ مُتَّجِهًا وَإِنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي غير هذه الصورة لكان له وجه.
_________________
(١) ١ بعدها في الأصل و"ب" و"ط": وقيل: يومئ وقيل: يعيد عار. ٢ المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف ٣/٢٣٤. ٣ ١/٢٤٧.
[ ٢ / ٥٣ ]
وَاحِدٌ، كَانْتِظَارِ الْمَسْبُوقِ، وَكَذَا الْمُعْتَقَةُ فِيهَا، وَإِنْ جَهِلَتْ الْعِتْقَ، أَوْ وُجُوبَ السِّتْرِ، أَوْ الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ أَعَادَتْ، كَخِيَارِ مُعْتَقَةٍ تَحْتَ عَبْدٍ، ذَكَره القاضي وغيره.
ويصلي الْعُرَاةُ جَمَاعَةً وُجُوبًا لَا فُرَادَى، "هـ م" فِي غَيْرِ ظُلْمَةٍ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ جُلُوسًا وُجُوبًا "هـ" إنَّ فِي مُنْفَرِدٍ رِوَايَتَيْنِ، وَإِمَامُهُمْ وَسَطًا، لَا مُتَقَدِّمًا "هـ م" وَقِيلَ يَجُوزُ.
وَيُصَلِّي كُلُّ نَوْعٍ وَحْدَهُ، لِأَنَّهَا إنْ وَقَفَتْ خَلْفَهُ شَاهَدَتْ الْعَوْرَةَ وَمَعَهُ
_________________
(١) [تصحيح الفروع للمرداوي] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٥٤ ]
خِلَافٌ لِسُنَّةِ الْمَوْقِفِ، وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى الْفِتْنَةِ، وَيَأْتِي كَلَامُ الْقَاضِي فِي الْعُرْيَان يَؤُمُّ امْرَأَةً، فَإِنْ شَقَّ صَلَّى نَوْعٌ، وَاسْتَدْبَرَهُ الْآخَرُ، ثُمَّ الْعَكْسُ.
وَمَنْ صَلَّى عُرْيَانًا وَأَعَارَ سُتْرَتَهُ لَمْ تَصِحَّ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعِيرَ إذَا صَلَّى، وَيُصَلِّي بِهَا وَاحِدٌ وَاحِدٌ، وَهَلْ يَلْزَمُ انْتِظَارُهَا وَلَوْ خرج الوقت "وش" أَمْ لَا، كَالْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ بَعْدَهُ؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ "م ٨".
وَجَعَلَ الشَّيْخُ وَاجِدَ الْمَاءِ أَصْلًا لِلُّزُومِ، كَذَا قَالَ، وَلَا فَرْقَ، وَأَطْلَقَ أَحْمَدُ فِي مَسْأَلَةِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ بَعْدَهُ الِانْتِظَارَ، وَحَمَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى اتِّسَاعِ الْوَقْتِ، وَالْأَصَحُّ يُقَدَّمُ إمَامٌ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ.
وَالْمَرْأَةُ أَوْلَى، وَيُصَلِّي بِهَا عَارٍ، ثُمَّ يُكَفَّنُ مَيِّتٌ، وَقِيلَ: يقدم هو.
ــ
[تصحيح الفروع للمرداوي]
مَسْأَلَةٌ ٨" قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ لَهُ سُتْرَةٌ أَنْ يُعِيرَ غَيْرَهُ إذَا صَلَّى بِهَا، وَيُصَلِّي بِهَا وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، وَهَلْ يَلْزَمُ انْتِظَارُهَا وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ أَمْ لَا، كَالْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ بَعْدَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، انْتَهَى:
أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُ انْتِظَارُهَا، بَلْ يُصَلِّي عُرْيَانًا فِي الْوَقْتِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي١، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي٢ وَالشَّرْحِ٣ وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ وَشَرْحِ ابْنِ عُبَيْدَانَ وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ: وَإِنْ بُذِلَتْ لِلْعُرَاةِ سُتْرَةٌ صَلَّى بِهَا وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، زَادَ فِي الْكُبْرَى وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ، ثُمَّ قَالَا: وَيُقَدَّمُ الْإِمَامُ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، انْتَهَى، وَلَعَلَّ هَذَا مفيد للوجهين
_________________
(١) ١ ١/٢٤٩. ٢ ٢/٣٢٢. ٣ المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف ٣/٢٤٥.
