وعصر؛ لأنه إن سجد لها خلط على المأمومين، وإلا ترك السنة.
(و) كره (سجوده) أي: الإمام (لها) أي: التلاوة، في صلاة سر؛ لما فيه من التخليط على من معه، وردّه في "المغني" لفعله -ﷺ- (١).
(وعلى مأموم) أي: يلزمه (متابعته) أي: الإمام، في سجود تلاوة (في غيرها) أي: السرية (٢)، لحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" (٣) وأما صلاة السر فإن المأموم (٤) ليس فيها بتال ولا مستمع، بخلاف الجهرية.
وسجود تلاوة عن قيام أفضل، تشبيهًا له بصلاة النفل، و[قد] (٥) روى إسحاق عن عائشة -﵂- "أنها كانت تقرأ في المصحف فإذا انتهت إلى السجدة قامت فسجدت" (٦).
والتسليمة الأولى ركن، وتجزئ نصًّا (٧).
تتمة: يجوز للمستمع إذا سجد أن يرفع قبل القارئ في غير الصلاة، لأنه ليس إمامًا له حقيقة، بل بمنزلته.
(و) يسن (سجود شكر) اللَّه تعالى (عند تجدد نعم و) عند (اندفاع نقم)
_________________
(١) "المغني" (٢/ ٣٧١). وفعله -ﷺ-، أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب قدر القراءة في صلاة الظهر والعصر (١/ ٥٠٧) عن ابن عمر أن النبي -ﷺ- سجد في صلاة الظهر، ثم قام فركع، فرأينا أنه قرأ "تنزيل السجدة" قال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ١٠) نقلًا عن رواية الرملي لسنن أبي داود، أن أبا داود قال عقبه: فيه أمية، شيخ لسليمان اليمي، رواه له عن أبي مجلز، وهو لا يعرف. اهـ
(٢) في غيرها: أي في غير صلاة السر، وهي الصلاة الجهرية.
(٣) تقدم (ص ٢٣٨).
(٤) في الأصل: (الإمام) وهو خطأ. صوابه من "شرح منتهى الإرادات" (١/ ٢٤٠).
(٥) ما بين معقوفين زيادة من "معونة أولي النهى" (٢/ ٧١) أثبتها لتحسين العبارة.
(٦) ابن أبي شيبة، كتاب الصلاة، في إدامة النظر في المصحف (٢/ ٤٩٩).
(٧) "الإنصاف" (٤/ ٢٢٨).
[ ١ / ٢٨٠ ]
مطلقًا، لحديث أبي بكرة: "أن النبي -ﷺ- كان إذا أتاه أمر يسر به، خر ساجدًا" رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما (١)، وعلم من قوله: تجدد نعم، أنه لا يسجد لدوامها، لأنه لا ينقطع (وتبطل به) أي سجود الشكر (صلاة غير جاهل وناس) وأما الجاهل والناسي فلا تبطل صلاتهما به، كما لو زاد فيها سجودًا كذلك (وهو كسجود تلاوة) في صفته وأحكامه، فيكبر إذا سجد وإذا رفع، ويقول فيه: سبحان ربي الأعلى، ويجلس إذا رفع، ويسلم.
ويستحب سجود شكر -أيضًا- عند رؤية مبتلى في دينه أو بدنه، لكن إن كان في بدنه فلا يسجد بحضوره (٢).
فائدة: تباح قراءة القرآن في الطريق، لما روي عن إبراهيم التيمي قال: "كنت أقرأ على أبي موسى وهو يمشي في الطريق" (٣) وتباح -أيضًا- قائمًا
_________________
(١) أبو داود، كتاب الجهاد، باب في سجود الشكر (٣/ ٢١٦) والترمذي، كتاب السير، باب ما جاء في سجدة الشكر (٤/ ١٤١) وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الصلاة والسجدة عند الشكر (١/ ٤٤٦) قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه عن حديث بكار بن عبد العزيز. اهـ وصححه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٢٧٦) وأشار إلى أن للحديث شواهد. ووافقه الذهبي. قال المنذري -بعد سياق كلام الترمذي السابق-: وبكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة: فيه مقال. وقد جاء حديث سجدة الشكر من حديث البراء بن عازب بإسناد صحيح، ومن حديث كعب بن مالك، وغير ذلك. اهـ من "مختصر سنن أبي داود" (٤/ ٨٦). وقد ساق ابن القيم في "تهذيب السنن" جملة من شواهد هذا الحديث (٤/ ٨٥).
