يسن عقب مكتوبة أن يستغفر ثلاثًا، ويقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام، لما روى ثوبان أن رسول اللَّه -ﷺ- كان إذا سلَّم استغفر ثلاثًا، ويقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام". رواه مسلم (٣).
ثم يقول: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا باللَّه، لا إله إلا اللَّه ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا اللَّه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
قال ابن الزبير -﵁-: كان رسول اللَّه -ﷺ- يهلل بهن دبر كل صلاة. رواه مسلم (٤).
وعن المغيرة بن شعبة أنه كتب إلى معاوية: سمعت رسول اللَّه -ﷺ-
_________________
(١) السدل، هو: الإرسال. ينظر: "لسان العرب" (١١/ ٣٣٣). والمعنى أنها لا تفترش ولا تتورك كالرجل.
(٢) ذكره في "المبدع"، (١/ ٤٧٣)، و"شرح منتهى الإرادات" (١/ ١٩٤). وقد بحثت عنه سندًا فلم أقدر على استخراجه. ينظر: "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٢٧٠) في المرأة كيف تجلس في الصلاة، و"سنن البيهقي" (٢/ ٢٢٢) باب ما يستحب للمرأة من ترك التجافي في الركوع والسجود، و"مسائل عبد اللَّه عن الإمام أحمد" (١/ ٢٦٣)، و"المغني" (٢/ ٢٥٨، ٢٥٩).
(٣) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٤١٤).
(٤) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٤١٥، ٤١٦).
[ ١ / ٢٠٠ ]
يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". متفق عليه (١).
ثم يقول: اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، لما روي عن معاذ -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- أخذ بيده وقال: "يا معاذ واللَّه إني لأحبك. فقال: أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". رواه أبو داود والنسائي (٢).
ويقرأ بالمعوذتين، لما روي عن عقبة بن عامر -﵁- قال: أمرني رسول اللَّه -ﷺ- أن أقرأ بالمعوذتين دبر كل صلاة. رواه أبو داود، والنسائي وغيرهما (٣)، وفي رواية أبي (٤) داود "بالمعوذات". قال الإمام النووي في "الأذكار" (٥): فينبغي أن يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ
_________________
(١) البخاري، كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة (١/ ٢٠٥)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٤١٥).
(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب في الاستغفار (٢/ ١٨٠، ١٨١)، والنسائي، كتاب السهو، باب نوع آخر من الدعاء (٣/ ٥٣). وصححه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٢٧٣) ووافقه الذهبي. وصححه النووي في "الأذكار" (٣/ ٥٥ مع الفتوحات الربانية).
(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب في الاستغفار (٢/ ١٨١) بلفظ "بالمعوذات"، والنسائي، كتاب السهو، باب الأمر بقراءة المعوذات بعد التسليم من الصلاة (٣/ ٦٨) بلفظ "بالمعوذات" -أيضًا- وأخرجه في "عمل اليوم والليلة" (ص ٥٠٤) بلفظ "بالمعوذتين"، والترمذي، كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في المعوذتين (٥/ ١٧١) بلفظ: "بالمعوذتين" -أيضًا- قال الترمذي: حديث حسن غريب. اهـ وصححه ابن مفلح في "الفروع" (١/ ٣٣٨) وقال الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار" (٢/ ٢٧٤): حديث صحيح. اهـ.
(٤) في الأصل "لأبي" وما أثبته من "الأذكار" للنووي، التي نقل المؤلف منها هذا. ينظر: "الأذكار" (٣/ ٥٣ مع الفتوحات الربانية).
(٥) (٣/ ٥٤).
[ ١ / ٢٠١ ]
بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (١).
ثم يقول ثلاثة وثلاثين: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، واللَّه أكبر، للخبر (٢)، ويفرغ من عدد الكل معًا، قاله أحمد في رواية أبي داود للنص (٣).
ويعقدُه أي: التسبيح والتحميد والتكبير بعقد أصابعه استحبابًا. ويعقد الاستغفار بيده، لحديث يُسَيرة، قالت: قال لنا رسول اللَّه رسول اللَّه -ﷺ-: "عليكن بالتهليل، والتسبيح، والتقديس، ولا تغفلن فتنسين الرحمة، واعقدن بالأصابع فإنهن مسؤولات مستنطقات". رواه أحمد وغيره (٤).
_________________
(١) عقب الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار" (٢/ ٢٧٦) على هذا بقوله: هو مرتب على هذه الرواية -رواية الجمع- لأن المعوذات جمع أقله ثلاث، فجعل سورة الإخلاص منها تغليبًا. وفيه نظر: لاحتمال أن يراد بالمعوذات آيات السورتين. ويؤيده ما (جاء) عن عقبة بن عامر عن النبي -ﷺ- قال: "لقد أنزلت علي آيات لم أر مثلهن: المعوذات" وفي رواية: قال في آخره: يعني المعوذتين. وفي أخرى أخرجها مسلم، والترمذي، والنسائي قال: "قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس. . . " اهـ ملخصًا.
(٢) وهو حديث أبي هريرة في إرشاد النبي -ﷺ- فقراء المهاجرين أن يقولوا ذلك خلف كل صلاة. أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة (١/ ٢٠٥)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٤١٦).
(٣) النص هو قوله -ﷺ- في حديث أبي هريرة السابق ذكره: "تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين" ثم أكد أبو صالح -الراوي عن أبي هريرة- ذلك بقوله: يقول: سبحان اللَّه والحمد للَّه واللَّه أكبر، حتى يكون منهن كلهن ثلاث وثلاثون. قال أحمد في رواية أبي داود: يقول هكذا ولا يقطعه. وعن أحمد رواية أخرى: أنه يخير بينه وبين إفراد كل جملة. ينفر: "مسائل أبي داود" و"الفروع" (١/ ٣٣٩) و"الشرح الكبير" (٣/ ٥٧٥)، و"زاد المعاد" لابن القيم (١/ ٣٠٠).
(٤) أحمد (٦/ ٣٧٠، ٣٧١)، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب التسبيح بالحصى (٢/ ١٧٠) والترمذي كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح والتهليل والتقديس (٥/ ٥٧١) قال الترمذي: هذا حديث غريب. وصححه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٥٤٧) وأقره الذهبي. وينظر: "السلسلة الضعيفة" للألباني (١/ ١٨٦ رقم ٨٣) فقد حسن الحديث ولفظ الحديث جاء بـ "الأنامل" وليس بـ "الأصابع" فيما أعلم. ويُسيرة هي أم ياسر، ويقال: بنت ياسر=
[ ١ / ٢٠٢ ]
ومما ورد أيضًا: اللهم أجرني من النار. سبع مرات بعد المغرب والفجر قبل أن يتكلم، لما روي عن عبد الرحمن بن حسان (١) عن مسلم بن الحارث التميمي (٢)، عن أبيه، وقيل: الحارث بن مسلم (٣) عن أبيه، أن رسول اللَّه -ﷺ- أسَرَّ إليه فقال: "إذا انصرفت من صلاة المغرب فقل: اللهم أجرني من النار. سبع مرات. وفي رواية: قبل أن تكلِّم أحدًا، فإنك إذا قلت ذلك ثم مت في ليلتك كتب لك جوار منها، وإذا صليت الصبح فقل مثل ذلك، فإنك إذا مت من يومك كتب لك جوار منها، قال الحارث: أسر بها رسول اللَّه -ﷺ-، ونحن نخص بها إخواننا". رواه أبو داود (٤).
_________________
(١) = الأنصارية، وتكنى أم حميضة. قال ابن سعد: أسلمت وبايعت وروت حديثًا. ينظر: "الإصابة" ١٣/ ١٧٣.
(٢) هو عبد الرحمن بن حسان الكناني، أبو سعيد الشامي الفلسطيني. قال الدارقطني: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وابن شاهين -أيضًا- في "الثقات"، ونقل ابن شاهين عن ابن معين أنه: ثقة. وقال العجلي: شامي ثقة. ينظر: "سؤالات البرقاني للدارقطني" (ص ٤٢ الترجمة رقم ٢٧٦)، و"ثقات ابن حبان" (٧/ ٦٧)، و"تاريخ أسماء الثقات" لابن شاهين (ص ١٤٥ الترجمة رقم ٧٨٩)، و"تهذيب الكمال" للمزي (١٧/ ٦٦)، و"تهذيب التهذيب" (٢/ ٥٠٢).
(٣) هو مسلم بن الحارث التميمي. يروي عن أبيه، ولأبيه صحبة. ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال الدراقطني: مجهول. ينظر: "سؤالات البرقاني للدارقطني" (ص ٦٥ الترجمة رقم ٤٩٠)، و"الثقات" (٥/ ٣٩١).
(٤) هذا الاختلاف في اسمه جاء تبعًا لاختلاف الرواة في تسميته. والصحيح أنه: الحارث بن مسلم بن الحارث عن أبيه. رجح ذلك أبو زرعة الرازي، وابن عبد البر. وجزم به البخاري وابن حبان، وابن أبي حاتم. ينظر: "التاريخ الكبير" للبخاري (٧/ ٢٥٣) و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٣/ ٨٨) (٨/ ١٨٢)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (١٠/ ٨٨)، و"الإصابة" (٩/ ١٩٤)، و"تهذيب التهذيب" لابن حجر (٤/ ٦٦)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (٤/ ٣٦٠، ٣٦١).
