والتطوع في الأصل: فعل الطاعة (١). وشرعًا وعرفًا: طاعة غير واجبة (٢). والنفل والنافلة: الزيادة (٣)، والتنفل: التطوع (٤)، وأفضلها ما سن جماعة، فلذلك قال: (آكد صلاة تطوع) صلاة (كسوف) لأنه -ﷺ- فعلها، وأمر بها، في حديث أبي (٥) مسعود المتفق عليه (٦) (فاستسقاء) لأنه -ﷺ- كان يستسقي تارة، ويترك أخرى، بخلاف الكسوف، فلم تترك صلاته عنده فيما نقل عنه، لكن ورد ما يدل على الاعتناء بالاستسقاء، حديث أبي داود عن عائشة: "أمر بمنبر فوضع له ووعد الناس يومًا يخرجون فيه" (٧) (فتراويح) لأنها تسن في الجماعة (فوتر) لأنه يشرع له الجماعة بعد التراويح.
وهو سنة مؤكدة.
روي عن أحمد: من ترك الوتر عمدًا، فهو رجل سوء، لا ينبغي أن تقبل له شهادة (٨). وليس هو بواجب. قال في رواية حنبل: الوتر ليس
_________________
(١) ينظر: "القاموس": (ص ٩٦٢) و"التوقيف على مهمات التعاريف" (ص ١٨٢).
(٢) ينظر: "الروض المربع" (٢/ ١٧٨) و"مفردات القرآن" للراغب (ص ٥٣٠)، و"النظم المستعذب" (١/ ٨٩).
(٣) ينظر: "تهذيب اللغة" (١٥/ ٣٥٥).
(٤) ينظر: "التعريفات" للجرجاني (ص ٣١٥)، و"مفردات القرآن" (ص ٥٣٠)، و"أنيس الفقهاء" (ص ١٠٥).
(٥) في الأصل (ابن) الصواب ما أثبته.
(٦) يأتي تخريجه في صلاة الكسوف (ص ٣٦٥).
(٧) يأتي تخريجه في صلاة الاستسقاء (ص ٣٦٩).
(٨) "الانتصار في المسائل الكبار" (٢/ ٤٨٩)، و"المغني" (٢/ ٥٩٤).
[ ١ / ٢٤٣ ]
بمنزلة الفرض، فإن شاء قضى الوتر، وإن شاء لم يقضه (١). وذلك لحديث طلحة بن عبيد اللَّه: أن أعرابيًا قال: يا رسول اللَّه ماذا فرض اللَّه على عباده من الصلاة؟ قال: "خمس صلوات في اليوم والليلة". قال: هل عليّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوع" متفق عليه (٢).
وأما حديث: "الوتر حق" (٣) ونحوه (٤)، فمحمول على تأكيد استحبابه، جمعًا بين الأخبار، إلا على النبي -ﷺ-، فكان الوتر واجبًا عليه، للخبر (٥) (ووقته من صلاة العشاء) ولو مع جمع تقديم في وقت المغرب (إلى الفجر) الثاني، لحديث معاذ سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "زادني ربي
_________________
(١) "شرح منتهى الإرادات" (١/ ٢٢٤).
(٢) البخاري، كتاب الإيمان، باب الزكاة من الإسلام (١/ ١٧)، ومسلم، كتاب الإيمان (١/ ٤١).
(٣) أحمد، في "المسند" (٥/ ٣٥٧)، وأبو داود، كتاب الوتر، باب فيمن لم يوتر (١/ ١٢٩) عن بريدة. قال النووي في "المجموع" (٤/ ٢١): حديث بريدة في روايته عبيد اللَّه بن عبد اللَّه العتكي أبو المنيب، والظاهر أنه منفرد به، وقد ضعفه البخاري وغيره، ووثقه ابن معين وغيره، وادعى الحاكم أنه حديث صحيح. اهـ. وقال الحافظ في "بلوغ المرام" (ص ٧٦): سنده ليِّن، وصححه الحاكم. اهـ
(٤) كحديث خارجة بن حذافة، قال: خرج علينا رسول اللَّه -ﷺ- ذات غداة، فقال: "إن اللَّه قد أمدكم بصلاة، وهي خير لكم من حُمْر النعم، وهي الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر" رواه أبو داود والزمذي وابن ماجه. وسيأتي (ص ٢٤٥).