(٢) ذكر في "معونة أولي النهى" (٢/ ٧٣، ٧٤) دليل ذلك، حيث قال: روى الحاكم "أن النبي، -ﷺ- سجد لرؤية زَمِنٍ، وأخرى لرؤية قَرَد، وأخرى لرؤية نغاشي" -قيل: الناقص الخلقة، وقيل: هو المبتلى، وقيل: المختلط العقل. قال: وأما سجوده عند رؤيته المبتلى في دينه، فلأن مصيبة الدين أشد من مصيبة الدنيا. اهـ ولم أقف على موضع الحديث من "المستدرك" إن كان الحاكم رواه فيه. وقد نسبه الجوهري في "الزاهر" (ص ٧٠) إلى المزني.
(٣) لم أقف عليه. وقد ذكره في "المغني" (٢/ ٦١٠). وقد ذكر ابن كثير في "فضائل القرآن" =
[ ١ / ٢٨١ ]
وقاعدًا ومضطجعًا وراكبًا وماشيًا، ومع حدث أصغر، ونجاسة بدن وثوب حتى فم، لأنه لا دليل على المنع.
وحفظ القرآن فرض كفاية إجماعًا (١)، ويبدأ الرجل ابنه بالقرآن ليتعود القراءة، ويعلمه إياه كله، إلا أن يعسر عليه حفظه كله فما تيسر منه.
ويتعين حفظ ما يجب في صلاة، وهو الفاتحة فقط على المذهب، ثم يتعلم من العلم ما يحتاج إليه في أمور دينه وجوبًا.
وتسن القراءة في المصحف لاشتغال حاسة البصر بالعبادة، وكان الإمام أحمد لا يكاد يترك القراءة فيه كل يوم سبعًا (٢).
ويسن الختم كل أسبوع مرة، لقوله -ﷺ- لابن عمرو: "اقرأ القرآن في كل سبع، ولا تزد على ذلك" (٣) ولا بأس به كل ثلاث، لحديث ابن عمرو قال: قلت: يا رسول اللَّه إن لي قوة. قال: "اقرأه في ثلاث" رواه أبو داود (٤)، ولا بأس به فيما دون ذلك أحيانًا (٥)، وفي الأزمنة والأمكنة الفاضلة، كفي رمضان، خصوصًا أوتار عشره الأخيرة، وفي مكة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب إكثار القراءة إذن، اغتنامًا للزمان والمكان.
_________________
(١) = (١/ ٧٤) أن ابن أبي داود نقل عن أبي الدرداء أنه كان يقرأ في الطريق. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه أذن في ذلك. اهـ
(٢) ينظر: "مراتب الإجماع" (١٥٦) و"معونة أولي النهى" (٢/ ٧٥).
(٣) ينظر: "الآداب الشرعية" لابن مفلح (٢/ ٢٨٤).
(٤) البخاري، كتاب فضائل القرآن (٦/ ١١٣، ١١٤) ومسلم، كتاب الصيام (٢/ ٨١٣).
(٥) أبو داود، كتاب الصلاة، باب في كم يقرأ القرآن (٢/ ١١٣، ١١٤) وقد خرجها البخاري في كتاب الصيام، باب صوم يوم وإفطار يوم (٢/ ٢٤٦).
(٦) لثبوته عن جماعات من السلف. قاله الحافظ في "الفتح" (٩/ ٩٧) وقد صحَّ عن عثمان أنه ختمه في ليلة "مصنف ابن أبي شيبة" (٢/ ٥٠٢، ٥٠٣) و"فضائل القرآن" لابن كثير (١/ ٨٣) وقد كره جماعة من السلف ذلك. ينظر: "فضائل القرآن" لابن كثير (١/ ٨٣) و"سير أعلام النبلاء" (٣/ ٨٣، ٨٦) و(٤/ ٣٢٤، ٣٢٥) و(٩/ ١٤٣).