(٥) أبو داود، كتاب الأدب، باب: ما يقول إذا أصبح (٥/ ٣١٨، ٣١٩) والرواية الأخرى =
[ ١ / ٢٠٣ ]
ويقرأ آية الكرسي وسورة الإخلاص بعد كل فريضة -أيضًا- لخبر أبي أمامة: "من قرأ آية الكرسي وقل هو اللَّه أحد، دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت". إسناده جيد. رواه الطبراني، وابن حبان (١).
ويقول بعد صلاة الصبح وهو ثانٍ رجليه، وفي لفظ: والمغرب قبل أن يتكلم: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، لما روى الترمذي وغيره عن أبي ذر -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "من قال في دبر صلاة الصبح وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير. عشر مرات كتبت له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه، وحرس من الشيطان، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك باللَّه تعالى" قال الترمذي: هذا حديث حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحيح (٢). انتهى من
_________________
(١) = عند ابن حبان في صحيحه -كما في "الإحسان"- (٥/ ٣٦٦، ٣٦٧) وقد حسنه الحافظ في "نتائج الأفكار" (٢/ ٣١٠).
(٢) الطبراني في "الكبير" (٨/ ١٣٤)، وابن حبان في كتاب مفردٍ له اسمه "الصلاة" -كما ذكر المنذري في "التركيب والترهيب" (٢/ ٤٤٨) - قال المنذري: رواه النسائي، والطبراني بأسانيد أحدها صحيح. وقال شيخنا أبو الحسن: هو على شرط البخاري. وابن حبان في كتاب "الصلاة" وصححه. وزاد الطبراني في بعض طرقه: وقل هو اللَّه أحد. وإسناده بهذه الزيادة جيد أيضًا. اهـ ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم (١/ ٣٠٣)، و"السلسلة الصحيحة" للألباني (٢/ ٦٦١ رقم الحديث ٩٧٢).
(٣) الترمذي، كتاب الدعوات، باب (٥/ ٥١٥). قال الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار": قال الترمذي: حديث حسن غريب. وفي بعض النسخ صحيح. =
[ ١ / ٢٠٤ ]
"الأذكار" (١).
ويدعو الإمام بعد كل مكتوبة استحبابًا، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧)﴾ (٢) ولأن إدبار المكتوبات من أوقات الإجابة، وخصوصًا بعد الفجر والعصر لحضور الملائكة فيهما فيؤمِّنون (٣).
قال شيخنا الشيخ عبد القادر (٤) -قدس اللَّه روحه- في كتابه
_________________
(١) = قلت: وهي رواية أبي يعلى السبخي. وهي غلط، لأن سنده مضطرب، وشهر بن حوشب مختلف في توثيقه. اهـ والرواية التي فيها أن ذلك يقال -أيضًا- بعد المغرب، هي عند النسائي في "عمل اليوم والليلة" (٥٧) من حديث معاذ بن جبل. ينظر: "نتائج الأفكار" (٢/ ٣٠٦، ٣٠٧).
(٢) (٣/ ٦٥، ٦٨).
(٣) سورة الشرح، الآية: ٧.
(٤) ما ذكره المؤلف من استحباب الدعاء بعد كل مكتوبة في حق الإمام قول باطل، لأن دعاء الإمام عقب كل فريضة أمرٌ لم يشرعه رسول اللَّه -ﷺ-. ولم يعمل به أحد من الصحابة الأخيار. ولم ينقل عن أحدٍ من علماء القرون المفضَّلة. ولو كان خيرًا لسبقونا إليه. ودعوى الاستحباب تحتاج إلى دليل معتبر. وقد بين النبي -ﷺ- بالقول والفعل ما يشرع للمسلم بعد كل فريضة من الذكر، ولو كان الدعاء من الإمام بعد كل فريضة مشروعًا لما تركه -ﷺ-، ولو فعله -ﷺ- لنقل إلينا. وبما أنه -ﷺ- لم يفعله فإن عمله بدعة محدثة. والمسلم حقا يقتصر على ما ثبت عنه -ﷺ- من الأذكار دبر كل صلاة. ويبتعد عما أحدثه المضلون بمحض آرائهم وأهوائهم. وفيما ثبت عن النبي -ﷺ- غنية وكفاية لمن أراد رضى اللَّه والدار الآخرة. فما وسع رسول اللَّه -ﷺ- وسعنا. وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تعالى- على أنه (لم يكن النبي -ﷺ- يدعو هو والمأمومون عقيب الصلوات الخمس -كما يفعله بعض الناس عقيب الفجر والعصر- ولا نقل ذلك عن أحد، ولا استحب ذلك أحد الأئمة. ومن نقل من الشافعي أنه استحب ذلك فقد غلط عليه، ولفظه الموجود في كتبه ينافي ذلك. وكذلك أحمد وغيره من الأئمة لم يستحبوا ذلك. . .) اهـ "مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٥١٢)، ونص شيخ الإسلام -أيضًا- على (أن دعاء الإمام والمأمومين جميعًا عقب الصلاة بدعة). اهـ "مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٥١٩).
(٥) هو عبد القادر بن أبي صالح عبد اللَّه بن جنكي دوست، الجيلي، الحنبلي. عالم، زاهد، =
[ ١ / ٢٠٥ ]
"الغنية" (١): لا ينبغي للإمام والمأموم أن يخرجا من المسجد من غير دعاء، قال اللَّه -﷿-: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧)﴾ (٢) أي: إذا فرغت من العبادة، فانصب للدعاء (٣)، وارغب فيما عند اللَّه، واطلبه منه.
وقد جاء في الحديث عن أنس بن مالك، عن النبي -ﷺ-، أنه قال: "إذا قام الإمام في محرابه، وتواتر الصفوف، نزلت الرحمة، فأول ذلك يصيب الإمام، ثم من عن يمينه، ثم من عن يساره، ثم تتفرق الرحمة على الجماعة، ثم نادى ملك: ربح فلان، وخسر فلان، والرابح من يرفع يده بالدعاء إلى اللَّه إذا (٤) فرغ من صلاته المكتوبة. والخاسر هو الذي خرج من المسجد بلا دعاء، فإذا خرج بلا دعاء، قالت الملائكة: يا فلان، استغنيت عن اللَّه؟
_________________
(١) = فقيه، واعظ. ولد بجيلان -وهي بلاد متفرقة وراء طبرستان- سنة (٤٧١ هـ) وقدم بغداد شابًا. ألف كتاب "الغنية لطالب طريق الحق" وغيره. قال الذهبي: وفي الجملة الشيخ عبد القادر كبير الشأن، وعليه مآخذ في بعض أقواله ودعاويه، واللَّه الموعد، وبعض ذلك مكذوب عليه. اهـ، وقد أشار ابن رجب إلى كتاب أبي الحسن الشطنوفي المصري في "أخبار عبد القادر ومناقبه"، ووصفه بأنه لا يعتمد عليه، لكثرة ما فيه من الرواية عن المجهولين. قال: وفيه من الشطح، والطامات، والكلام الباطل ما لا يحصى، ولا يليق نسبة مثل ذلك إلى الشيخ عبد القادر -﵀-. اهـ، وقال ابن رجب -أيضًا-: وانتصر أهل السنة بظهور الشيخ عبد القادر. اهـ، توفي -﵀- سنة (٥٦١ هـ)، ينظر: "ذيل طبقات الحنابلة" (١/ ٢٩٠، ٣٠١)، و"سير أعلام النبلاء" (٢٢/ ٤٣٩، ٤٥١)، و"الأنساب" للسمعاني (٣/ ٤٦٢، ٤٦٣)، و"التصوف في ميزان البحث والتحقيق" للسندي (١/ ٥٠٩، ٥١٤). تنبيه: قول المؤلف: "شيخنا الشيخ عبد القادر. . . " يعني أنه شيخ طريقته الصوفية الفاسدة، التي تنسب للشيخ عبد القادر -﵀- وهو منها بريء. لا أنه شيخه مباشرة.
(٢) (٢/ ١٥١).
(٣) سورة الشرح، الآية: ٧.
(٤) في "الغنية" (انصب في الدعاء).
(٥) في الأصل (إلى) والمثبت من "الغنية".
[ ١ / ٢٠٦ ]
مالك عند اللَّه حاجة؟ " انتهى (١).
فحينئذ تبين لك فساد ما ذهب إليه. . . . . . . . . ابن عبد الوهاب (٢)، من نهيه عن رفع اليدين بالدعاء بعد الفراغ من الأذكار
_________________
(١) لم أستطع الوقوف على مصدر لهذا الحديث فيه إسناده حتى يتبين حكمه.