[ ٢ / ٥٥ ]
وَيُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ السَّدْلُ "م" وَعَنْهُ: إنْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ ثَوْبٌ، أَوْ إزَارٌ، وَعَنْهُ: يُعِيدُ "خ" وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ١ عَنْ أَحْمَدَ: لَا يُكْرَهُ، وَهُوَ: طَرْحُ ثَوْبٍ عَلَى كَتِفَيْهِ لَا يَرُدُّ طَرَفَهُ عَلَى كَتِفِهِ الْآخَرِ، وَنَقَلَ صَالِحٌ طرحه عَلَى أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَرُدَّ طَرَفَيْهِ عَلَى الْآخَرِ، وَعَنْهُ وَلَا يَضُمُّ طَرَفَيْهِ بِيَدِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ يُرْخِي ثَوْبَهُ عَلَى عَاتِقِهِ، ثُمَّ لَا يَمَسُّهُ، وَقِيلَ هُوَ إسْبَالُ الثَّوْبِ عَلَى الْأَرْضِ، وَقِيلَ: وَضْعُ وَسَطِ الرِّدَاءِ عَلَى رَأْسِهِ وَإِرْسَالِهِ مِنْ وَرَائِهِ عَلَى ظَهْرِهِ، وَهِيَ لُبْسَةُ الْيَهُودِ، وَقِيلَ: وَضْعُهُ عَلَى عُنُقِهِ وَلَمْ يَرُدَّهُ عَلَى كَتِفَيْهِ.
وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي كَرَاهَةِ السَّدْلِ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، وَظَاهِرُ قَوْلِنَا: لَا يُكْرَهُ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ لِبْسَةُ الْيَهُودِ، أَوْ أنه إسبال الثوب على الأرض فالخلاف.
ــ
[تصحيح الفروع للمرداوي]
اللَّذَيْنِ أَطْلَقَهُمَا، فَيَكُونُ قَدْ صَحَّحَ الْمَذْهَبَ كَمَا قُلْنَاهُ أَوَّلًا وَكَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْأَصَحُّ يُقَدَّمُ إمَامٌ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْكُبْرَى أَيْضًا فَإِنْ أَعَادَهَا لَهُمْ صَلَّى بِهَا وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ صَلَّى بِهَا وَاحِدٌ، قُلْت إنْ عَيَّنَهُ، "رَبّهَا" وَإِلَّا اقْتَرَعُوا إنْ تَشَاحُّوا، انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمُغْنِي٢ وَالشَّرْحِ٣ أَيْضًا وَإِنْ صَلَّى صَاحِبُ الثَّوْبِ وَقَدْ بَقِيَ وَقْتُ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُعِيرَهُ لِمَنْ يَصْلُحُ لِإِمَامَتِهِمْ، وَإِنْ أَعَارَهُ لِغَيْرِهِ جَازَ، وَصَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ صَاحِبِ الثَّوْبِ، انْتَهَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَلْزَمُ انْتِظَارُهَا وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ، وَذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي٢ احْتِمَالًا وَقَالَ: هَذَا ليس عندي.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ فِي السَّدْلِ: وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَبِسَهُ الْيَهُودُ وَأَنَّهُ إسْبَالُ الثَّوْبِ عَلَى الْأَرْضِ
_________________
(١) ١ في سننه عقب حديث ٣٧٨. ٢ ٢/٣٢٢. ٣ المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف ٣/٢٤٥.
[ ٢ / ٥٦ ]
وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى: أَنَا أَكْرَهُ السَّدْلَ، وَالنَّهْيُ فِيهِ صَحِيحٌ عَنْ عَلِيٍّ١.
وَخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَقَلَ مُهَنَّا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ لَمْ يُضَعِّفْهُ أَحْمَدُ.٢ وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ كَانُوا يَكْرَهُونَ السَّدْلَ فِي الصَّلَاةِ، وَأَطْلَقَ ابْنُ عَقِيلٍ كَرَاهَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَلِأَنَّ مَا نُهِيَ عَنْهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَفِي الصَّلَاةِ أَشَدُّ.
وَاشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ "م" وَهُوَ اضْطِبَاعُهُ بِثَوْبٍ، وَعَنْهُ: وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَعَنْهُ يُعِيدُ "خ" وَقِيلَ: يَلْتَفُّ بِثَوْبٍ يَرُدُّ طَرَفَيْهِ إلَى أَحَدِ جَانِبَيْهِ وَلَا يُبْقَى لِيَدَيْهِ مَا تَخْرُجُ مِنْهُ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ٣: وَهُمْ أَعْلَمُ بِالتَّأْوِيلِ.
وَيُكْرَهُ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ وَالتَّلَثُّمُ عَلَى الْفَمِ، وَلَفُّ الْكُمِّ بِلَا سَبَبٍ وَعَنْهُ لَا، وفي التلثم على الأنف روايتان "م ٩".
ــ
[تصحيح الفروع للمرداوي]
فَالْخِلَافُ، يَعْنِي: الْخِلَافَ الَّذِي فِي التَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ، وَالْخِلَافُ الَّذِي فِي إسْبَالِ الثَّوْبِ عَلَى الْأَرْضِ، وقد ذكر حكمهما المصنف.
مَسْأَلَةٌ ٩: قَوْلُهُ: "وَيُكْرَهُ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ وَالتَّلَثُّمُ عَلَى الْفَمِ وَلَفُّ الْكُمِّ بِلَا سَبَبٍ وَعَنْهُ لَا وَفِي التَّلَثُّمِ عَلَى الْأَنْفِ رِوَايَتَانِ" انْتَهَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ والخلاصة والتلخيص والبلغة وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَالْحَاوِيَيْنِ والفائق وغيرهم:
_________________
(١) ١ أخرج عبد الرزاق في "مصنفه" ١٤٢٣ والبيهقي في "السنن الكبرى" ٢/٢٤٣ عن علي ﵁ أنه أخرج فرأى قوما يصلون قد سدلوا ثيابهم فقال: كأنهم اليهود خرجوا من فهرهم. والفهر: مدارس اليهود تجتمع إليه في عيدهم. "القاموس": الفهر. ٢ أخرج أبو داود ٦٤٣ وأحمد ٧٩٣٤ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهى عن السدل في الصلاة. ٣ في "ط": أبو عبيدة والصواب ما أثبت وهو: أبو عبيد القاسم بن سلام بن عبد الله. من مصنفاته: كتاب "الأموال"، و"الغريب" و"الناسخ والمنسوخ" وغيرها. "ت٢٢٤هـ" السير ١٠/٤٩٠.
[ ٢ / ٥٧ ]
وشد وسطه بما يشبه الزُّنَّارَ١. نَصَّ عَلَيْهِ وَعَنْهُ لَا، زَادَ بَعْضُهُمْ: إلَّا أَنْ يَشُدَّهُ لِعَمَلِ الدُّنْيَا فَيُكْرَهُ، نَقَلَهُ ابْنُ إبْرَاهِيمُ، وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ الْمِنْطَقَةُ، زَادَ بَعْضُهُمْ وَفِي غَيْرِ صَلَاةٍ، وَنَقَلَ حَرْبٌ يُكْرَهُ شَدُّ وَسَطِهِ عَلَى الْقَمِيصِ، لِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ الْيَهُودِ، وَلَا بَأْسَ بِهِ عَلَى الْقَبَاءِ، قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهُ مِنْ عَادَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَرَاهَةُ شَدِّ وَسَطِهِ بِمَا يُشْبِهُ الزُّنَّارَ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ، ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ يُكْرَهُ التَّشَبُّهُ بِالنَّصَارَى فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَسَبَقَ فِي الْمَسْحِ٢، وَيَأْتِي فِي آخَرِ الْبَابِ تَحْرِيمُهُ٣، وَفِي الْوَلِيمَةِ٤ فِي الْأَقْوَالِ ثَلَاثَةٌ فِي كُلٍّ تُشْبِهُ، لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ إلَّا بِمَا يَتَمَيَّزُونَ به من اللباس
ــ
[تصحيح الفروع للمرداوي]
إحْدَاهُمَا: يُكْرَهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، قَالَ فِي الْفُصُولِ: يُكْرَهُ التَّلَثُّمُ عَلَى الْأَنْفِ عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي٥ وَالْمُقْنِعِ٦ وَالْهَادِي وَالنَّظْمِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمْ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ٦.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُكْرَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَسْأَلَةَ فِي الْكَافِي.
