وهو جائز إجماعًا (١) لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (٢) الآية، وقول يعلى (٣) لعمر بن الخطاب -﵄-: ما لنا نقصر وقد أمنّا! فقال: سألت رسول اللَّه -ﷺ- فقال: "صدقة تصدق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته" (٤) رواه مسلم.
(ويسن قصرُ) الصلاة (الرباعية) وهي الظهر والعصر والعشاء إلى ركعتين، ولا تقصر صبح ولا مغرب (في سفر طويل) يبلغ ستة عشر فرسخًا تقريبًا، برًّا أو بحرًا، وهي يومان قاصدان، بسير الأثقال، ودبيب الأقدام. والفرسخ: ثلاثة أميال هاشمية. وبأميال بني أمية: ميلان ونصف، والميل الهاشمي: اثنا عشر ألف قدم، وهي: ستة آلاف ذراع، بذراع اليد. والذراع: أربعة وعشرون إصبعًا، معترضة، معتدلة، عرض كل إصبع ست حبات شعير، بطون بعضها إلى بعض، عرض كل شعيرة ست شعرات برذون. وهو بالبرد أربعة، لحديث ابن عباس -مرفوعًا-: "يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أبيبعة بُرد، من مكة إلى عسفان" (٥) رواه الدارقطني. وروي موقوفًا عليه (٦). قال الخطابي (٧): هو أصح الروايتين عن ابن
_________________
(١) "الإجماع" لابن المنذر (ص ٤٢).
(٢) سورة النساء، الآية: ١٠١.
(٣) في الأصل: علي. والمثبت من "شرح منتهى الإرادات" (١/ ٢٧٤).
(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها (١/ ٤٧٨).
(٥) الدارقطني، الصلاة، باب قدر المسافة التي تقصر في مثلها صلاة. . (١/ ٣٨٧). قال في "التعليق المغني": إسناده ضعيف. اهـ
(٦) أخرجه الشافعي في "مسنده" (ص ٢٥) قال في "التعليق المغني" (١/ ٣٨٧): وإسناده صحيح. اهـ
(٧) هو: حَمْد بن محمد البستي الخطابي، إمام علامة مشهور. ولد سنة بضع عشرة وثلاثمائة. له: "غريب الحديث" و"العزلة" وغير ذلك. توفي سنة (٣٨٨ هـ) "سير أعلام النبلاء" (١٧/ ٢٣).
[ ١ / ٣٢٤ ]
عمر (١). وقول الصحابي حجة، خصوصًا إذا خالف القياس (مباح) أي ليس بحرام، ولا مكروه، واجبًا كان، كحج، وجهاد متعينين، أو مسنونًا، كزيارة رحم، أو مستوي الطرفين، كتجارة، ولو كان نزهة، أو فرجة، أو قَصَدَ مشهدًا، أو قبر نبي (٢)، أو مسجدًا غير الثلاثة، ونحوه. أو عصى في سفره. وعلم منه: أنه لا يقصر من خرج في طلب آبق، أو ضالة، ولو جاوز المسافة، لأنه لم ينوه، وأن من نواه وقصر، ثم رجع قبل استكماله، فلا إعادة عليه، لأن المعتبر نية المسافة، لا حقيقتها.
وقِنٌّ سافر مع سيده، وزوجة سافرت مع زوجها، وجندي سافر مع أمير، يكونون تبعًا لسيد، وزوج، وأمير في سفر، ونيته.
ومحل جواز القصر إذا فارق بيوت قريته العامرة، أو خيام قومه، إن استوطنوا الخيام (ويقضي) من فاته صلاة (صلاة سفر في حضر) تامة، (وعكسه) كمن فاته صلاة في حضر، وأراد أن يقضيها في سفر، فإنه يقضيها (تامة) لأنه الأصل.
(ومن نوى إقامة مطلقة بموضع) أي غير مقيدة بزمن، ولو في نحو مفازة، أو نوى إقامة ببلد (أو) مفازة (أكثر من أربعة أيام) أو نوى إقامة لحاجة، وظن أن لا تنقضي إلا بعد الأربعة (أو ائتم بمقيم) أو بمن يلزمه الإتمام، سواء ائتم به في كل الصلاة، أو بعضها، علمه مقيمًا، أم لا (أتم) في الجميع. أو مر بوطنه، أو ببلد تزوج فيه، أتم، لأنه صار في سورة المقيم، وظاهره: ولو بعد فراق الزوجة، أو دخل وقت صلاة عليه حضرًا، ثم سافر، أو أوقع بعضها في الحضر، بأن أحرم بالصلاة مقصورة بنحو
_________________
(١) "معالم السنن" (٢/ ٥٠).
(٢) قصد المشهد، أو قصد قبر نبي: لا يجوز السحفر بهذه النية، وبهذا القصد. لقوله -ﷺ-: "لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" أخرجاه في الصحيحين. ينظر: "الرد على الأخنائي" لابن تيمية. و"الرد على البكري" له.
[ ١ / ٣٢٥ ]
سفينة، ثم وصلت إلى وطنه، أو محل نوى الإقامة به، أتم، تغليبًا لحكم الحضر، لأنه الأصل.
ولا يكره إتمام رباعية لمن له قصرها، لحديث عائشة: "أتمَّ النبي -ﷺ- وقصر" (١) رواه الد ارقطني، وصححه.
والقصر أفضل من الإتمام، نصًا (٢)، لأنه -ﷺ- وخلفاؤه داوموا عليه. وروى أحمد، عن عمر: "إن اللَّه يحب أن تُؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته" (٣).
(وإن حبس ظلمًا) أو حبس بمطر، أو بمرض، ونحوه (أو لم ينو إقامة) أو أقام لحاجة بلا نية إقامة، ولا يدري متى تنقضي (قصر أبدًا) لأن النبي -ﷺ- أقام بتبوك عشرين يومًا يَقْصُر الصلاة (٤). رواه أحمد، "وأقام -ﷺ- بمكة حين فتحها تسعة عشر يومًا يصلي ركعتين" (٥) رواه البخاري، وقال أنس: "أقام أصحاب النبي -ﷺ- برامَهُرْمُز (٦) تسعة أشهر، يَقْصرونَ الصلاة" (٧) رواه البيهقي، بإسناد حسن.
_________________
(١) الدارقطني، في كتاب الصيام، باب القبلة للصائم (٢/ ١٨٩).
(٢) "الإنصاف" (٥/ ٤٨).
(٣) أحمد في "المسند" (٢/ ١٠٨).
(٤) أحمد في "المسند" (٣/ ١٠٥).
(٥) البخاري، كتاب المغازي، باب مقام النبي -ﷺ- بمكة زمن الفتح (٧/ ٦١٥).
(٦) رَامَهُرْمُز: معنى (رام) بالفارسية المراد والمقصود، وهُرمز أحد الأكاسرة، فكأن هذه اللفظة مركبة معناها: مقصود هُرْمُز أو مراد هُرْمز. وهي مدينة مشهورة بنواحي خوزستان تجمع النخل والجوز والأترنج، وليس ذلك يجتمع بغيرها من دون خوزستان. "معجم البلدان" (٣/ ١٩).
(٧) البيهقي، في أبواب صلاة المسافر والجمع في السفر، باب من قال: يقصر أبدًا ما لم يجمع مكثًا (٣/ ١٥٢).
[ ١ / ٣٢٦ ]