(٢) هذا الطعن في شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه اللَّه تعالى- لا قيمة له ولا وزن عند أهل العلم المعتبرين. فقد تواتر فضله وإصلاحه، وبقي ذكره وتجديده للدين إلى اليوم، شهد بذلك الأعداء من المستشرقين ونحوهم، كما شهد بذلك أهل الصلاح والاستقامة من علماء الأمة المعروفين بسلامة المعتقد. فلا يطعن عليه إلا رجل مريض القلب، مبتلى بالبدع. ينظر: "الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مرآة علماء الشرق والغرب" لمحمود مهدي استانبولي، و"الشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية وثناء العلماء عليه" لأحمد بن حجر آل أبو طامي، و"محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه" لمسعود عالم الندوي، و"عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها في العالم الإسلامي" د. صالح بن عبد اللَّه العبود. وقول المؤلف: "العارض": عَارِضٌ: بالراء ثم الضاد المعجمة، عارض اليمامة. والعارض: اسم للجبل المعترض. ومنه سمي "عارض اليمامة" وهو جبلها. ينظر: "معجم البلدان" لياقوت (٤/ ٦٥)، و"معجم اليمامة" لابن خميس" (٢/ ١٢٩). وقوله: "ابن عبد الوهاب" هو الإمام حقًّا، وشيخ الإسلام صدقًا، مجدد هذا الدين في القرون المتأخرة، وحامل لواء السنة المطهرة: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن مشَّرف، الوهبي، التميمي، النجدي، الحنبلي. ولد سنة (١١١٥ هـ) في بلدة العيينة، قرأ على أبيه العلم في صغره، ورحل إلى مكة والمدينة والبصرة والأحساء، وأخذ عن علماء هذه البلدان. ألف كتاب "التوحيد الذي هو حق اللَّه على العبيد"، و"كشف الشبهات"، و"مجموع الحديث على أبواب الفقه"، و"مختصر الإنصاف والشرح الكبير"، و"مختصر فتح الباري"، وغيرها. توفي سنة (١٢٠٦ هـ) -رحمه اللَّه تعالى رحمة واسعة-. ينظر: المراجع السابقة، و"علماء نجد خلال ستة قرون" للبسام (١/ ٢٥)، و"مشاهير علماء نجد" لعبد الرحمن آل الشيخ (ص ١٦)، و"روضة الناظرين" للقاضي (٢/ ١٧٨)، و"الدرر السنية في الأجوبة النجدية" (١٢/ ٦)، و"بحوث أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب" جزآن، و"حياة الشيخ محمد بن =
[ ١ / ٢٠٧ ]
الواردة أدبار الصلوات المكتوبات، وجعله ذلك من البدع المضلة بغير علم (١)، وإنما مراده مخالفة جماعة المسلمين -تولاه اللَّه بعدله- وأما الذي أغراه على إنكار رفع اليدين بالدعاء أدبار الصلوات (٢) فهو ما وقف عليه من كلام الإمام ابن القيم في "الهدي النبوي" (٣) من قوله: وأما الدعاء بعد
_________________
(١) = عبد الوهاب" لحسين خلف الشيخ خزعل.
(٢) هذا النقل عن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب كذبٌ. والمؤلف كان يتكلم عن قضيَّة وهي: الدعاء بعد كل مكتوبة، ثم نقل الكلام إلى قضية أخرى وهي: الدعاء بعد الفراغ من الأذكار الواردة أدبار الصلوات المكتوبات. فالشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه إنما يتحدثون عن صورةٍ يعرفها المؤلف جيدًا، تلك الصورة الموجودة في أكثر أنحاء العالم الإسلامي، حيث إذا سلَّم الإمام، رفع يديه بالدعاء، هو والمأمومون. وهذه الصورة هي التي تحدث عنها ابن تيمية، وتحدث عنها ابن القيم، وتبعهما الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحم اللَّه الجميع-. يقول الشيخ ابن سحمان -كما في "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" (٤/ ٣١٧): (وأما الدعاء بعد المكتوبة، فإن كان بالألفاظ الواردة في الأحاديث الصحيحة من الذكار، من غير رفع اليدين، كما ورد في الصحيحين وغيرهما من الكتب، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب لا يمنعه، ولا أحدٌ من أتباعه، ولا أحد من أهل الحديث. وإن كان بغير الألفاظ المأثورة، كما يفعله بعض الناس اليوم، فقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تعالى- لما سئل عن ذلك: (لم يكن النبي -ﷺ- يدعو هو ولا المأمومون عقب الصلوات الخمس، كما يفعله الناس عقب الفجر والعصر، ولا نقل ذلك عن أحد، ولا استحب ذلك أحد من الأئمة) اهـ فالقضية التي يتحدث عنها الشيخ محمد بن عبد الوهاب هي: الدعاء بعد المكتوبة، والاجتماع على ذلك، أما الدعاء بعد الفراغ من الأذكار المشروعة، فلم ينقل عنه -فيما أعلم- كلام فيها.
(٣) هنا رجع المؤلف إلى الصورة الأولى، وهي الدعاء بعد المكتوبة، ولم يقل: بعد الأذكار الواردة. فليتأمل، إذ أنه كشف نفسه بنفسه إذ حمَّل الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ما لا يحتمل.
(٤) (١/ ٢٥٧).
[ ١ / ٢٠٨ ]
السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين، فلم يكن ذلك من (١) هديه -ﷺ- (٢) أصلًا، ولا روي عنه بإسناد صحيح، ولا حسن. انتهى.
وكلام ابن القيم ردٌّ عليه، لو فهمه؛ لأن مراده رفع اليدين بالدعاء من حين السلام، قبل التسبيح والتحميد والأذكار (٣)، ويدل عليه قوله بعد ذلك، قال -قدس اللَّه روحه-: إلا أن هنا نكتة لطيفة، وهي أن المصلي إذا فرغ من صلاته، وذكر اللَّه وهلله وسبحه وحمده وكبره بالأذكار المشروعة عقب الصلاة، استحب له أن يصلي على النبي -ﷺ- بعد ذلك، وأن يدعو بما شاء، ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية، لا لكونه دبر الصلاة، فإن كل من ذكر اللَّه وحمده وأثنى عليه وصلى على رسوله -ﷺ-، استُحب له الدعاء عقيب ذلك، كما في حديث فضالة بن عبيد: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد اللَّه والثناء عليه، [ثم ليصل على النبي -ﷺ-] (٤)، ثم ليدعُ بما (٥) شاء". قال الترمذي: حديث صحيح (٦). انتهى كلامه.
ومن آداب الدعاء: بسط اليدين، ورفعهما إلى الصدر، وكشفهما أوْلى. والبداءةُ بحمد اللَّه والثناء عليه، وختمه به، والصلاة على النبي -ﷺ- أوله وآخره، قال الآجري (٧): ووسطه، لخبر
_________________
(١) في الأصل (في) والمثبت من "زاد المعاد".
(٢) سقطت الصلاة على النبي -ﷺ- من الأصل، والمثبت من "الزاد".
(٣) سبحان اللَّه! وهل تُثبت أنت إلا الدعاء بعد المكتوبة؟ فكلام ابن القيم -﵀- مؤيد لكلام الشيخ محمد، ناقضٌ قولك ومبطله.
(٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل. والمثبت من "الزاد".
(٥) في الأصل: (ما) والمثبت من "الزاد".
(٦) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء (٢/ ١٦٢)، والترمذي، كتاب الدعوات، بابٌ (٥/ ٥١٧).
(٧) هو: محمد بن الحسين بن عبد اللَّه الآجُرِّي البغدادي، أبو بكر الحنبلي، الإمام المحدث الفقيه شيخ الحرم الشريف. ولد سنة (٢٨٠ هـ) أو (٢٦٤ هـ) ألف كتاب "الشريعة"، =
[ ١ / ٢٠٩ ]
جابر (١). وسؤاله بأسمائه وصفاته، بدعاء جامع مأثور، بتأدب، وخشوع، وخضوع، وعزم، ورغبة، وحضور قلب، ورجاء، ويكون متطهرًا، مستقبل القبلة، ويلح في الدعاء، ويكرره ثلاثًا، ويبدأ بنفسه، ويُؤمِّن مستمع، فيكون كداع، ويؤمن داع في أثناء دعائه، ويختمه به.
وظاهر كلام جماعة (٢): لا يكره رفع بصره فيه إلى السماء، ولمسلم من حديث مقداد مرفوعًا: "رفع بصره إلى السماء فقال: اللهم أطعم من أطعمني، واسق من سقاني" (٣).
_________________
(١) = و"أخلاق العلماء"، و"التصديق بالنظر إلى اللَّه في الآخرة"، و"التهجد"، و"مختصر في الفقه"، توفي -﵀- سنة (٣٦٠ هـ). ينظر: "تاريخ بغداد" (٢/ ٢٤٣)، و"سير أعلام النبلاء" (١٦/ ١٣٣)، و"النجوم الزاهرة" (٤/ ٦٠)، و"المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد" للعليمي (٢/ ٢٧١)، و"مقدمة كتاب الشريعة" للدميجي (١/ ٧٧، ١٦٦). وكلامه هذا ذكره ابن مفلح في "الفروع" (١/ ٣٤٢). وغالبًا ما ينقل ابن مفلح عن كتاب "النصيحة" للآجري -كما ذكر ذلك العليمي- فلعل هذا النص منها.