_________________
(١) ١ الزنار: حزام يشده النصراني على وسطه. "المعجم الوسيط": "زنر". ٢ ١/٢٠٢. ٣ ص ٨٥. ٤ ٨/٣٣٠. ٥ ٢/٢٩٩. ٦ المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف ٣/٢٥٠.
[ ٢ / ٥٨ ]
وَلَا يُكْرَهُ بِمَا لَا يُشْبِهُ، زَادَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ بَلْ يُسْتَحَبُّ، نَصَّ عَلَيْهِ لِلْخَبَرِ١، لِأَنَّهُ أَسْتُرُ لِعَوْرَتِهِ، وَلَمَّا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الصَّمَّاءِ لَمْ يُقَيِّدُهُ بِالصَّلَاةِ، وَقَرَنَهُ بِالِاحْتِبَاءِ٢، فَظَاهِرُ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ.
وَيَجُوزُ الِاحْتِبَاءُ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَعَنْهُ الْمَنْعُ، وَيَحْرُمُ مع كشف عورة.
ويحرم في الْأَصَحِّ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، بَلْ كَبِيرَةٌ عَلَى مَا يَأْتِي٣ مِنْ نَصِّهِ إسْبَالُ ثِيَابِهِ خيلاء في غير حرب بلا حاجة، نحو كَوْنِهِ خَمْشَ السَّاقَيْنِ، وَالْمُرَادُ: وَلَمْ يُرِدْ التَّدْلِيسُ عَلَى النِّسَاءِ، وَيُتَوَجَّهُ هَذَا فِي قَصِيرَةٍ اتَّخَذَتْ رجلين من خشب فلم تعرف.
ــ
[تصحيح الفروع للمرداوي]
تنبيه: قوله: "وَيَحْرُمُ فِي الْأَصَحِّ إسْبَالُ ثِيَابِهِ خُيَلَاءَ فِي غير حرب بلا حاجة نحو كونه خمش السَّاقَيْنِ" انْتَهَى. الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَحْرُمُ فِعْلُهُ خُيَلَاء، وَلَوْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ إلَى الْإِسْبَالِ، فَقَوْلُهُ بِلَا حَاجَةٍ نَحْوَ كَوْنِهِ خَمْشَ السَّاقَيْنِ يُعْطِي أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمُبَاحُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْإِسْبَالُ فَقَطْ، لَا الْإِسْبَالُ مَعَ الْخُيَلَاءِ، وَلَعَلَّ التَّمْثِيلَ عَائِدٌ إلَى الْإِسْبَالِ فَقَطْ، فَيَزُولَ الْإِشْكَالُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) ١ وهو حديث أبي هريرة الذي سيورده ابن قندس لاحقا. ٢ أخرج البخاري ٣٦٧ عن أبي سعيد الخدري أنه قال: مهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ اشتمال الصماء وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شئ وأخرجه مسلم ٢٠٩٩ من حديث جابر. ٣ في الصفحة التالية.
[ ٢ / ٥٩ ]
وَيُكْرَهُ فَوْقَ نِصْفِ سَاقَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَيْضًا: يُشْهِرُ نَفْسَهُ، وَيُكْرَهُ عَلَى الْأَصَحِّ تَحْتَ كَعْبَيْهِ بِلَا حَاجَةٍ، وَعَنْهُ مَا تَحْتَهُمَا فِي النَّارِ وَذَكَرَ صَاحِبُ النَّظْمِ مَنْ لَمْ يَخَفْ خُيَلَاءَ لَمْ يُكْرَهُ، وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ.
وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ إلَى ذِرَاعٍ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: ذَيْلُ نِسَاءِ الْمُدُنِ فِي الْبَيْتِ كَرَجُلٍ.
قَالَ جَمَاعَةٌ: وَيُسَنُّ تَطْوِيلُ كُمِّ الرَّجُلِ إلَى رُءُوسِ أَصَابِعِهِ، أَوْ أَكْثَرَ يَسِيرًا وَتَوْسِيعُهَا قَصْدًا "م ١٠"، وَقَصْرُ كُمِّهَا، وَاخْتَلَفَ كلامهم في سعته قصدا.