[ ١ / ٢٨٢ ]
وقال بعضهم (١): يقدر بالنشاط وعدم المشقة، لأن عثمان كان يختمه في ليلة، وكذلك تميم الداري، وسعيد بن جبير، ومجاهد (٢)، والشافعي (٣)، وغيرهم، وختم سليم (٤) قاضي مصر في خلافة معاوية -﵁- ثلاث ختمات (٥)، وقال الصالح الإمام [أبو عبد الرحمن السلمي] (٦) -﵀- (٧): سمعت الشيخ أبا عثمان المغربي (٨) يقول: كان
_________________
(١) قال في "معونة أولي النهى" (٢/ ٧٧): قال بعض الأصحاب. . . اهـ ولم يسمهم.
(٢) ينظر: "مصنف ابن أبي شيبة" (٢/ ٥٠٢، ٥٠٣).
(٣) "مناقب الشافعي" للرازي (ص ٧٠) و"مناقب الشافعي" للبيهقي (١/ ٢٧٩، ٢٨٠).
(٤) هو: سليم بن عِتْر، أبو سلمة التجيبي، الإمام الفقيه، قاضي مصر. ولي قضاءه سنة (٤٠ هـ) من قبل معاوية. كان يدعى: الناسك. قال العجلي: ثقة. اهـ توفي سنة (٧٥ هـ). ينظر: "أخبار قضاة مصر" للكندي (ص ٢٢٩) و"سير أعلام النبلاء" (٤/ ١٣١) و"حسن المحاضرة" للسيوطي (١/ ٢٩٥).
(٥) نقل الذهبي عن الدارقطني أنه قال: روي عنه أنه كان يختم كل ليلة ثلاث ختمات، ويأتي امرأته ويغتسل ثلاث مرات. فقالت بعد موته: رحمك اللَّه، لقد كنت ترضي ربك، وترضي أهلك. اهـ وذكر الذهبي: عن ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد أن سليم بن عتر كان يقرأ القرآن كل ليلة ثلاث مرات. اهـ من "سير أعلام النبلاء" (٤/ ١٣٢). قال المعلق على "السير" عند ذكر رواية الدارقطني السابقة: لا يعقل ذلك، وربما لا يصح عنه، لأنه مخالف لهدي رسول اللَّه -ﷺ-. . . اهـ
(٦) في الأصل: (أبو عبد اللَّه عبد الرحمن السلمي) والمثبت من "التبيان" للنووي (ص ٤٧).
(٧) هو محمد بن الحسين بن محمد السلمي، أبو عبد الرحمن، كبير الصوفية. ولد (٣٢٥ هـ) له كتاب "حقائق التفسير" فيه أمور عدَّها بعض الأئمة من زندقة الباطنية. وله: "سؤالات للدارقطني عن أحوال الرواة"، و"طبقات الصوفية" قال الذهبي: تكلموا فيه، وليس بعمدة. اهـ توفي سنة (٤١٢ هـ). ينظر: "تاريخ بغداد" (٢/ ٢٤٨، ٢٤٩)، و"ميزان الاعتدال" (٣/ ٥٢٣، ٥٢٤)، و"سير أعلام النبلاء" (١٧/ ٢٤٧، ٢٥٥).
(٨) هو: سعيد بن سلَّام المغربي القيرواني. شيخ الصوفية. قال الخطيب: وكان من كبار المشايخ، له أحوال وكرامات. اهـ توفي (٣٧٣ هـ) ينظر: "طبقات الصوفية" للسلمي=
[ ١ / ٢٨٣ ]
ابن الكاتب (١) -رحمه اللَّه تعالى- يختم بالنهار أربع ختمات وبالليل أربع ختمات. هذا أكثر ما بلغنا في اليوم والليلة، انتهى من كتاب "التبيان في آداب حملة القرآن" (٢) للإمام محى الدين النواوي -رحمه اللَّه تعالى-.