(٥) وهو: "ثلاث هنّ علي فريضة، وهن لكم تطوع: الوتر، وركعتا الضحى، وركعتا الفجر". رواه أحمد في "المسند" (١/ ٢٣١) والحاكم في "المستدرك" (١/ ٣٠٠)، والدارقطني (٢/ ٢١) من حديث ابن عباس. قال الذهبي في "تلخيص المستدرك": ما تكلم الحاكم عليه، وهو غريب منكر، ويحيى بن أبي حية ضعفه النسائي والدارقطني. اهـ وقال ابن الملقن في "الخلاصة" (١/ ١٧٨): إسناده ضعيف، ضعفه البيهقي وابن الجوزي. . . اهـ وذكر الحديث الغساني في كتابه "تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني" (ص ١٦٧) كما ذكره ابن الملقن في "خصائص الرسول" (٧٦، ٧٩) وضعف جميع طرقه.
[ ١ / ٢٤٤ ]
صلاة، وهي الوتر، ووقتها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر" رواه أحمد (١)، ولمسلم: "أوتروا قبل أن تصبحوا" (٢) وحديث: "إن اللَّه قد أمركم بصلاة، وهي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر، فصلوها فيما بين العشاء وطلوع الفجر" رواه أبو داود وغيره (٣).
والوتر آخر الليل لمن يثق بنفسه أنه يقوم أفضل، لحديث: "من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر من أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل" رواه مسلم (٤).
(وأقله) أي: الوتر (ركعة) لحديث ابن عمر وابن عباس -مرفوعًا-: "الوتر ركعة من آخر الليل" رواه مسلم (٥)، ولقوله ﵊: "من أحب أن يوتر بواحدة فليفعل" رواه أبو داود وغيره (٦).
_________________
(١) "المسند" (٥/ ٢٤٢) وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" مع شرحه الفيض (٤/ ٦١).
(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين (١/ ٥١٩) من حديث أبي سعيد.
(٣) أبو داود، كتاب الوتر، باب استحباب الوتر (٢/ ١٢٨) والترمذي، أبواب الوتر، ما جاء في فضل الوتر (٢/ ٣١٤) وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الوتر (١/ ٣٦٩) من حديث خارجة بن حذافة. قال الترمذي: حديث خارجة: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي حبيب. اهـ وضعفه البخاري، وعبد الحق. ينظر: "خلاصة البدر المنير" (١/ ١٧٧).
(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين (١/ ٥٢٠) عن جابر بن عبد اللَّه.
(٥) مسلم، كتاب صلاة المسافرين (١/ ٥١٨).
(٦) أبو داود، كتاب الوتر، باب كم الوتر (٢/ ١٣٢) والنسائي، كتاب قيام الليل، باب ذكر الاختلاف على الزهري (٣/ ٢٣٨)، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الوتر بثلاث وخمس وسبع وتسع (١/ ٣٧٦) من حديث أبي أيوب الأنصاري مرفوعًا: "الوتر حق فمن أحب أن يوتر بخمسِ فليفعل، ومن أحب. . . " إلخ. صححه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٣٠٢، ٣٠٣) وقال الحافظ في "البلوغ" (ص ٧٤): صححه ابن حبان، ورجح النسائي وقفه. وينظر: "التلخيص الحبير" (١/ ٢٩).
[ ١ / ٢٤٥ ]
ولا يكره الوتر بركعة لما تقدم (١)، ولثبوته -أيضًا- عن عشرة من الصحابة -﵃- ومنهم: أبو بكر (٢)، وعمر (٣)، وعثمان (٤)، وعائشة (٥).
(وأكثره) أي: الوتر (إحدى (٦) عشرة) ركعة (مثنى مثنى) يسلم من كل ركعتين (ويوتر بواحدة) لحديث عائشة: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، ويوتر منها بواحدة" وفي لفظ: "يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة" (٧).