_________________
(١) [تصحيح الفروع للمرداوي] مَسْأَلَةٌ ١٠: قَوْلُهُ: "وَيُسَنُّ تَطْوِيلُ كُمِّ الرَّجُلِ إلَى رُءُوسِ أَصَابِعِهِ أَوْ أَكْثَرَ يَسِيرًا، وَتَوْسِيعُهَا قَصْدًا، وَقَصْرُ كُمِّهَا، وَاخْتَلَفَ كَلَامُهُمْ فِي سَعَتِهِ قَصْدًا" انْتَهَى، يَعْنِي لِلْمَرْأَةِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَتَوْسِيعُ الْكُمِّ مِنْ غَيْرِ إفْرَاطٍ حَسَنٌ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَبِخِلَافِ الرِّجَالِ. وَقَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى وَالْوُسْطَى وَيُسَنُّ سَعَةُ كُمِّ قَمِيصِ الْمَرْأَةِ يَسِيرًا، وَقَصْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ حَمَدٍ: إنْ قُلْت دُونَ رُءُوسِ أَصَابِعِهَا، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَتَوْسِيعُ كم المرأة قصدا حسن.
[ ٢ / ٦٠ ]
وَكَرِهَ أَحْمَدُ الزِّيقَ١ الْعَرِيضَ لِلرَّجُلِ، وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيهِ لِلْمَرْأَةِ "م ١١"، قَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا كَرِهَهُ لِإِفْضَائِهِ إلَى الشُّهْرَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: "٢إنَّمَا كَرِهَ الْإِفْرَاطَ جَمْعًا بَيْنَ قَوْلَيْهِ٢". قَالَ أَحْمَدُ فِي الدُّرَّاعَةِ: الْفُرَجُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا قَدْ سَمِعْتُ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ خَلْفِهَا إلَّا أَنَّ فِيهِ سعة عند الركوب، ومنفعة.
وَيُكْرَهُ إنْ وَصَفَ الْبَشَرَةَ لِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ حَيٍّ وَمَيِّتٍ نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ: لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ، وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ لَا يُكْرَهُ لِمَنْ لَمْ يَرَهَا إلَّا زَوْجٌ وَسَيِّدٌ، وَذَكَرَ أَيْضًا أَبُو الْمَعَالِي وَإِنْ وَصَفَ اللِّينَ وَالْخُشُونَةَ وَالْحَجْمَ كُرِهَ لِلنِّسَاءِ فَقَطْ.
وَكَرِهَ أَحْمَدُ وَالْأَصْحَابُ: زِيَّ الْأَعَاجِمِ كَعِمَامَةٍ صَمَّاءَ، وَكَنَعْلِ صِرَّارَةٍ٣ لِلزِّينَةِ لَا لِلْوُضُوءِ وَنَحْوُهُ.
وَيُكْرَهُ شُهْرَةٌ وَخِلَافُ زِيِّ بَلَدِهِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ وَنَصُّهُ لَا، قَالَ شَيْخُنَا: يَحْرُمُ شُهْرَةٌ وَهُوَ مَا يَقْصِدُ بِهِ الِارْتِفَاعَ، وإظهار التواضع، كما كان السلف
ــ
[تصحيح الفروع للمرداوي]
مَسْأَلَةٌ ١١: قَوْلُهُ: وَكَرِهَ أَحْمَدُ الزِّيقَ الْعَرِيضَ لِلرَّجُلِ، وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيهِ لِلْمَرْأَةِ، انْتَهَى.
أَحَدُهُمَا لَا يُكْرَهُ، قُلْت وَهُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ كَلَامِ النَّاظِمِ فِي آدَابِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُكْرَهْ ذَلِكَ إلَّا لِلرَّجُلِ. وَقَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى قَالَ الْمَرُّوذِيُّ سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُخَاطُ لِلنِّسَاءِ هَذِهِ الزِّيقَاتُ الْعِرَاضُ؟ فَقَالَ إنْ كَانَ شَيْءٌ عَرِيضٌ أَكْرَهُهُ، هُوَ مُحْدَثٌ، وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ وَسَطٌ لَمْ نَرَ بِهِ بَأْسًا، انْتَهَى، وَاقْتَصَرَ عليه، والرواية الثانية: يكره كالرجل.
_________________
(١) ١ الزيق: مايكف به جيب القميص. "المعجم الوسيط": زيق. ٢ ليست في "ب". ٣ صر صريرا: صوت. "المعجم الوسيط": صرر.