وكره تأخير ختم فوق أربعين يومًا، لأن تأخيره أكثر يفضي إلى نسيانه والتهاون به، قال أحمد: ما أشد ما جاء في من حفظه ثم نسيه (٣).
وقال في "التبيان" (٤) -أيضًا-: ومن آداب حامل القرآن أن يكون على أكمل الأحوال وأكرم الشمائل، وأن يرفع نفسه عن كل ما نهى القرآن عنه إجلالًا للقرآن، وأن يكون متصونًا (٥) عن دنيء الاكتساب، شريف النفس، مترفعًا على الجفاة والجبابرة من أهل الدنيا، متواضعًا للصالحين وأهل الخير والمساكين، وأن يكون متخشعًا ذا سكينة ووقار، فقد جاء عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه قال: "يا معشر القراء ارفعوا رؤوسكم، فقد وضح لكم الطريق، واستبقوا (٦) الخيرات، لا تكونوا عيالًا على الناس" (٧).
وعن ابن مسعود -﵁- قال: "ينبغي لحامل القرآن أن
_________________
(١) = (٤٧٩، ٤٨٣) و"تاريخ بغداد" (٩/ ١١٢، ١١٣) و"طبقات الشعراني الكبرى" (١/ ١٢٢) و"سير أعلام النبلاء" (١٦/ ٣٢٠، ٣٢١).
(٢) هو أبو علي الحسين بن أحمد الكاتب. من شيوخ الصوفية. توفي قرابة عام (٣٤٣ هـ) "طبقات الشعراني الكبرى" (١/ ١١٢).
(٣) (ص ٤٧).
(٤) "معونة أولي النهى" (٢/ ٧٧). وقد أخرج أحمد في "المسند" (٥/ ٣٨٥) عن سعد بن عبادة -مرفوعًا-: "وما من رجل قرأ القرآن فنسيه إلا لقي اللَّه يوم القيامة وهو أجذم". وفي إسناده ضعف. ينظر: "فضائل القرآن" لابن كثير (١/ ٧٢، ٧٣) و"الترغيب والترهيب" (٢/ ٣٣٣).
(٥) (ص ٤٣).
(٦) في "التبيان" (ص ٤٣): مصونًا.
(٧) في الأصل: (واستبقوا) والمثبت من "التبيان".
(٨) لم أقف عليه.
[ ١ / ٢٨٤ ]
يُعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفرطون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون" (١).
وعن الفضيل بن عياض -رحمه اللَّه تعالى-: ينبغي لحامل القرآن أن لا تكون له حاجة إلى أحد من الخلفاء فمن دونهم. وعنه -أيضًا-: حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو، تعظيمًا لحق القرآن (٢). انتهى.
فائدة: ينبغي للقارئ إذا أراد القراءة أن يكون على طهارة، ويراعي الأدب مع القرآن، فينبغي أن يستحضر في قلبه أن يناجي اللَّه تعالى، ويقرأ على حال من يرى اللَّه تعالى، فإنه إن لم يكن يراه فإن اللَّه تعالى يراه.
ويستحب له أن يستقبل القبلة، فقد جاء في الحديث: "خير المجالس ما استقبل به القبلة" (٣) ويجلس متخشعًا بسكينة ووقار، مطرقًا رأسه، كجلوسه بين يدي معلمه. فإذا أراد الشروع في القراءة استعاذ، فقال: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، فإذا شرع في القراءة فليكن شأنه الخشوع والتدبر عند القراءة والترتيل، وإذا مر بآية رحمة سأل اللَّه تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب استعاذ باللَّه من غضبه وعذابه، وإذا مر بآية تنزيه نزهه سبحانه
_________________
(١) رواه أحمد في "الزهد" (ص ١٠٢) والآجري في "أخلاق أهل القرآن" (١٠١، ١٠٢) وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ١٢٩).
(٢) الآجري في "أخلاق أهل القرآن" (ص ١٠٣) وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٩٢).