وله أن يسرد عشرًا ثم يجلس، ويتشهد، ولا يسلم، ثم يأتي بالأخيرة، ويتشهد ويسلم. نص عليه الإمام (٨)، والأولى أفضل، لأنها أكثر عملًا، لزيادة النية، والتكبير، والتسليم.
وإن أوتر بتسع، تشهد بعد ثامنة ولا يسلم، ثم يأتي بالتاسعة ويتشهد ويسلم -كما تقدم؛ لحديث عائشة -وسئلت عن وتر رسول اللَّه -ﷺ-؟ قالت: "كنا نُعد له سواكه وطهوره فيبعثه اللَّه ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر اللَّه
_________________
(١) في حديث أبي أيوب السابق في التعليق قبله.
(٢) ابن أبي شيبة في "المصنف"، كتاب الصلاة، من كان يوتر بركعة (٢/ ٢٩٢).
(٣) ذكره عنه ابن المنذر في "الأوسط" (٥/ ١٧٧) ولفظه أن ابن عمر قال: الوتر ركعة، ويقول: كان ذلك وتر رسول اللَّه -ﷺ- وأبي بكر وعمر.
(٤) عبد الرزاق في "المصنف" في الصلاة، باب كم الوتر؟ (٣/ ٢٤) وابن أبي شيبة، كتاب الصلاة، من كان يوتر بركعة (٢/ ٢٩٢، ٢٩٣) وابن المنذر في "الأوسط" (٥/ ١٧٨).
(٥) ابن المنذر في "الأوسط" (٥/ ١٧٩).
(٦) في الأصل (أحد) والصواب ما أثبته. وهو على الصواب في "أخصر المختصرات" (ص ١١٨).
(٧) مسلم، كتاب صلاة المسافرين (١/ ٥٠٨).
(٨) ينظر: "الإنصاف" (٤/ ١١٥).
[ ١ / ٢٤٦ ]
ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر اللَّه ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعناه" (١).
وإن أوتر بسبع ركعات أو بخمس سردهن، فلا يجلس إلا في آخرهن، لحديث ابن عباس في صفة وتره -ﷺ-: "ثم توضأ، ثم صلى سبعًا أو خمسًا أوتر بهن لم يسلم إلا في آخرهن" رواه مسلم (٢).
وعن أم سلمة: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام وكلام" رواه أحمد ومسلم (٣).
(وأدنى الكمال) في الوتر (ثلاث) ركعات (بسلامين) بأن يصلي ثنتين ويسلم، ثم ركعة ويسلم؛ لأنه أكثر عملًا، وكان ابن عمر: "يسلم من ركعتين حتى يأمر ببعض حاجته" (٤).
ويجوز أن يصلي الثلاث بسلام واحد، قال أحمد: إن أوتر بثلاث، لم يسلم فيهن، لم يضيق عليه عندي (٥). يقرأ في الأولى من الثلاث بعد الفاتحة بـ ﴿سَبِّحِ﴾، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ لحديث أبي بن كعب: "أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يقرأ بهن في وتره"
_________________
(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين (١/ ٥١٣).
(٢) هذا اللفظ عند أبي داود، كتاب الصلاة، باب في صلاة الليل (٢/ ٩٥)، وقد أخرج الحديث: البخاري في الوتر، باب ما جاء في الوتر (٢/ ١٢) ومسلم، كتاب صلاة المسافرين (١/ ٥٢٥، ٥٣١).
(٣) ليس الحديث في "صحيح مسلم" وقد نسبه ابن قدامة في "المغني" (٢/ ٥٩١) إلى ابن ماجه، وهو في "المسند" (٦/ ٢٩٠، ٣١٠، ٣٢١)، والنسائي، كتاب قيام الليل، باب كيف الوتر بخمس (٣/ ٢٣٩) وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الوتر بثلاث وخمس وسبع وتسع (١/ ٣٧٦).
(٤) البخاري، في الوتر، باب ما جاء في الوتر (٢/ ١٢).
(٥) ينظر: "شرح منتهى الإرادات" (١/ ٢٢٦).
[ ١ / ٢٤٧ ]
رواه أبو داود (١).