[ ٢ / ٦١ ]
يكرهون الشهرة من اللباس الْمُرْتَفِعِ، وَالْمُنْخَفِضِ وَلِهَذَا فِي الْخَبَرِ "مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ" ١. فَعَاقَبَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ يُكْرَهُ، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّ هَذَا مِنْ الرِّيَاءِ.
وَقَدْ كَرِهَ أَحْمَدُ الْكِلَّةَ: وَهِيَ قُبَّةٌ لَهَا بَكْرَةٌ تُجْرِيهَا، وَقَالَ: هِيَ مِنْ الرِّيَاءِ لَا تَرُدُّ حَرًّا، وَلَا بَرْدًا.
وَكَرِهَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُلُوسَ مُتَرَبِّعًا عَلَى وَجْهِ التَّكَبُّرِ وَالتَّجَبُّرِ.
وَيُسَنُّ غَسْلُهُ مِنْ عَرَقٍ وَوَسَخٍ، قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيُّ وَغَيْرِهِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَمَا يَجِدُ هَذَا مَا يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ" وَرَأَى رَجُلًا شَعِثًا فَقَالَ: "أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يُسَكِّنُ بِهِ رَأْسَهُ". وهذا الخبر رواه أحمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ٢، وَاحْتَجَّ الْقَاضِي بِمَا رَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ عُمَرَ "مِنْ مُرُوءَةِ الرَّجُلِ نَقَاءُ ثَوْبِهِ" ٣. وَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ. وَقَالَ: يَنْبَغِي غَسْلُهُ، فَيُتَوَجَّهُ مِنْ تَعْلِيلِهِ الْوُجُوبُ، وَفِي "يَنْبَغِي" الْخِلَافُ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ما يروى عن عمر: "ألا يتجمل
ــ
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود ٤٠٣٠ والنسائي في الكبرى وابن ماجه ٣٦٠٦ من حديث ابن عمر. ٢ أحمد ١٤٨٥٠ وأبو داود ٤٠٦٢ والنسائي في المجتبى ٨/١٣٨-١٨٤. ٣ رواه الطبري في "الكبير" من حديث ابن عمر بلفظ: "من كرامة المؤمن على الله نقاء ثوبه" وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/٢٣١.
[ ٢ / ٦٢ ]
أَحَدُكُمْ لِامْرَأَتِهِ كَمَا تَتَجَمَّلُ لَهُ" قِيلَ لِأَحْمَدَ: يُؤْجَرُ فِي تَرْكِ الشَّهَوَاتِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَمُرَادُهُ لَا أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهَا مُطْلَقًا، قَالَ شَيْخُنَا: مَنْ فَعَلَ هَذَا فَجَاهِلٌ ضَالٌّ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ١ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: أَنَّهُ بَلَغَهُ هَذَا عَنْ أُنَاسٍ فَخَطَبَ وَقَالَ: "مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي".
وَلِأَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ٢ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنًا، فَقَالَ: "إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجمال". وعن عبد الله بن عمرو٣ مَرْفُوعًا: "كُلُوا، وَاشْرَبُوا، وَالْبَسُوا، وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ٤ وَزَادَ: "فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ". وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ٥ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَحَسَّنَهَا وَقَالَ: "أَثَرَ نِعْمَتِهِ".
وَلِأَحْمَدَ٦، ثَنَا رَوْحٌ، ثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْفُضَيْلِ بْنِ فَضَالَةَ٧: ثَنَا أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَعَلَيْهِ مُطَرَّفَةٌ٨ مِنْ خَزٍّ لَمْ نَرَهَا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا بَعْدَهُ، فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "من أنعم الله عليه
ــ
[تصحيح الفروع للمرداوي]
_________________
(١) ١ البخاري ٥٠٣٦ ومسلم ١٤٠١. ٢ أحمد ١٧٢٠٦ و١٧٢٠٧ من جديث أبي ريحانة ومسلم "٩١" "١٤٧" من حديث عبد الله بن مسعود. ٣ في "ط": عمر. ٤ البخاري تعليقا على النبي ﷺ قبل حديث ٥٧٨٣ وأحمد ٦٦٩٥. ٥ في سننه ٢٨١٩. ٦ في مسنده ١٩٩٣٤. ٧ في الأصل: "عياض". ٨ المطرف: الثوب من خز له أعلام. "المصباح": طرف.