(٣) الطبراني في "الأوسط" (٩/ ١٦٥) عن ابن عمر، بلفظ: "أكرم المجالس ما استقبل به القبلة". قال السخاوي في "المقاصد" (ص ٧٧): وفيه حمزة بن أبي حمزة: متروك. اهـ. وأخرج الطبراني في "الأوسط" -أيضًا- (٣/ ١٨٢، ١٨٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن لكل شيء سيدًا، وإن سيد المجالس قُبالة القبنة" قال السخاوي في "المقاصد" (ص ٧٧): سنده حسن. اهـ، وقد تقدم (ص ١٦٩).
[ ١ / ٢٨٥ ]
وتعالى، ونحو ذلك.
فإن قطع القراءة قطع ترك وإهمال أعاد التعوذ إذا رجع إليها، وإن قطعها لعذر عازمًا على إتمامها إذا زال، كرد سلام وإجابة سائل ونحو ذلك؛ كفاه التعوذ الأول.
ويختم في الشتاء أول الليل لطوله، وفي الصيف أول النهار لذلك، روي عن ابن المبارك (١)، وكان يعجب أحمد (٢)؛ لا روى طلحة بن مصرف قال: أدركت أهل الخير من صدر هذه الأمة يستحبون الختم أول الليل وأول النهار يقولون: إذا ختم في أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يصحي، وإذا ختم في أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح، ورواه الدارمي (٣) عن سعد بن أبي وقاص بإسناد حسن (٤).
ويجمع أهله وولده عند الختم، رجاء عود نفع ذلك وثوابه إليهم، وعن ابن عباس: أنه كان يجعل رجلًا يراقب رجلًا يقرأ القرآن، فإذا أراد أن يختم أعلم ابن عباس، فيشهد ذلك (٥).
وروى ابن أبي داود (٦) بإسنادين صحيحين عن قتادة عن أنس: "كان
_________________
(١) ذكره القرطبي في "التذكار" (ص ٩٨).
(٢) ينظر: "المغني" (٢/ ٦٠٩) و"معونة أولي النهى" (٢/ ٧٨) و"كشاف القناع" (١/ ٤٣٠).
(٣) هو عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارمي، من بني تميم، الإمام المحدث الورع. ولد سنة (١٨١ هـ) صنف "السنن" و"التفسير" توفي (٢٥٥ هـ). ينظر: "تاريخ بغداد" (١٠/ ٢٩، ٣٢) و"طبقات الحنابلة" (١/ ١٨٨) و"سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٢٢٤).
(٤) الدارمي في "سنه" كتاب فضائل القرآن، باب في ختم القرآن (٢/ ٣٣٧) وقال عقبه: هذا حسنٌ عن سعد. اهـ وينظر: "التبيان في آداب حملة القرآن" (ص ٥٠).
(٥) الدارمي، فضائل القرآن، باب في ختم القرآن (٢/ ٣٣٦).
(٦) هو أبو بكر بن سليمان بن الأشعث السجستاني، الإمام العلامة الحافظ الثقة. ولد سنة (٢٣٠ هـ) صنف "المصاحف" و"البعث" و"الناسخ والمنسوخ" و"السنن" توفي سنة (٣١٦ هـ). ينظر: "أخبار أصبهان" (٢/ ٦٦، ٦٧)، و"تاريخ بغداد" (٩/ ٤٦٤، ٤٦٨) =
[ ١ / ٢٨٦ ]
أنس إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا" (١).
ويستحب إذا فرغ من الختم أن يشرع في أخرى، لحديث أنس: "خير الأعمال: الحلُّ والرِّحله" قيل: وما هما؟ قال: "افتتاح القرآن وختمه" (٢).
ويدعو بعد الختم نصًّا (٣)؛ لما روى الدارمي بإسناده عن حميد الأعرج قال: "من قرأ القرآن ثم دعا أمَّن على دعائه أربعة آلاف ملك" (٤).
وينبغي أن يلح في الدعاء، وأن يدعو بالأمور المهمة، وأن يكثر من ذلك.
