الفصلُ هو: الحجز بين شيئين، ومنه فصل الربيع لحجزه بين الشتاء والصيف (١).
وهو في كتب العلم حاجز بين أجناس المسائل وأنواعها (٢). (كل إناء طاهر يباح اتخاذه واستعماله) ولو كان ثمينًا، كالمتخذ من الجوهر والياقوت والزمرُّد، إلا من عظم الآدمي وجلده، فيحرم لحرمة الآدمي، لا لنجاسته؛ لأن ميتته طاهرة.
والآنية لغة وعرفًا: الأوعية. جمع إناء ووعاء (٣)، (إلا أن تكون ذهبًا أو فضة) فيحرم اتخاذها واستعمالها، لحديث حذيفة -مرفوعًا-: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" (٤). ولحديث أم سلمة -ترفعه-: "الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" متفق عليهما (٥). والجرجرة: صوت وقوع الماء بانحداره في الجوف (٦). وغير الأكل والشرب في معناهما.
_________________
(١) ينظر: "معجم مقاييس اللغة" (٤/ ٥٠٥)، و"القاموس" (١٣٤٧).
(٢) "المطلع على أبواب المقنع" (ص ٧).
(٣) "المطلع" (ص ٨)، و"تحرير ألفاظ التنبيه" للنووي (ص ٣٢).
(٤) حديث حذيفة أخرجه البخاري، كتاب الأشربة (٦/ ٢٥١)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة (٣/ ١٦٣٧).
(٥) البخاري في الأشربة (٦/ ٢٥١)، ومسلم في الباس والزينة (٣/ ١٦٣٤) وفي لفظ له: "من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه نارًا من جهنم" وليس في لفظ البخاري: "من ذهب".
(٦) "القاموس" (ص ٤٦٤)، و"الزاهر" للأزهري (ص ٣١).
[ ١ / ٢٥ ]
وكذا يحرا اتخاذ واستعمال مموه بذهب أو فضة، وهو: إناء من نحاس (١) يلقى فيما أذيب من ذهب أو فضة فيكتسب دونه كمصمتٍ (٢)، ومُطعّم بذهب أو فضة، بأن يحفر في إناء من نحو خشب حفْرٌ، ويوضع فيها قطع ذهب أو فضة بقدرها، ومُكفتٍ، بأن يُبْرد الإناء حتى يصير فيه شبه المجاري، ويوضع فيها شريط رقيق هت ذهب أو فضة، ويدق عليه حتى يلصق كل ذلك، كمصمت في الحرمة. (أو مضببًا بأحدهما) أقي الذهب والفضة، فيحرمُ اتخاذه واستعماله (لكن تباح ضبةٌ يسيرةٌ) لا كثيرة (من فضة) لا من ذهب (لحاجة) كأن انكسر إناء خشب ونحوه، فضبب كذلك، فلا يحرمُ؛ لحديث أنس -﵁- أن قدح النبي -ﷺ- انكسر، فاتخذ مكان الشَّعْبِ (٣) سلسلة من فضة. رواه البخاري (٤). وهذا مخصص لعموم الأحاديث السابقة، فإن كانت من ذهب، أو كبيرة من فضة حرمت مطلقًا، وكذا إن كانت يسيرة لغير حاجة. والحاجة أن يتعلق بها غرض غير زينة (٥)
_________________
(١) أو حديد أو نحو ذلك. ينظر: "لسان العرب" (١٣/ ٥٤٤).
(٢) حَلي مصمتٌ: إذا كان لا يخالطه غيره. ينظر: "لسان العرب" (٢/ ٥٦).
(٣) الشَّعبُ هنا: الصَّدْعُ والشَّقُّ الذي فيه. ينظر: "لسان العرب" (٢/ ٥٦).
(٤) البخاري، كتاب الأشربة، باب الشرب من قدح النبي -ﷺ- وآنيته (٦/ ٢٥٢).