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في "الصلاة على النبي -ﷺ-" (٧١) عن جابر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا تجعلوني كقدح الراكب. . . فاجعلوني في أول الدعاء، وفي أوسطه، ولا تجعلوني في آخره". وذكر ابن القيم في "جلاء الأفهام" (ص ١٧٧) أن الطبراني رواه بلفظ: "فاجعلوني في وسط الدعاء، وفي أوله وآخره"، قال الحافظ ابن حجر في "مختصر زوائد مسند البزار" (٢/ ٤٣١): موسى بن عبيدة -أحد رجال السند- ضعيف. اهـ وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٥٥): رواه البزار، وفيه موسى بن عبيدة، وهو ضعيف. اهـ
(٣) من ذلك قول الحجاوي في "الإقناع" (١/ ١٢٦): ولا يكره رفع بصره إلى السماء. اهـ، وكذا قال في "الكشاف" (١/ ٣٦٨)، ينظر: "الفروع" (١/ ٣٤٤، ٣٤٥)، و"المبدع" (١/ ٤٧٦).
(٤) صحيح مسلم، كتاب الأشربة (٣/ ١٦٢٥، ١٦٢٤).
[ ١ / ٢١٠ ]
ولا يكره للإمام الذي لا يُؤَمِّن لدعائه أن يخص نفسه بالدعاء.
ومن آداب الدعاء: الإخلاص (١)، واجتناب الحرام؛ لأنها تبعد إجابة آكل الحرام؛ لحديث: "رُب أشعث أغبر. . . " الحديث (٢)، إلا مضطرًا أو مظلومًا، فإن دعاءه يستجاب.
(وكره فيها) أي: الصلاة (التفات ونحوه) لحديث عائشة قالت: سألت رسول اللَّه -ﷺ- عن الالتفات في الصلاة، فقال: "هو اختلاسٌ (٣)
_________________
(١) كتب المذهب على: أن الإخلاص شرط في الدعاء. قالوا: وظاهر كلام ابن الجوزي وغيره أنه من الآداب، ينظر: "الفروع" (١/ ٣٤٥)، و"كشاف القناع" (١/ ٣٦٩)، و"شرح منتهى الإرادات" (١/ ١٩٥)، وممن ذكر أنه شرط في الدعاء: الإمام الخطابي في كتابه "شأن الدعاء" (١٣) والقرطبي في "أحكام القرآن" (٢/ ٣١١). وقال الحافظ ابن حجر -﵀- وقد دلت الآية -يعني قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ - أن الإجابة مشترطة بالإخلاص. اهـ "فتح الباري" (١١/ ٩٥). وقد بوب ابن المبارك في كتابه "الزهد" (ص ٢٠) فقال: باب الإخلاص في الدعاء، وساق أثر ابن مسعود: "إن اللَّه لا يقبل من مُسَمِّع ولا مراءٍ ولا لاعبٍ ولا داعٍ، إلا داعيًا دعاءً ثبتًا من قلبه" إسناده جيد. وتفصيل القول في هذه المسألة: أن الدعاء عبادةٌ يجب فيها الإخلاص للَّه تعالى، والمتابعة للنبي -ﷺ-. فمن دعا غير اللَّه، فهو مشرك كافر، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا. . .﴾ [الجن: ١٨] إلى قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾. أما إجابة الدعاء، فإن بعض أهل العلم يرى أن الإخلاص أدبٌ فيها، كما تقدم عن ابن الجوزي وغيره. إذْ قد يستجيب اللَّه تعالى لكافرٍ أو مشرك، بسب اضطراره أو حسنة تقدمت منه، أو نحو ذلك. ينظر: "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" (١/ ٣٠١)، و"اقتضاء الصراط المستقيم" لابن تيمية (٢/ ٧٠٥، ٧٠٦)، و"الجواب الكافي" لابن القيم (١٣، ١٤).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة (٢/ ٧٥٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أيها الناس، إن اللَّه طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا. . . ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يارب يارب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغُدِيَ بالحرام، فأنى يُستجاب لذلك؟ ".
(٣) هو: الاختطاف بسرعة على غفلة. ينظر: "المصباح" (١/ ٢٤٢).
[ ١ / ٢١١ ]
يختلسه الشيطان من صلاة العبد". رواه البخاري (١). (بلا حاجة) فإن كان ثم حاجة، لم يكره، كخوف ومرض، لحديث سهل بن الحنظلية قال: "ثُوِّب بالصلاة، فجعل رسول اللَّه -ﷺ- يصلي، وهو يلتفت إلى الشِّعْبِ" (٢). رواه أبو داود (٣)، قال: وكان أرسل فارسًا إلى الشعب يحرس (٤)، وكذا قال ابن عباس: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يلتفت يمينًا وشمالًا ولا يلوي عنقه". رواه النسائي (٥).
وإن استدار بجملته، بطلت صلاته، لتركه الاستقبال، إلا في شدة خوف، وإلا إذا تغير اجتهاده؛ لأن قبلته صارت التي تغير إليها اجتهاده، فلا تبطل بذلك، فإن كان الالتفات بوجهه فقط أو به مع صدره، لم تبطل.
(و) كره فيها (إقعاء) في جلوسه، بأن يفترش قدميه، ويجلس على عقبيه (٦).
_________________
(١) في صحيحه، كتاب الأذان، باب الالتفات في الصلاة (١/ ١٨٣).
(٢) الشعب: الطريق، أو الطريق في الجبل. ينظر: "المصباح" (١/ ٤٢٧).
(٣) في سننه، كتاب الصلاة، باب الرخصة في ذلك (١/ ٥٦٣)، وصححه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٢٣٧) ووافقه الذهبي.
(٤) سنن أبي داود (١/ ٥٦٣).
(٥) في سننه، كتاب السهو، باب الرخصة في الالتفات في الصلاة يمينًا وشمالًا (٣/ ٩) والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما ذكر في الالتفات في الصلاة (٢/ ٤٨٢). قال الترمذي: حديث غريب. اهـ ونقل ميرك عن الترمذي أنه قال: حسن صحيح، ينظر: "مرقاة المفاتيح" للقاري (٣/ ٨٠)، وقال الحاكم في "المستدرك" (١/ ٢٣٦، ٢٣٧): هذا حديث صحيح. . . ووافقه الذهبي.
(٦) بهذا وصفه الإمام أحمد. وقال أبو عبيد: هذا قول أهل الحديث. اهـ قال الجوهري: وقد جاء النهي عن الإقعاء في الصلاة، وهو: أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين. وهذا تفسير الفقهاء. فأما أهل اللغة، فالإقعاء عندهم: أن يلصق الرجل أليتيه بالأرض وينصب ساقيه، ويتساند إلى ظهره. اهـ ينظر: "المغني" لابن قدامة (٢/ ٢٠٦) و"غريب الحديث" لأبي عبيد (١/ ٢١٠)، و"الصحاح" للجوهري (٦/ ٢٤٦٥)، و"المطلع" (ص ٨٥).
[ ١ / ٢١٢ ]
(و) كره فيها -أيضًا- (افتراش (١) ذراعيه ساجدًا) لحديث جابر مرفوعًا: "إذا سجد أحدكم، فليعتدل، ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب" رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح (٢).
(و) كره فيها (عبث) لأنه -ﷺ- رأى رجلًا يعبث في الصلاة فقال: "لو خشع قلب هذا، لخشعت جوارحه" (٣).
(و) كره فيها -أيضًا- (تخصُّر) أي: وضع يده على خاصرته (٤)؛ لحديث أبي هريرة يرفعه: "نهي أن يُصلي الرجل مختصرًا" متفق عليه (٥).
وكره فيها تمطٍّ (٦) لأنه يخرجه عن هيئة الخشوع.
_________________
(١) افتراش ذراعيه: إلقاؤهما على الأرض وبسطهما كالفراش. ينظر: "القاموس" (ص ٧٧٥).
(٢) في سننه، أبواب الصلاة، باب ما جاء في الاعتدال في السجود (٢/ ٦٥، ٦٦) قال الترمذي: حسن صحيح. اهـ
(٣) نسبه السيوطي في "الجامع الصغير" (٥/ ٣١٩ - مع الشرح) إلى الحكيم الترمذي. وضعفه. وقال العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (١/ ١٥١): سنده ضعيف. والمعروف أنه من قول سعيد. رواه ابن أبي شيبة في المصنف، وفيه رجل لم يسم" اهـ. وأخرجه الإمام أحمد -كما في مسائل ابنه صالح (ص ٨٣) - عن سعيد بن المسيب موقوفًا. وجوَّد إسناده الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (١/ ٢٢٧ رقم ١١٠).
(٤) الخصر: وسط الإنسان، وهو المستدق فوق الوركين. ينظر: "القاموس" (ص ٤٩٢) و"المصباح" (١/ ٢٣٣) و"المطلع" (ص ٨٦).
(٥) البخاري، أبواب العمل في الصلاة، باب الخمس في الصلاة (٢/ ٦٤) ومسلم، كتاب المساجد (١/ ٣٨٧).