_________________
(١) = و"طبقات الحنابلة" (٢/ ٥١، ٥٥)، و"سير أعلام النبلاء" (١٣/ ٢٢١).
(٢) نقله النووي في "التبيان" (ص ١٢٦) وهو في كتاب "المصاحف" لابن أبي داود -كما في "شرح الأذكار" (٣/ ٢٤٤) ولم أره في المطبوع من كتاب "المصاحف". وأثر أنس هذا: أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (ص ٢٧٩) وابن أبي شيبة في فضائل القرآن، في الرجل إذا ختم ما يصنع (١٠/ ٤٩٠) وابن نصر في "قيام الليل" -مختصر قيام الليل (ص ٢٤١) والفريابي في "فضائل القرآن" (ص ٢٨) والدارمي في "سننه" (٢/ ٣٣٦).
(٣) قال المعلق على كتاب "التبيان" الشيخ عبدالقادر الأرناؤوط (ص ١٢٩): حديث أنس هذا لم أره. وقد روى الحديث الترمذي -أبواب القراءات، بابٌ (٥/ ١٩٧ - ١٩٨) - عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول اللَّه! أي العمل أحب إلى اللَّه؟ قال: "الحال المرتحل" قال: وما الحال المرتحل؟ قال: "الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره، كلما حل ارتحل" قال الترمذي: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه. وإسناده ليس بالقوي. اهـ قال ابن قدامة في "المغني" (٢/ ٦٠٩): إن الإمام أحمد لم يستحب ذلك. قال ابن قدامة: ولعله لم يثبت فيه عنده أثر صحيح يصير إليه. اهـ بتصرف. وقال ابن القيم في "إعلام الموقعين" (٤/ ٣٠٦): لم يفعله أحد من الصحابة أو التابعين، ولا استحبه أحد من الأئمة. اهـ
(٤) ينظر: "كشاف القناع" (١/ ٤٣١).
(٥) الدارمي، كتاب فضائل القرآن، باب في ختم القرآن (٢/ ٣٣٧).
[ ١ / ٢٨٧ ]
ويستحب أن يكبر من غير تهليل ولا تحميد لختمه كل سورة من آخر الضحى إلى آخره، لأنه روي عن أبي بن كعب: "أنه قرأ على النبي -ﷺ- فأمره بذلك" رواه القاضي في "الجامع" بإسناده (١).
ولا يكرر سورة الصمد، ولا يقرأ الفاتحة وخمس آيات من أول سورة البقرة عقب الختم، لأنه لم يبلغ فيه أثر صحيح.
وقال الشيخ تقي الدين: قراءة القرآن أول النهار بعد الفجر أفضل من قراءته آخره (٢). وتكره القراءة في المواضع القذرة، وفي حال خروج الريح، فإذا خرجت أمسك عن القراءة حتى تنقضي.
_________________
(١) ذكره في "المغني" (٢/ ٦١٠) وقد أخرج الحديث الحاكم في "المستدرك"، في مناقب أبي بن كعب (٣/ ٣٠٤) وقال: صحيح الإسناد. اهـ وتعقبه الذهبي فقال: البزي -أحد رجال السند- متكلم فيه. اهـ وقال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٥٠) في ترجمة البزي -أحمد بن محمد بن عبد اللَّه-: وصحح له الحاكم حديث التكبير وهو منكر. اهـ قال الجزري في "طيبة النشر" (ص ١١٨): وسنة التكبير عند الختم صحت عن المكيين أهل العلم في كل حال ولدى الصلاة سلسل عن أئمة ثقات من أول انشراح أو من الضحى من آخر أو أول قد صححا قال مكي بن أبي طالب في "التبصرة في القراءات السبع" (٥٦٤): أجمع القراء على ترك التكبير إلا البزي، فإنه رواه عن ابن كثير. اهـ وقرر ابن الجزري في "النشر في القراءات العشر" (٢/ ٤١٠) صحة التكبير عند أهل مكة قرائهم وعلمائهم وأئمتهم صحة استفاضت واشتهرت وذاعت في سائر الأقطار. اهـ واختار شيخ الإسلام ابن تيمية -كما في الفتاوى (١٣/ ٤١٧، ٤١٨): أن من قرأ بحرف ابن كثير فله أن يكبِّر، ومن قرأ بغير حرف ابن كثير فالأفضل أن لا يكبر. وقرر -﵀- أن التكبير ليس قرآنًا. اهـ وهذا أعدل الأقوال. ينظر: "الآداب الشرعية" لابن مفلح (٢/ ٢٩٥، ٢٩٦) و"إرشاد البصير إلى سنية التكبير عن الشير النذير" لأحمد الزعبي.