(ويقنت) في الأخيرة من وتره (بعد الركوع ندبًا) لأنه صح عنه -ﷺ- من رواية أبي هريرة (٢)، وأنس (٣) وابن عباس (٤). وعن عمر وعلي أنهما كانا يقنتان بعد الركوع. رواه أحمد والأثرم (٥).
ولو كبر ورفع يديه بعد القراءة وقنت قبل الركوع جاز -أيضًا- لحديث أُبيّ بن كعب مرفوعًا: "كان يقنت في الوتر قبل الركوع" رواه أبو داود (٦)، وعن ابن مسعود -مرفوعًا- مثله رواه أبو بكر
_________________
(١) أبو داود، كتاب الوتر، باب ما يقرأ في الوتر (٢/ ١٣٢)، والنسائي، كتاب قيام الليل، باب نوع آخر من القراءة في الوتر (٣/ ٢٤٤) وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء فيما يقرأ في الوتر (١/ ٣٧٠).
(٢) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (١/ ٤٦٧).
(٣) البخاري، الوتر، باب القنوت قبل الركوع وبعده (٢/ ١٤) ومسلم، كتاب المساجد (١/ ٤٦٨).
(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب القنوت في الصلوات (٢/ ١٤٣) قال النووي في "المجموع" (٣/ ٥٠٢): إسناده حسن أو صحيح. اهـ تنبيه: الأحاديث السابقة كلها واردة في الصلاة المفروضة. والاستدلال بها هنا إنما هو عن طريق قياس النافلة على الفريضة. و"قيام الليل" لابن نصر، ينظر: "مختصر قام الليل" للمقريزي.
(٥) "المسند" (٣/ ١٦٦) عن أنس بن مالك أنه سئل: هل قنت عمر؟ قال: "نعم ومن هو خير من عمر: رسول اللَّه -ﷺ- بعد الركوع". والرواية عن علي -﵁- أخرجها البيهقي، كتاب الصلاة، باب من قال يقنت في الوتر بعد الركوع (٣/ ٣٩) عن أبي عبد الرحمن السلمي، أن عليًّا -﵁- "كان يقنت في الوتر بعد الركوع" وقد جاء عنهما -﵄- رواية أخرى أن الوتر قبل الركوع. ينظر: "مصنف ابن أبي شيبة" (٢/ ٣١٢) و"إرواء الغليل" (٢/ ١٦٤).
(٦) أبو داود، كتاب الصلاة، باب القنوت في الوتر (٢/ ١٣٥) معلقًا. ورواه موصولًا: النسائي، قيام الليل، ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر أبي في الوتر (٣/ ٢٣٥) وابن ماجه، إقامة الصلاة، باب ما جاء في القنوت قبل الركوع وبعده (١/ ٣٧٤). =
[ ١ / ٢٤٨ ]
الخطيب (١). (٢)
وروى الأثرم عن ابن مسعود: "أنه كان يقنت في الوتر، وكان إذا فرغ من القراءة كبر ورفع يديه، ثم قنت، فيرفع يديه إلى صدره مبسوطتين وبطونهما نحو السماء" (٣) ولو كان مأمومًا؛ لحديث سلمان -مرفوعًا-: "إن اللَّه يستحي أن يبسط العبد يديه، يسأله فيهما خيرًا فيردهما خائبتين" رواه الخمسة إلا النسائي (٤)، وعن مالك بن يسار -مرفوعًا-: "إذا سألتم اللَّه، فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها" رواه أبو
_________________
(١) = قال الحافظ في "التخليص" (٢/ ١٩): ورواه البيهقي من حديث أبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس، وضعفها كلها، وسبق إلى ذلك: ابن حنبل، وابن خزيمة، وابن المنذر. قال الخلال عن أحمد: لا يصح فيه عن النبي عنيه شيء، ولكن عمر كان يقنت. اهـ
(٢) هو أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، أبو بكر. الإمام الحافظ الناقد. ولد سنة (٣٩٢ هـ) له مصنفات كثيرة منها "تاريخ بغداد" و"الكفاية" في مصطلح الحديث، و"الفقيه والمتفقه" توفي سنة (٤٦٣ هـ)، ينظر: "سير أعلام النبلاء" (١٨/ ٢٧٠) و"البداية والنهاية" لابن كثير (١٢/ ١٠١، ١٠٣) و"النجوم الزاهرة" (٥/ ٨٧، ٨٨).