(٦) التمطي: التبختر ومدُّ اليدين في المشي. وقيل في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾ أن أصله: يتمطَّط وهو: التمدد والتقاقل. قال ابن قاسم في "الحاشية": هو: التمغط. ينظر: "لسان العرب" (١٥/ ٢٨٤)، و"فتح القدير" للشوكاني (٥/ ٣٣٩)، و"حاشية ابن قاسم على الروض المربع" (٢/ ٩٤). وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ٣٤٩) عن سعيد بن جبير، أنه قال: التمطي ينقص =
[ ١ / ٢١٣ ]
(و) كره -أيضًا- (فرقعة أصابع وتشبيكها) لقول علي مرفوعًا: "لا تقعقع أصابعك وأنت في الصلاة" رواه ابن ماجه (١).
وعن كعب بن عجرة "أن رسول اللَّه -ﷺ- رأى رجلًا قد شبك أصابعه في الصلاة، ففرج رسول اللَّه -ﷺ- بين أصابعه" رواه الترمذي وابن ماجه (٢)، وقال ابن عمر -في الذي يصلي وهو مشبك-: تلك صلاة المغضوب عليهم. رواه ابن ماجه (٣).
(و) كره صلاته مع (كونه حاقنًا) -بالنون- أي: محتبس البول (٤) حيث يبتدئها (ونحوه) أي: نحو الحاقن، ككونه حاقبًا -بالموحدة- أي
_________________
(١) = الصلاة. وروى -أيضًا- عن إبراهيم قال: كان يكره التمطي عند النساء في الصلاة.
(٢) في سننه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما يكره في الصلاة (١/ ٣١٠) عن الحارث الأعور، عن علي -﵁-. قال البوصيري في "الزوائد" -المطبوع مع السنن-: في السند: الحارث الأعور وهو ضعيف. اهـ وقد صح عن ابن عباس -كما في "مصنف ابن أبي شيبة" (٢/ ٣٤٤) - أنه قال لرجل فقَّع أصابعه في الصلاة: لا أم لك، تقعقع أصابعك وأنت في الصلاة؟ وعن سعيد بن جبير -كما في المصنف، -أيضًا- أنه قال: خمس تنقص الصلاة: التمطؤ والالتفات وتقليب الحصا والوسوسة وتفقيع الأصابع.
(٣) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما يكره في الصلاة (١/ ٣١٠) وهذا لفظه. وأخرجه الترمذي بنحوه، في: الصلاة، باب ما جاء في كراهية التشبيك بين الأصابع في الصلاة (٢/ ٢٢٨). وهو ضعيف. ينظر: "الإرواء" (٢/ ١٠٠) إلا أن الثابت في هذا الباب حديث أبي هريرة -مرفوعًا-: "إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع، فلا يفعل هكذا، وشبك بين أصابعه" صححه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٢٠٦) وأقره الذهبي.
(٤) لم أطَّلع عليه عند ابن ماجه، وإنما هو في "سنن أبي داود" كتاب الصلاة، باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة (١/ ٦٥٥).
(٥) ينظر: "لسان العرب" (١٣/ ١٢٦) و"المطلع" (ص ٨٦).
[ ١ / ٢١٤ ]
محتبس الغائط (١).
(و) كره أن يبتدئها -أيضًا- مع بهونه (تائقًا) أي: مشتاقًا (لطعام ونحوه)، كشراب وجماع؛ حديث عائشة مرفوعًا: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان (٢) " رواه مسلم (٣)، وظاهره: ولو خاف فوت الجماعة؛ لما في البخاري: "وكان ابن عمر يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه يسمع قراءة الإمام" (٤) إلا إن ضاق الوقت عن المكتوبة، فتجب، ويحرم اشتغاله بغيرها.
ويكره -أيضًا- للمصلي حمده إذا عطس، أو وجد ما يسره، واسترجاعه (٥) إذا وجد ما يَغُمُّهُ، وكذا قول: بسم اللَّه إذا لُسعَ، أو: سبحان اللَّه إذا رأى ما يعجبه، ونحوه، خروجًا من خلاف من أبطل الصلاة بذلك (٦).
وكذا لو خاطب بشيء من القرآن، كقوله لمن دق عليه: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾ (٧) ونحوه فيكره.
وسن لمصل تفرقته بين قدميه حال قيامه قدر شبر، ومراوحته بين قدميه؛ بأن يقف على أحدهما مرة، ثم على الأخرى أخرى، إذا طال قيامه؛ لأنه من السنة (٨)، وتكره كثرة المراوحة بين قدميه؛ لأنه يشبه تمايل
_________________
(١) ينظر: "لسان العرب" (١/ ٣٢٤) و"المطلع" (ص ٨٦).
(٢) الأخبثان: البول والغائط. ينظر: "النهاية" (٢/ ٥).
(٣) في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٣٩٣).
(٤) في صحيحه، كتاب الأذان، باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة (١/ ١٦٤).
(٥) الاسترجاع قول: إنا للَّه وإنا إليه راجعون. ينظر: "القاموس": (ص ٩٣١).
(٦) في بطلان الصلاة بذلك روايتان: الأولى: لا تبطل الصلاة بذلك. وهذا هو الصحيح من المذهب. نصَّ عليه الإمام أحمد في رواية الجماعة. وعنه: تبطل. "الإنصاف" (٣/ ٦٣١).
(٧) سورة الحجر، الآية: ٤٦.
(٨) أخرج النسائي في "سننه" كتاب افتتاح الصلاة، الصف بين القدمين في الصلاة (٢/ ١٢٨) =
[ ١ / ٢١٥ ]
اليهود (١).
_________________
(١) = عن أبي عبيدة أن عبد اللَّه رأى رجلًا يصلي قد صف بين قدميه فقال: "خالف السنة، ولو راوح بينهما كان أفضل" وفى لفظ له: "أخطأ السنة، ولو راوح بينهما كان أعجب إليّ". قال ابن الأثير في "النهاية" (٢/ ٢٧٤) على حديث: "كان يراوح بين قدميه من طول القيام" أي: يعتمد على إحداهما مرة وعلى الأخرق مرة، ليوصل الراحة إلى كل منهما. اهـ
(٢) لحديث أبي بكر -﵁-: "إذا قام أحدكم في صلاته فَلْيُسْكِنْ أطرافه، ولا يميل ميل اليهود" رواه ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٦٢٠) في ترجمة الحكم بن عبد اللَّه بن سعد الأيلي. ونسبه السيوطي في "الجامع الصغير" (١/ ٤١٣ - مع الشرح) إلى الحكيم الترمذي، وابن عدي وأبي نعيم في "الحلية". وضعفه اهـ. وقال الألباني في "ضعيف الجامع" (ص ٨٨): موضوع. اهـ وهو الأقرب. قال أحمد في أحاديث الحكم بن عبد اللَّه الأيلي: كلها موضوعة. اهـ ينظر: "ميزان الاعتدال" (١/ ٥٧٢)، لحديث عامر بن ربيعة قال: عطس شاب من الأنصار خلف رسول اللَّه -ﷺ- وهو في الصلاة. فقال: الحمد للَّه حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه حتى يرضى ربنا وبعد ما يرضى من أمر الدنيا والآخرة. فلما انصرف رسول اللَّه -ﷺ- قال: "من القائل الكلمة" قال: فسكت الشاب، ثم قال: "من القائل الكلمة فإنه لم يقل بأسًا" فقال: يا رسول اللَّه أنا قلتها، لم أرد بها إلا خيرًا. قال: "ما تناهت دون عرش الرحمن ﵎" رواه أبو داود في "سننه" (١/ ٤٩٠). والرواية الثانية: أنه يعيد الصلاة. فإن الإمام أحمد قال فيمن قيل له: ولد لك غلام، فقال: الحمد للَّه رب العالمين. أو ذكر مصيبة فقال: (إنا للَّه وإنا إليه راجعون) فقال: يعيد الصلاة. قال القاضي: هذا محمول على من قصد خطاب آدمي. اهـ وهذا مذهب أبي حنيفة، لأن ذلك من كلام الناس، وكلام الناس مفسد للصلاة بالنصِّ. والصحيح الأول: للحديث. واللَّه أعلم. ينظر: "مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر" (١/ ١١٩)، و"حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح" (ص ٢٦٤)، و"حاشية ابن عابدين" (٢/ ٣٧٨)، و"الذخيرة" للقرافي (٢/ ١٤٣، ١٤٤)، و"مواهب الجيل" للحطاب (٢/ ٣١٦)، و"تحفة المحتاج بشرح المنهاج - مع حواشي الشرواني وابن قاسم" (٢/ ٣٩٠)، و"حاشية الشرقاوي على التحرير" (١/ ٢١٩)، و"مغني المحتاج" للشربيني (١/ ١٩٧)، و"الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع" (١/ ١٣٧)، و"المغني" لابن قدامة (٢/ ٤٥٧)، و"الإنصاف" (٣/ ٦٣١، ٦٣٢)، و"المستوعب" (٢/ ٢٣٠).