[ ٢ / ٦٣ ]
نِعْمَةً١ فَلْيُظْهِرْهَا فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى خَلْقِهِ" قَالَ رَوْحٌ مَرَّةً: عَلَى عَبْدِهِ إسْنَادُهُ جَيِّدٌ مَعَ تَفَرُّدِ شُعْبَةُ عَنْ الْفُضَيْلِ.
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا: "مَنْ تَرَكَ أَنْ يَلْبَسَ صَالِحَ الثِّيَابِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ دَعَاهُ اللَّهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي حُلَل الْإِيمَانِ أَيَّتُهُنَّ شَاءَ". فِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ٢. وَقَالَ صَاحِبُ النظم:
ويكره مع طول الغنا٣ لبسك الردي
فَأَطْلَقَ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَقَالَ:
وَمَنْ يَرْتَضِي دُونَ اللِّبَاسِ تَوَاضُعًا سَيُكْسَى الثِّيَابَ الْعَبْقَرِيَّاتِ فِي غَدٍ٤
وَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ، لَا لِعَجَبٍ، وَلَا شُهْرَةٍ، وَلَا غَيْرِهِ، قَالَ جَمَاعَةٌ: وَالتَّوَسُّطُ فِي الْأُمُورِ أَوْلَى، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بِحَسَبِ الْحَالِ لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ مَوْجُودٍ، وَلَا يَتَكَلَّفُونَ مَفْقُودًا، فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُهْدِيَنَا طَرِيقَهُمْ.
فَأَمَّا الْإِسْرَافُ فِي الْمُبَاحِ فَالْأَشْهَرُ لَا يَحْرُمُ، عَلَى ما يأتي في
ــ
[تصحيح الفروع للمرداوي]
_________________
(١) ١ ليست في النسخ الخطية ولا في مطبوع مسند الإمام أحمد. ٢ أحمد ١٥٦١٩ والترمذي ٢٤٨١. ٣ الطول: الفضل والقدرة والغنى والسعة. والغناء بالفتح والمد: ضد الفقر. "القاموس": طولى، غني ٤ في النسخ الخطية: عدن. والمثبت من "ط".
[ ٢ / ٦٤ ]
الْحَجْرِ١، وَتَبَرُّعِ الْمَرِيضِ، وَحَرَّمَهُ شَيْخُنَا، وَقَدْ سَبَقَ خَبَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَأَمَّا شُكْرُ اللَّهِ فَمُسْتَحَبٌّ، وَيَأْتِي فِي الْوَلِيمَةِ٢ خِلَافٌ فِي الْحَمْدِ لِلَّهِ عَلَى الطَّعَامِ فَيُتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي اللِّبَاسِ، ثُمَّ إنْ وَجَبَ فَعَدَمُهُ لَا يَمْنَعُ الْحِلَّ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْأَطْعِمَةِ٣.
وَقَالَ شَيْخُنَا بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ فِعْلِ الْمُبَاحَاتِ كَأَكْلٍ وَلُبْسٍ وَيَظُنُّ أَنَّ هَذَا مُسْتَحَبٌّ جَاهِلٌ، ضَالٌّ، فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالْأَكْلِ مِنْ الطَّيِّبِ، وَالشُّكْرِ لَهُ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِطَاعَتِهِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ، وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ، وَمَنْ أَكَلَ وَلَمْ يَشْكُرْ كَانَ مُعَاقَبًا عَلَى مَا تَرَكَهُ مِنْ فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ، وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ الطَّيِّبَاتُ، فَإِنَّ اللَّهَ أَحَلَّهَا لِمَنْ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى طَاعَتِهِ كَمَا قَالَ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة:٩٣] الْآيَةُ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَانَ الْإِنْسَانُ بِالْمُبَاحَاتِ عَلَى الْمَعَاصِي وقَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨] أَيْ عَنْ الشُّكْرِ، فَطَالَبَ الْعَبْدَ بِأَدَاءِ شُكْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُعَاقِبُ إلَّا عَلَى تَرْكِ مَأْمُورٍ وَفِعْلِ مَحْظُورٍ.
ــ
[تصحيح الفروع للمرداوي]
_________________
(١) ١ ٧/٨. ٢ ٨/٣٢١. ٣ ١٠/٣٣١.
[ ٢ / ٦٥ ]