(٣) قال الحافظ ابن حجر في "الدراية" (١/ ١٩٣): أخرجه ابن أبي شيبة، والدارقطني. وفيه أبان، وهو متروك. وأخرجه الخطب من وجه آخر ضعيف. وأخرجه الطبراني من وجه آخر صحيح لكن موقوفًا: أن ابن مسعود كان لا يقنت في شيء من الصلوات إلا في الوتر، قبل الركوع. اهـ
(٤) لم أقف عليه، لعدم وجود كتاب الأثرم. وقد أخرج ابن أبي شيبة في كتاب الصلاة، مرت قال القنوت في النصف من رمضان (٢/ ٣٠٥، ٣٠٦) عن إبراهيم قال: عبد اللَّه لا يقنت السنة كلها في الفجر، ويقنت في الوتر كل ليلة قبل الركوع. ينظر: التعليق السابق و"إرواء الغليل" (٢/ ١٦٩).
(٥) المؤلف تابع: البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (١/ ٢٢٦) وهو تابع ابن النجار الفتوحي في "معونة أولي النهى" (٢/ ٢١) وهذا خطأ. وإنما أخرج الحديث: أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء (٢/ ١٦٥)، والترمذي، كتاب الدعوات، باب (٥/ ٥٥٦، ٥٥٧)، وابن ماجه، في الدعاء، باب رفع اليدين في الدعاء (٢/ ١٢٧١). قال الترمذي: حسن غريب. اهـ ينظر: "جامع الأصول" (٤/ ١٥٢).
[ ١ / ٢٤٩ ]
داود (١).
ويقول جهرًا: اللهم إنا نستعينك ونسهديك، ونستغفرك -أي نطلب منك العون والهداية والمغفرة- ونتوب إليك، ونؤمن؛ أي: نصدق بك- ونتوكل عليك -أي: نعتمد ونظهر عجزنا- ونثني عليك الخير -أي: نصفك به كله ونمدحك، والثناء في الخير خاصة، وبتقديم النون على الثاء يستعمل في الخير والشر (٢) - ونشكرك ولا نكفرك -أي لا نجحد نعمتك ونسترها لاقترانه بالشكر- اللهم إياك نعبد -قال البيضاوي (٣): العبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل، ولا يستحقها (٤) إلا اللَّه، وسمي العبد عبدًا لذلته وانقياده لمولاه- ولك نصلي ونسجد -لا لغيرك وإليك نسعى ونحفد -بفتح النون وكسر الفاء وبالدال المهملة، أي نسرع ونبادر (٥) - نرجوا -أي نؤمل- رحمتك -أي سعة عطائك- ونخشى عذابك -أي نخافه، قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ (٦) - إن عذابك الجد -بكسر الجيم أي: الحق لا اللعب (٧) - بالكفار ملحق -بكسر الحاء على المشهور، أي: لاحق، وبفتحها على معنى أن اللَّه يلحقه الكفار (٨).
_________________
(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء (٢/ ١٦٥) ورمز السيوطي لحسنه في "الجامع الصغير" (-فيض القدير- ١/ ٣٦٩).
(٢) ينظر: "الصحاح" للجوهري: (٦/ ٢٢٩٦، ٢٥٠١)، و"لسان العرب" (١٤/ ١٢٤)، و"المطلع" (ص ٩٢، ٩٣).
(٣) في تفسيره (١/ ٣٣).
(٤) في الأصل (ولا يستحقه) والمثبت من "شرح منتهى الإرادات" (١/ ٢٢٧).
(٥) "النهاية" (١/ ٤٥٦)، و"المطلع" (ص ٩٣).
(٦) سورة الحجر، الآيتان: ٤٩، ٥٠.
(٧) "المطلع" (ص ٩٣، ٩٤).
(٨) "المطلع" (ص ٩٤).