[ ١ / ٢١٦ ]
وسن لمصل رد مار بين يديه آدمي أو غيره، بلا عنف؛ لحديث أم سلمة: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي في حجرة أم سلمة، فمر بين يديه عبد اللَّه، أو عمر بن أبي سلمة، فقال بيده [هكذا] (١) فرجع، فمرت بين يديه زينب بنت أم سلمة، فقال بيده هكذا، فمضت، فلما صلى رسول اللَّه -ﷺ- قال: "هن أغلب" رواه ابن ماجه (٢). ما لم يغلبه المار، كما تقدم في بنت أم سلمة، أو يكن المار محتاجًا إلى المرور كضيق الطريق.
وتُكره الصلاة في موضع يحتاج فيه إلى المرور إلا بمكة المشرفة، فلا يضر المرور بين يديه؛ لأنه -ﷺ- "صلى بمكة، والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سترة" (٣) رواه الإمام أحمد، وغيره (٤). فإن أبى المار إلا المرور من غير حاجة، دفعه، فإن أصر على إرادة المرور ولم يندفع بالدفع، فللمصلي قتاله، لا بنحو سيف، ولو مشى إليه قليلًا، ولا تبطل صلاته به؛ لحديث أبي سعيد مرفوعًا: "إذا كان أحدكم يصلي إلى سترة من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى، فليقاتله، فإنما هو شيطان" متفق عليه (٥).
وتنقص صلاة من لم يرد المار بين يديه بلا عذر.
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل. والمثبت من "شرح منتهى الإرادات" (١/ ١٩٩).
(٢) في سننه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما يقطع الصلاة (١/ ٣٠٥) قال في "الزوائد": -المطبوع مع السنن-: في إسناده ضعف. اهـ
(٣) في الأصل: (ستر) والمثبت من "شرح منتهى الإرادات" (١/ ١٩٩).
(٤) المسند (٦/ ٣٩٩)، وأبو داود، كتاب المناسك، باب في مكة (٢/ ٥١٨)، والنسائي، كتاب مناسك الحج، باب أين يصلي ركعتي الطواف (٥/ ٢٣٥)، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب الركعتين بعد الطواف (٢/ ٩٨٦) عن المطلب بن أبي وداعة -﵁- قال الحافظ في "الفتح" (١/ ٥٧٦): رجاله موثقون إلا أنه معلول. . اهـ وينظر: "نيل الأوطار" (٣/ ٩).
(٥) البخاري، كتاب الصلاة، باب يرد المصلي من مرَّ بين يديه (١/ ١٢٩) ومسلم، كتاب الصلاة (١/ ٣٦٢، ٣٦٣).
[ ١ / ٢١٧ ]
ويحرم مرورٌ بين المصلي وبين سترته، ولو كانت بعيدة؛ لحديث أبي جهم عبد اللَّه بن الحارث بن الصمة -مرفوعًا-: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ما [ذا] (١) عليه من الإثم، لكان أن يقف أربعين، خير له من أن يمر بين يديه" (٢). ولمسلم: "لأن يقف أحدكم مائة عام، خير من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي" (٣).
فإن لم يكن له سترة، فإنه يحرم المرور في ثلاثة أذرع فأقل، من قدم المصلي.
ولمصل عَدُّ آي، وتسبيح بأصابعه، وقول: سبحانك قبلى إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ (٤) نصًّا (٥)، فرضًا كانت الصلاة أو نفلًا، وأما ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ (٦) ففي الخبر فيها نظر (٧)، ذكره في
_________________
(١) سقط من الأصل: (ذا) والمثبت من "شرح المنتهى" (١/ ٢٠٠).
(٢) البخاري، كتاب الصلاة، باب إثم المار بين يدي المصلي (١/ ١٢٩) ومسلم، كتاب الصلاة (١/ ٣٦٣).
(٣) لم أقف عليه في "صحيح مسلم" وإنما هو في "سنن ابن ماجه" كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب المرور بين يدي المصلي (١/ ٣٠٤) من حديث أبي هريرة -﵁- قال البوصيري في "الزوائد" -المطبوع مع السنن-: في إسناده مقال. اهـ.
(٤) سورة القيامة، الآية: ٤٠.
(٥) ينظر: "الإنصاف" (٣/ ٦٦٢)، و"شرح منتهى الإرادات" (١/ ٢٠٠)، و"الروض المربع" (٢/ ٣٨٩)، ودليل ذلك: ما رواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء في الصلاة (١/ ٥٤٩) من حديث موسى بن أبي عائشة قال: كان رجل يصلي فوق بيته، وكان إذا قرأ "أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى" قال: سبحانك قبلى. فسألوه عن ذلك، فقال: سمعته من رسول اللَّه -ﷺ-. قال ابن كثير في "تفسيره" (٤/ ٤٥٢): تفرد به أبو داود ولم يسم هذا الصحابي، ولا يضر ذلك. اهـ
(٦) سورة التين، الآية: ٨.
(٧) أبو داود، كتاب الصلاة، باب مقدار الركوع والسجود (١/ ٥٥٠، ٥٥١)، والترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة التين (٥/ ٤٤٣) من حديث إسماعيل بن أمية قال: =
[ ١ / ٢١٨ ]
"الفروع" (١).
ولمصل قراءة في المصحف، ونظر فيه (٢).
وله سؤال عند آية رحمة، وتعوذ عند آية عذاب (٣).
وله رد السلام بإشارة (٤).
(وإذا نابه) أي: المصلي (شيء) أي: عرض له أمر كاستئذان عليه، وسهو إمامه، (سبَّح رجل) بإمام وجوبًا، وبمستأذن استحبابًا، ولا تبطل
_________________
(١) = سمعت أعرابيًّا يقول: سمعت أبا هريرة -﵁- يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من قرأ منكم ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ فانتهى إلى آخرها ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين. ومن قرأ ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾. . . " الحديث. قال الترمذي: هذا حديث إنما يروى بهذا الإسناد عن هذا الأعرابي، عن أبي هريرة، ولا يسمى. اهـ قال النووي في "المجموع" (٤/ ٦٧) -بعد أن نقل قول الترمذي هذا-: قلت: فهو ضعيف، لأن الأعرابي مجهول، فلا يعلم حاله. اهـ
(٢) الفروع (١/ ٣١٥).
(٣) لما روى الأثرم: أن عائشة كان يؤمها عبد لها في المصحف. ينظر: "المبدع" (١/ ٤٩٢).
(٤) لما أخرجه مسلم في "صحيحه" كتاب صلاة المسافرين (١/ ٣٥٦، ٥٣٧) عن حذيفة قال: "صليت مع النبي -ﷺ- ذات ليلة فافتتح البقرة. . . قال: إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بتعوذ تعوذ" وما ذكره المؤلف هو المذهب، فيجوز ذلك في الفرض والنفل، لأنه دعاء بخير فاستوى فيه الفرض والنفل. وعن الإمام أحمد: أن ذلك يستحب. وعنه: يكره في الفرض. ومن تأمل الأحاديث المنقولة عن رسول اللَّه -ﷺ- في صلاة الفرض علم أن ذلك في الفرض ليس بسنة. واللَّه أعلم. ينظر: "الفروع" (١/ ٣٦٢)، و"الإنصاف" (٣/ ٦٦١، ٦٦٢).
(٥) لما أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب رد السلام في الصلاة (١/ ٥٦٨) عن عبد اللَّه بن عمر -﵄- قال: خرج رسول اللَّه -ﷺ- إلى قباء يصلي فيه. قال: فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي -قال: فقلت لبلالٍ: كيف رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ - قال: يقول: هكذا، وبسط كفه وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق. وأخرجه الترمذي مختصرًا في أبواب الصلاة، باب ما جاء في الإشارة في الصلاة (٢/ ٢٠٤) وقال: حديث حسن صحيح. اهـ
[ ١ / ٢١٩ ]
صلاته إن أكثر تسبيحه؛ لأنه من جنس الصلاة. (وصفقت امرأة ببطن كفها على ظهر الأخرى) لحديث سهل بن سعد مرفوعًا: "إذا نابكم شيء في صلاتكم، فلتسبح الرجال، ولتصفق النساء" متفق عليه (١)، وتبطل صلاتها إن أكثر تصفيقها؛ لأنها عمل من غير جنسها.
ومن غلبه تثاؤب، كظم ندبًا، وإلا وضع يده على فِيْهِ، لحديث: "إذا تثاءب أحدكم في الصلاة، فليكظم (٢) ما استطاع، فإن الشيطان يدخل فاهُ" رواه مسلم، وللترمذي: "فليضع يديه على فيه" (٣). قال بعضهم (٤): اليسرى بظهرها؛ ليشبه الدافع له.
(ويزيل) مصلٍّ (بصاقًا (٥)، ونحوه) كمخاط (٦) ونخامة (٧) (بثوبه) أي: في ثوبه (ويباح) بصاق ونحوه (في غير مسجد عن يساره) وتحت قدمه، زاد بعضهم (٨): اليسرى؛ لحديث: "فإذا تنخَّع أحدكم، فليتنخع عن يساره، أو تحت قدمه، فإن لم يجد، فليقل هكذا -ووصف القاسم- (٩) فتفل
_________________
(١) البخاري، كتاب الأذان، باب من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول. . . (١/ ١٦٧)، ومسلم، كتاب الصلاة (١/ ٣١٦، ٣١٧).