(٥) قال شيخ الإسلام -كما في "الفتاوى" (٢١/ ٨١ - ٨٤) -: ومراد الفقهاء بالحاجة منا: أن يحتاج إلى تلك الصورة، كما يحتاج إلى التشعيب والشعيرة، سواء كان من فضة أو نحاس، أو حديد، أو غير ذلك. وليس مرادهم أن يحتاج إلى كونها من فضة، بل هذا يسمونه في مثل هذا ضرورة، والضرورة تبيح الذهب والفضة مفردًا أو تبعًا. . . إلى أن قال: وإذا تبين الفرق بين ما يسميه الفقهاء في هذا الباب حاجة، وما يسمونه ضرورة: فيسير الفضة التابع يباح عندهم للحاجة، كما في حديث أنس. . . وأما إن كان اليسير للزينة ففيه أقوال في مذهب أحمد وغيره. . . اهـ. وقال في "كشاف القناع" (١/ ٥٢): (وهي) أي الحاجة (أن يتعلق بها) أي الضبَّة (غرض غير زينة) بأن تدعو الحاجة إلى فعلها، لا أن لا تندفع بغيرها، فتجوز الضبة المذكورة عند انكسار القدح ونحو (ولو وجد غيرها) أي غير الضبة اليسيرة من الفضة، لأن احتياجه إلى كونها من =
[ ١ / ٢٦ ]
وإن وجد غيرها. وتكره مباشرة ضبة الفضة بلا حاجة.
(وما لم تعلم نجاسته من آنية كفار وثيابهم) ولو وليت عوراتهم (طاهر) (١) لقوله تعالى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٢) وهو يتناول ما لا يقوم إلا بآنية. ولأنه -ﷺ- وأصحابه -﵃- توضؤوا من مزادة مشركة. متفق عليه (٣). ولأن الأصل الطهارة، فلا تزول بالشك، وبدن الكافر طاهر، وكذا ما صبغه أو نسجه. قيل لأحمد عق صبغ اليهود بالبول فقال: المسلم والكافر في هذا سواء، ولا يسأل عن هذا ولا يبحث عنه، فإن علمت، فلا تصل فيه حتى تغسله. انتهى (٤).
(ولا يطهر جلد ميتة بدباغ) لكن جلد مأكول اللحم، وكذا كل ما كان طاهرًا في الحياة، كالهر، ونحوه إذا دبغ أبيح استعماله في اليابسات، لحديث مسلم أن النبي -ﷺ- وجد شاة ميتة أُعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة فقال: "ألا أخذوا أهابها فدبغوه فانتفعوا به" (٥). (وكل أجزائها) أي الميتة كقرنها
_________________
(١) = ذهب أو فضة بأن لا يجد غيرها ضرورة، وهي تبيح المنفرد. اهـ
(٢) في مطبوعة "أخصر المختصرات" (ص ٨٩): طاهرة.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٥.
(٤) ذى الألباني في "إرواء الغليل" (١/ ٧٢) أن هذا وهمٌ، وإنما المثبت في الصحيحين من حديث عمران بن حصين: أن النبي - ﷺ - شرب هو وأصحابه من مزادة مشركة. وأعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، وقال: "اذهب فافرغه عليك". البخاري في التيمم من "صحيحه" (١/ ٨٨ - ٨٩)، ومسلم في المساجد من "صحيحه" (١/ ٤٧٤ - ٤٧٦).
(٥) ذكرها ابن مفلح في "المبدع" (١/ ٧٠) والصبغ هو تغيير لون الثوب، فيزال عن حاله إلى حال سوادٍ، أو حمرق، أو صفرةٍ. ينظر: "تاج العروس" (٢٢/ ٥٢٣). قال في "المغني" (١/ ١١٤): إذا صبغ في حُبِّ صبَّاغٍ لم يجب غسل الثوب المصبوغ، سواء كان الصباغ مسلمًا أو كتابيًا أو كافرًا، نصَّ عليه أحمد. لأن الأصل الطهارة. فإن تحققت نجاسته طهر بالغسل وإن بقي اللون. اهـ. ينظر: "الشرح الكبير" (١/ ١٦١).
(٦) مسلم، كتاب الحيض (١/ ٢٧٦) من حديث ابن عباس، وهو في "صحيح البخاري" =
[ ١ / ٢٧ ]
وعظمها وظفرها وعصبها وحافرها ولبنها وإنفحتها (١) وجلدتها (٢) (نجسة إلا شعرًا ونحوه) كصوف ووبر وريش من حيوان طاهر في الحياة، فإنه طاهر، لكن أصوله نجسة، (والمنفصل من) حيوان (حيٍّ كميتته) طهارة ونجاسةً، فما قطع من السمك مع بقاء حياته طاهر، لأن ميتته كذلك، بخلاف ما قطع من بهيمة الأنعام، إلا نحو طريدة الصيد (٣) -وتأتي في بابها إن شاء اللَّه تعالى- وإلا المسك مع فأرته (٤).