[ ١ / ٢٥٠ ]
قال الخلال: سألت ثعلبًا (١) عن مُلحِق ومُلحَق؟ فقال: العرب تقولهما جميعًا (٢). وهذا القنوت من أوله إلى هنا مروي عن عمر، وفي أوله: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم" وفي آخره: "اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك" (٣) وهما سورتان في مصحف أبي. قال ابن سيرين (٤): كتبهما أبي في مصحفه (٥). إلى (٦) قول: "ملحق" زاد غير واحد: ونخلع ونترك من يكفرك (٧).
(اللهم اهدني في من هديت) أي: ثبتني على الهداية أو زدني منها، وهي: الدلالة والبيان، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ
_________________
(١) أبو العباس أحمد بن يحيى بن يسار، المعروف بثعلب. العلامة المحدث، إمام النحو، ولد سنة (٢٠٠ هـ)، ألف "اختلاف النحويين"، و"القراءات"، و"معاني القرآن"، وله "مجالس ثعلب" توفي (٢٩١ هـ). ينظر: "تاريخ بغداد" (٥/ ٢٠٤)، و"معجم الأدباء" (٥/ ١٠٢)، و"إنباه الرواة" (١/ ١٣٨).
(٢) "الشرح الكبير" (٤/ ١٢٩)، وينظر: "الزاهر" لابن الأنباري (١/ ١٦٦)، و"تهذيب اللغة" (٤/ ٥٨)، و"لسان العرب": (١٠/ ٣٢٧) و"تاج العروس" (٢٦/ ٣٤٩) ولم ينقل أحد منهم قول ثعلب هذا.
(٣) ابن أبي شيبة، كتاب الصلاة، ما يدعو به في قنوت الفجر (٢/ ٣١٤) وعبد الرزاق، في الوتر، باب القنوت (٢/ ١١٠، ١١١) والبيهقي، كتاب الصلاة، باب دعاء القنوت (٢/ ٢١٠، ٢١١) وصححه. ينظر: "التلخيص الحبير" (٢/ ٢٥)، وقد روي مرفوعًا مرسلًا من حديث خالد بن أبي عمران. رواه أبو داود في "المراسيل" (ص ١١٨).
(٤) أبو بكر، محمد بن سيرين الأنصاري، البصري: كان فطنًا، حسن العلم بالفرائض، والقضاء، والحساب، ورعًا، أديبًا. ينسب له كتاب "تعبير الرؤيا". (ت ١١٠ هـ). "سير أعلام النبلاء" (٤/ ٦٠٦ - ٦٢٢)، و"الأعلام" (٦/ ١٥٤).
(٥) "الشرح الكبير" (٤/ ١٢٩). وقد أطال السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ٦٩٥، ٦٩٨) في ذكر الآثار في إثبات أن ذلك في مصحف أبي بن كعب، ولم يذكر قول ابن سيرين هذا.
(٦) في "الشرح الكبير" (٤/ ١٢٩): (يعني إلى قوله) فهذه العبارة ليست من قول ابن سيرين.
(٧) ينظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٨/ ٦٩٥).
[ ١ / ٢٥١ ]
مُسْتَقِيمٍ﴾ (١) وأما قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) فهي من اللَّه التوفيق والإرشاد (٣).
(وعافني في من عافيت) من الأسقام والبلايا (٤)، والمعافاة: أن يعافيك اللَّه من الناس، ويعافيهم منك.
(وتولني في من توليت) الولي: ضد العدو (٥). من تليت الشيء إذا اعتنيت به، [ونظرت فيه] (٦) كما ينظر الولي في مال اليتيم؛ لأن اللَّه ينظر في أمر وليه بالعناية، ويجوز أن يكون من: وليت الشيء إذا لم يكن بينك وبينه واسطة، بمعنى أن الولي يقطع الوسائط بينه وبين اللَّه تعالى حتى يصير في مقام المراقبة (٧) والمشاهدة (٨)، وذلك مقام الإحسان (٩).
(وبارك لي) البركة: الزيادة أو حلول الخير الإلهي في الشيء (١٠) (فيما
_________________
(١) سورة الشورى، الآية: ٥٢.
(٢) سورة القصص، الآية: ٣٦.