(٢) أي: فليمسك وليحبس، وذلك بوضع يده على فيه. ينظر: "القاموس" (ص ١٤٩٠) و"المصباح المنير" (٢/ ٧٣٣).
(٣) مسلم، كتاب الزهد والرقاق (٤/ ٢٢٩٣) والترمذي، كتاب الأدب، باب ما جاء إن اللَّه يحب العطاس ويكره التثاؤب (٥/ ٨٦) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. اهـ
(٤) ينظر: "شرح منتهى الإرادات" (١/ ٢٠٢) ولم أقف على من هو هذا البعض.
(٥) البصاق: ماء الفم إذا خرج منه. ينظر: "القاموس" (ص ١١٢١).
(٦) المخاط: السائل من الأنف. ينظر: "القاموس" (ص ٨٨٧).
(٧) النخامة: هي الشيء المدفوع من الصدر أو الأنف. ينظر: "القاموس" (ص ١٤٩٩).
(٨) ينظر: "شرح منتهى الإرادات" (١/ ٢٠٢) ولم أقف على من هو هذا البعض، ولفظ "اليسرى" جاء به الحديث كما سيأتي في الهامش.
(٩) هو: القاسم بن مهران القيسي. أحد رجال إسناد هذا الحديث عند مسلم. ينظر: "تهذيب الكمال" للمزي (٢٣/ ٤٥٢).
[ ١ / ٢٢٠ ]
في ثوبه فمسح بعضه على بعض" (١). ولحديث: "البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها" رواه مسلم (٢). وهل المراد بالخطيئة: الحرمة أو الكراهة؟ قولان (٣)، ذكره. . . . . . . . .
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب حك المخاط بالحصى. . . (١/ ١٠٦)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٣٨٩) عن أبي هريرة -﵁- واللفظ لمسلم. وأخرجاه -أيضًا- من حديث أبي هريرة وأبي سعيد -﵄-. وفي بعض ألفاظ الحديث: "أو تحت قدمه اليسرى".
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب كفارة البزاق في المسجد (١/ ١٠٧)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٣٩٠) عن أنس بن مالك -﵁-.
(٣) القول الأول: أن ذلك للتحريم. فلا يجوز البصاق في المسجد، ومن فعله فقد وقع في الحرام. فإن اضطر إليه جاز على أن يزيله بدفن ونحوه. وهذا مذهب: الحنفية، والشافعية، والحنابلة. قال ابن رجب: وهو أكثر النصوص عن أحمد. القول الثاني: يجوز ذلك شرط إزالتها بدفنٍ أو نحوه. وهو قول القاضي عياض والقرطبي من المالكية. واختاره المجد من الحنابلة. وذهب مالك -وهو رواية عن الإمام أحمد- إلى التفريق بين المسجد المحصَّب وغيره، فيجوز في المحصَّب شرط أن يزيلها. وللمالكية في هذه المسألة تفصيلات كثيرة. دليل القول الأول: عموم قوله -ﷺ-: "البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها" ووجه الاستدلال: أن الحديث دل على أن الخطيئة تكتب بمجرد البزاق. ودليل القول الثاني: قوله -ﷺ-: "من تنخع في المسجد فلم يدفنه فسيئة، وإن دفنه فحسنة" رواه الإمام أحمد وحسنه الحافظ في "الفتح" فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن. والصواب: الأول، لأن بيان كفارةِ خطيْئة من الخطايا لا يدل على جواز مواقعتها، كما هو الحال في قتل الصيد في الإحرام ونحو ذلك. وقوله -ﷺ-: "من تنخع. . . " بيان للحكم إذا وقع هذا الأمر. فلا يعارض الأحاديث في النهي عن البزاق في المسجد، لأنها جاءت بالنهي، وبينت كفارة هذا الذنب. واللَّه أعلم. ينظر: "الأشباه والنظائر" لابن نجيم (٤٣٩)، و"الفتاوى الهندية" (١/ ١١٠)، و"مواهب الجليل شرح مختصر خليل" (٢/ ٤٤٧)، و"حاشية الدسوقي" (١/ ٣٠٨، ٣٠٩)، و"المجموع" للنووي (٤/ ١٠١)، و"إعلام الساجد بأحكام المساجد" للزركشي (ص ٣٠٨)، =
[ ١ / ٢٢١ ]
السيوطي (١).
(ويكره) بصاقه ونحوه (أمامه و) على (يمينه) لظاهر الخبر (٢)، واحترامًا لحَفَظَة اليمين (٣).
ويلزم من رأى بصاقًا ونحوه في المسجد إزالته؛ لخبر أبي ذر: "وجدت في مساوئ أعمالنا النخامة تكون في المسجد لا تدفن" رواه مسلم (٤).
وسن صلاته إلى سترة، فإن كان في مسجد أو بيت، صلى إلى حائط أو سارية، وإن كان في فضاء، صلى إلى سترة بين يديه مرتفعة قدر ذراع فأقل؛ لحديث طلحة بن عبيد اللَّه -مرفوعًا-: "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل
_________________
(١) = و"شرح مسلم" للنووي (٥/ ٤١)، و"فتح الباري" لابن حجر (١/ ٥١٢)، و"تحفة الراكع والساجد في أحكام المساجد" للجراعي (ص ٢٠٠)، و"فتح الباري" لابن رجب (٣/ ١٢٨، ١٢٩)، و"الفروع" لابن مفلح (١/ ٣٦٣).
(٢) لم أقف على اسم الكتاب الذي ذكر فيه السيوطي هذا. والسيوطي: هو جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال بن محمد الأسيوطي. ولد في مستهل رجب سنة (٨٤٩ هـ) عالم كبير القدر والذِّكر من أعلام الشافعية. ألف أكثر من خمسمائة مؤلَّف منها: "الدر المنثور في التفسير بالمأثور"، و"الاتقان في علوم القرآن"، و"تدريب الراوي في مصطلح الحديث" وغيرها. توفي سنة (٩١١ هـ). ينظر: "حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة" للسيوطي (١/ ٣٣٥)، و"الضوء اللامع" للسخاوي (٤/ ٦٥، ٧٠)، و"الكواكب السائرة" للغزي (١/ ٢٢٦، ٢٣١)، و"مفاكهة الخلان في حوادث الزمان" لابن طولون (١/ ٢٩٤).
(٣) وهو حديث أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي اللَّه ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه، فإن عن يمينه ملكًا، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه فيدفنها". رواه البخاري، في باب دفن النخامة في المسجد (١/ ١٠٧).
(٤) لقوله -ﷺ- في حديث أبي هريرة: "فإن عن يمينه ملكًا" وقد تقدم في الحاشية السابقة لهذه.
(٥) في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٣٩٠).
[ ١ / ٢٢٢ ]
مؤخرة الرحل (١) فليصل ولا يبالي من مرّ وراء ذلك" رواه مسلم (٢)، ومؤخرة الرحل: عود في مؤخره، وتختلف، فتارة تكون ذراعًا وتارة تكون دونه، والمراد رحل البعير وهو أصغر من القتب (٣)، وسواء في ذلك الحضر والسفر، خشي مارًا بين يديه أم ألا. وكان يركز له -ﷺ- الحربة (٤) في السفر، فيصلي إليها (٥)، ويعرض له البعير، فيصلي إليه (٦).
وعرض السترة أعجب إلى الإمام أحمد -﵁- قال: ما كان أعرض فهو أعجب إلي انتهى (٧). لحديث سبرة (٨) -مرفوعًا-: "استتروا في الصلاة ولو بسهم" رواه الأثرم (٩)، فقوله: "ولو بسهم". يدل على أن غيره أولى منه.
ويسن قربه منها نحو ثلاثة أذرع من قدميه؛ لحديث سهل بن أبي حثمة مرفوعًا: "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته" رواه أبو داود (١٠)، وعن سهل بن سعد: (كان بين النبي -ﷺ-
_________________
(١) هي الخشبة التي يستند إليها الراكب من كور البعير. والرحل: هو المركب المعد للراكب بمنزلة السرج للفهرس. ينظر: "النهاية" (١/ ٢٩)، و"المصباح المنير" (١/ ٣٠٣)، و"القاموس" (ص ١٢٩٨).
(٢) في صحيحه، كتاب الصلاة (١/ ٣٥٨).
(٣) القتب: رحل صغير على قدر سنام البعير. ينظر: "الصحاح" (١/ ١٩٨).
(٤) الحربة: الرمح. ينظر: "المصباح" (١/ ١٧٤).
(٥) البخاري، كتاب الصلاة، باب سترة الإمام سترة من خلفه (١/ ١٢٦) عن ابن عباس -﵄-.
(٦) البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة إلى الراحلة والبعير. . . (١/ ١٢٨) ومسلم، كتاب الصلاة (١/ ٣٥٩) عن ابن عمر -﵄-.