(٢) ينظر: "كشاف القناع" (١/ ٤٣١) قال البهوتي: ولعله لقوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.
[ ١ / ٢٨٨ ]
ويستحب الاستماع للقرآن والإنصات له، لأنه يشارك القارئ في أجره.
ويكره الحديث عنده بما لا فائدة فيه، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ (١).
وكره أحمد السرعة في القراءة (٢)، وتأوله القاضي: إذا لم يبين الحروف (٣)، وتركها أكمل لما تقدم.
وحكى الشيخ عن أكثر أهل العلم أن قراءة الإدارة حسنة، كالقراءة مجتمعين بصوت واحد (٤). ولو اجتمع القوم لقراءة ودعاء وذكر فعنه: وأي لشيء أحسن منه؟ (٥)
وكره أحمد والأصحاب قراءة الألحان، وقال: هي بدعة (٦)، فإن حصل معها تغيير نظم القرآن وجعل الحركات حروفًا، حرم.
ولا يكره الترجيع (٧) وتحسين القرآن، بل ذلك مستحب، لحديث أبي
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٤.
(٢) روى ذلك حرب عنه. ينظر: "الآداب الشرعية" (٢/ ٢٩٧).
(٣) ينظر: "الآداب الشرعية" (٢/ ٢٩٧).
(٤) "اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية" (ص ١٢٠) لكن قال -﵀- كما في "مجموع الفتاوى" (٣١/ ٥٠): فإذا عرف هذا فقراءة القرآن كل واحد على حدته أفضل من قراءة مجتمعين بصوت واحد. اهـ وقد كره أحمد قراءة الإدارة، وهو قول أكثر الأصحاب. ذكره في "الآداب" (ص ٢/ ٣٠١).
(٥) ذكر هذه الرواية في "كشاف القناع" (١/ ٤٣٢) ثم قال: وعنه: لا بأس به. وعنه: محدث. اهـ وذكر ابن مفلح هذه المسألة في "الآداب الشرعية" (٢/ ٣٠٩) ونقل كلام ابن عقيل في "الفنون": أبرأ إلى اللَّه تعالى من جموع أهل وقتنا في المساجد والمشاهد ليالي يسمونها إحياءً. اهـ
(٦) ينظر: "المغني" (٢/ ٦١٣) و"الآداب الشرعية" (٢/ ٣٠١).
(٧) الترجيع: ترديد الصوت باللحن في القراءة. ومنه الترجيع في الأذان. ينظر: "التوقيف" (ص ١٧١).
[ ١ / ٢٨٩ ]
هريرة: "ما أذن اللَّه لشيء كإذنه لنبيٍ يتغنى بالقرآن يجهر به" رواه البخاري (١)، وقال -ﷺ-: "زينوا القرآن بأصواتكم" (٢).
ويكره رفع الصوت بقراءة تغلط المصلين.
_________________
(١) البخاري في باب من لم يتغن بالقرآن من كتاب فضائل القرآن ٦/ ٢٣٥.
(٢) أخرجه أبو داود في باب استحسان الترتيل في القراءة من كتاب الوتر ١/ ٣٣٨، والنسائي في الصلاة، باب تزيين القرآن بالصوت ٢/ ١٧٩ - ١٨٠، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب في حسن الصوت بالقرآن (١/ ٤٢٦).
[ ١ / ٢٩٠ ]