(٣) ينظر: "مفردات ألفاظ القرآن" (ص ٨٣٥، ٨٣٦). وقوله: "الإرشاد" هو بمعنى الدلالة. فاستبداله بكلمة "الإلهام" هو الصواب. قال في "تاج العروس": (٢٨/ ٥٠١): الدليل: ما يستدل به، وأيضًا: الدَّالُّ، وقيل: هو المرشد، وما به الإرشاد. . . اهـ
(٤) "المطلع" (ص ٩٤).
(٥) "الصحاح" للجوهري: (٦/ ٢٥٢٩).
(٦) ما بين المعقوفين سقط من الأصل، ومن "شرح منتهى الإرادات" (١/ ٢٢٧)، وأثبتها من أصل "شرح منتهى الإرادات": "معونة أولي النهى شرح المنتهى" (٢/ ٢٤).
(٧) المراقبة: استدامة علم العبد باطلاع الرب عليه في جميع أحواله. قاله الجرجاني في "التعريفات" (ص ٢٢٣)، وينظر: "معجم مصطلحات الصوفية" (ص ١٦٠).
(٨) المشاهدة: رؤية الحق ببصر القلب من غير شبهةٍ كأنه رآه بالعين. قاله التهانوي في "كشاف اصطلاح الفنون" (١/ ٧٤٠)، وينظر: "معجم المصطلحات الصوفية" (ص ١٦٣).
(٩) وهو: أن تعبد اللَّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. كما ثبت ذلك في حديث عمر بن الخطاب -الطويل- أخرجه البخاري (١/ ٢٢)، ومسلم (١/ ٣٩).
(١٠) ينظر: "القاموس": (ص ١٢٠٤)، و"التوقيف" (ص ١٢٥) وفيه: هي ثوب الخير =
[ ١ / ٢٥٢ ]
أعطيت) أي: أنعمت به. والعطة: الهبة (١).
(وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك) أي: أنه لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، فإنه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد (إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت) رواه أحمد، ولفظه له، وتكلم فيه أبو داود، ورواه الترمذي وحسنه من حديث الحسن بن علي قال: علمني النبي -ﷺ- كلمات أقولهن في قنوت الوتر: "اللهم اهدني. . . " إلى "وتعاليت" وليس فيه: "ولا يعز من عاديت" (٢) ورواه البيهقي وأثبتها فيه (٣) وجَمَعَ، والرواية بالإفراد، ليشارك الإمام المأموم (٤) ويعِز بكسر العين، قال بعضهم (٥):
وقل إذا كنت في ذكر القنوت ولا يعزُّ يا ربِّ مَنْ عاديتَ مكْسُورا
(اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك) أظهر العجز والانقطاع، وفزع إليه منه، فاستعاذ به منه.
_________________
(١) = الإلهي في الشيء. اهـ
(٢) ينظر: "الصحاح": (٦/ ٢٤٣٠) و"القاموس" (ص ١٦٩٢).
(٣) "المسند" (١/ ١٩٩، ٢٠٠) وأبو داود، الوتر، باب القنوت في الوتر (٢/ ١٣٣، ١٣٤) والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في القنوت في الوتر (٢/ ٣٢٨، ٣٢٩) والنسائي، قيام الليل، باب الدعاء في الوتر (٣/ ٢٤٨) وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في القنوت في الوتر (١/ ٣٧٢) قال الترمذي: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. ولا نعرف عن النبي -ﷺ- في القنوت في الوتر شيئًا أحسن من هذا. اهـ وصححه الشيخ أحمد شاكر في "تعليقه على سنن الترمذي" (٢/ ٣٢٩). وينظر: "إرواء الغليل" (٢/ ١٧٢).
(٤) البيهقي، كتاب الصلاة، باب دعاء القنوت (٢/ ٢٠٩).
(٥) عبارة "معونة أولي النهى" (٢/ ٢٥): والرواية إفراد الضمير، وجمعها المصنفون، لأن الإمام يستحب له أن يشارك المأموم في الدعاء. اهـ
(٦) لم أقف عليه.
[ ١ / ٢٥٣ ]
(لانحصي ثناءً عليك) أي: لا نطيقه.
(أنت كما أثنيت على نفسك) اعتراف بالعجز عن الثناء، ورَدٌّ إلى المحيط علمه بكل شيء، جملة وتفصيلًا.