(٧) ينظر: "الإنصاف" (٣/ ٦٤٠)، و"الشرح الكبير" (٣/ ٦٣٨).
(٨) في الأصل: (سمرة) وكذا في "شرح منتهى الإرادات" (١/ ٢٠٣) والصحيح ما أثبته.
(٩) أحمد في "المسند" (٣/ ٤٠٤)، وصححه ابن خزيمة -كما في "صحيحه"- (٢/ ٢٧).
(١٠) في سننه، كتاب الصلاة، باب الدنو من السترة (١/ ٤٤٦)، والنسائي، كتاب القبلة، =
[ ١ / ٢٢٣ ]
وبين السترة ممر الشاة) رواه البخاري (١)، و"صلى في الكعبة، وبينه وبين الجدار نحو من ثلاثة أذرع" رواه أحمد والبخاري (٢).
وسن انحرافه عنها يسيرًا؛ لفعله ﵊، رواه أحمد وأبو داود (٣). وإن تعذر غرز عصا وضعها بين يديه.
ويصح تستر ولو بخيط أو طرف حصير وكل ما اعتقده سترة، وسترة مغصوبة ونجسة كغيرها، قدمه في "الرعاية" (٤) وفيه وجه، وفي "الإنصاف" (٥): الصواب أن النجسة ليست كالمغصوبة. فتكره الصلاة إلى المغصوبة كالقبر.
فإن لم يجد شيئًا خط خطًّا كالهلال، وصلى إليه؛ لحديث أبي هريرة -مرفوعًا-: "إذا صلى أحدكم، فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، وإن لم يجد،
_________________
(١) = باب الأمر بالدنو من السترة (٢/ ٦٢)، وصححه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٢٥٢)، والنووي في "المجموع" (٣/ ٢٤٤).
(٢) في صحيحه، كتاب الصلاة، باب قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلي والسترة (١/ ١٢٦، ١٢٧).
(٣) "المسند" (٢/ ١١٣، ١٣٨) (٦/ ١٣)، والبخاري، كتاب الصلاة، باب حدثنا إبراهيم بن المنذر (١/ ١٢٨) عن عبد اللَّه بن عمر -﵄-.
(٤) أخرجه الإمام أحمد (٦/ ٤)، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب إذا صلى إلى سارية أو نحوها أين يجعلها منه؟ (١/ ٤٤٥) عن ضباعة بنت المقداد بن الأسود عن أبيها أنه قال: "ما رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر ولا يصمد له صمدًا". قال الحافظ عبد الحق في "الأحكام الوسطى" (٢/ ١٢٧): ليس إسناده بقوي. اهـ وأقره ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (٣/ ٣٥١). قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٤/ ١٩٧): وأما استقبال السترة والصمد لها، فلا تحديد في ذلك عند العلماء، وحسب المصلي أن تكون سترته قبالة وجهه" اهـ
(٥) ينظر: "الإنصاف" (٣/ ٦٤١).
(٦) (٣/ ٦٤١).
[ ١ / ٢٢٤ ]
فلينصب عصًا، فإن لم يكن معه عصًا، فليخط خطًّا، ثم لايضر من مر أمامه" رواء أبو داود (١)، فإذا مرَّ من ورائها، لم يكره.
فإن لم تكن سترة فمر بين يديه كلب أسود بهيم (٢)، بطلت صلاته، وكذا لو مر بينه وبين سترته؛ لحديث أبي ذر مرفوعًا: "إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره مثل آخرة الرحل، فإن لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته المرأة والحمار والكلب الأسود" قال عبد اللَّه بن الصامت (٣): ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول اللَّه عما سألتني، فقال: "الكلب الأسود شيطان" رواه مسلم وغيره (٤).
ولا تبطل الصلاة إذا مر بين يديه امرأة وحمار وشيطان وكلب غير أسود بهيم؛ لأن زينب بنت أم سلمة مرت بين يدي النبي -ﷺ- فلم يقطع صلاته (٥).
وعن الفضل بن عباس: أتانا رسول اللَّه -ﷺ- ونحن في بادية، فصلى في
_________________
(١) في سننه، كتاب الصلاة، باب الخط إذا لم يجد عصا (١/ ٤٤٣)، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما يستر المصلي (١/ ٣٠٣)، قال الحافظ في "بلوغ المرام" (ص ٤٧): صححه ابن حبان، ولم يصب من زعم أنه مضطرب، بل هو حسن. اهـ ونقل ابن عبد البر في "التمهيد" (٤/ ١٩٩) عن أحمد وابن المديني تصحيح هذا الحديث.
(٢) البهيم: الأسود الذي لم يشبه غيره. ينظر: "القاموس"، (ص ١٣٩٨).
(٣) هو عبد اللَّه بن الصامت الغفاري. ابن أخي أبي ذر. روى عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وابن عمر وحذيفة وأبي ذر وعائشة -﵃- ثقة. روى له مسلم، واستشهد به البخاري في "الصحيح"، وروى له في "الأدب المفرد"، ينظر: "تهذيب الكمال" (١٥/ ١٢٠، ١٢١)، و"تقريب التهذيب" (ص ٢٥٠).
(٤) مسلم، كتاب الصلاة (١/ ٣٦٥).
(٥) أخرجه ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها (١/ ٣٠٥) قال في "الزوائد": إسناده ضعيف. اهـ.
[ ١ / ٢٢٥ ]
الصحراء ليس بين يديه سترة، وحمار لنا وكلبة يعبثان بين يديه، فما بالى بذلك. رواه أبو داود (١)، قلت: وهذا يخالف عبارة "شرح المنتهى" للعلامة منصور (٢)، لكنه مخصوص بحديث أبي ذر فتدبرها، يبن لك أن كلام "الشارح" (٣) غير مستقيم، وما في "شرح المنتهى" هو الصواب؛ لتخصيص حديث أبي ذر الصحيح، المتقدم آنفًا (٤): أنه يقطع صلاته المرأة
_________________
(١) في سننه، كتاب الصلاة، باب من قال: الكلب لا يقطع الصلاة (١/ ٤٥٩)، والنسائي، كتاب القبلة، باب ذكر ما يقطع الصلاة وما لا يقطع إذا لم يكن بين يدي المصلي سترة (٢/ ٦٥)، قال الحافظ عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الوسطى" (٢/ ١٢٨): إسناده ضعيف. اهـ وأقره ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (٣/ ٣٥٤).
(٢) كذا قال المؤلف. والكلام يوافق عبارة "شرح المنتهى" للعلامة منصور لا يخالفه! ! والمؤلف ينقل عنه بالحرف. ينظر: "شرح منتهى الإرادات" (١/ ٢٠٥).
(٣) الشارح هو: عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة، صاحب "الشرح الكبير". وقد رجَّح أن مرور المرأة واحمار بين يدي المصلي تبطل الصلاة. ينظر: "الشرح الكبير" (٣/ ٦٥٠، ٦٥١)، و"الإنصاف" (٣/ ٦٥٢). وقوله هذا هو الرواية الثانية عن الإمام أحمد. اختارها -أيضًا- المجد. وابن تيمية. قال ابن القيم في "زاد المعاد" (١/ ٧٨، ٧٩): فإن لم يكن سترة فإنه صح عنه أنه يقطع صلاته: المرأة والحمار والكلب الأسود. وثبت ذلك عنه من رواية أبي ذر وأبي هريرة وابن عباس وعبد اللَّه بن مغفل. ومعارض هذه الأحاديث قسمان: صحيح غير صريح، وصريح غير صحيح، فلا يترك لمعارضٍ هذا شانه. وكان عمر يصلي وعائشة -﵂- نائمة في قبلته، وكان ذلك ليس كالمار، فإن الرجل محرم عليه المرور بين يدي المصلي ولا يكره له أن يكون لابثًا بين يديه، وهكذا المرأة يقطع مرورها الصلاة دون لبثها. واللَّه أعلم. اهـ وبهذا يتبين رجحان رواية بطلان الصلاة بمرور مَنْ ذكر، لأن أدلة القول الأول ضعيفة، إما من جهة الإسناد كحديث الفضل السابق. وإما من جهة الإستدلال، كالاستدلال بحديث اعتراض عائشة -﵂- في قبلة النبي -ﷺ-.
(٤) (ص ٢٢٤).
[ ١ / ٢٢٦ ]
والحمار والكلب الأسود، فتأمل ذلك.
وسترة الإمام سترة لمن خلفه (١)، فلا يضر مرور شيء بين أيديهم، ولو مما يقطع الصلاة. وإن مر بين الإمام وبين سترته ما يقطع صلاته، قطع صلاتهم -أيضًا-.
_________________
(١) لما روى أنس -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "سترة الإمام سترة لمن خلفه" رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه ضعف. ينظر: "مجمع الزوائد" (٢/ ٦٢)، وقد روى عبد الرزاق في "المصنف" (٢/ ١٨) بإسناد جيد عن ابن عمر مثله موقوفًا عليه. وقد بوَّب البخاري في "صحيحه" (١/ ١٢٦): باب سترة الإمام سترة من خلفه. اهـ
[ ١ / ٢٢٧ ]