ورى الخمسة عن علي -﵁- أن النبي -ﷺ- يقول في آخر وتره: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" ورواته ثقات (١).
قال الترمذي: لا نعرف عن النبي -ﷺ- في القنوت شيئًا أحسن من هذا (٢)، وله أن يزيد ما شاء مما يجوز به الدعاء في الصلاة.
قال المجد: فقد صح عن عمر: "أنه كان يقنت بقدر مائة آية" (٣) (ثم يصلي على النبي -ﷺ-) لحديث الحسن بن علي السابق، وفي آخره: "وصل اللَّه على محمد" رواه النسائي (٤).
_________________
(١) أبو داود، كتاب الوتر، باب القنوت في الوتر (٢/ ١٣٤) والترمذي، كتاب الدعوات، باب في دعاء الوتر (٥/ ٣٦١) والنسائي، كتاب قيام الليل، باب الدعاء في الوتر (٣/ ٢٤٨، ٢٤٩) وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في القنوت في الوتر (١/ ٣٧٣). وأحمد (١/ ٩٦، ١١٨) قال الترمذي: حسن غريب. اهـ وينظر: "إرواء الغليل" (٢/ ١٧٥).
(٢) كلام الترمذي هذا إنما هو على حديث الحسن بن علي -السابق- ينظر تخريجه (ص ٢٥٣).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" في الصلاة، باب القنوت (٣/ ١١٢).
(٤) النسائي، قيام الليل، باب الدعاء في الوتر (٣/ ٢٤٨) من طريق عبد اللَّه بن علي عن الحسن بن علي. . . به، وقد صحح هذه الزيادة النووي في "المجموع" (٣/ ٤٩٩)، فتعقبه الحافظ في "التلخيص" (١/ ٢٦٤) بأن إسنادها منقطع، إذ عبد اللَّه بن علي بن الحسين لم يدرك الحسن بن علي. اهـ قال العز بن عبدالسلام -كما في "فتاويه" (ص ٣٩٢) -: ولم تصح الصلاة على رسول اللَّه -ﷺ- في القنوت. اهـ وقد روى إسماعيل بن إسحاق في كتابه "فضل الصلاة على النبي -ﷺ-" (رقم ١٠٧) عن أبي حليمة معاذٍ أنه كان يصلي على النبي -ﷺ- في القنوت. وذكر ابن القيم من مواطن الصلاة على النبي -ﷺ-: الصلاة عليه آخر القنوت. ينظر: "جلاء =
[ ١ / ٢٥٤ ]
وعن عمر: "الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك -ﷺ-" رواه الترمذي (١).
(ويؤمن مأموم) على قنوت إمامه إن سمعه؛ لحديث ابن عباس (٢) (ويجمع إمام الضمير) فيقول: اللهم إنا نستعينك، اللهم اهدنا. . . إلخ، ويفرد منفرد كما تقدم (٣) (ويمسح الداعي وجهه بيديه مطلقًا) في الوتر وغيره، كخارج الصلاة، لعموم حديث عمر: "كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه" رواه الترمذي (٤)، ولقوله ﵊ في حديث ابن عباس: "فإذا فرغت فامسح بهما وجهك" رواه أبو داود وابن ماجه (٥).
_________________
(١) = الأفهام" (ص ٥١٢) ط مشهور حسن آل سلمان.
(٢) الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي -ﷺ- (٢/ ٣٥٦). قال ابن كثير في "مسند عمر بن الخطاب" (١/ ١٧٦): هذا إسناد جيد. اهـ أما السخاوي فقال في "القول البديع" (ص ٢٢٣): وفي سنده من لا يعرف. اهـ إشارة إلى جهالة أبي قرة الأسدي الذي روى هذا الحديث، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب.
(٣) ونصه: قال: "قنت رسول اللَّه -ﷺ- شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلاة الصبح، في دبر كل صلاة إذا قال: "سمع اللَّه لمن حمده" من الركعة الآخرة، يدعو على أحياء من بني سليم، على رعل وذكوان وعصيَّة، ويؤمن من خلفه" أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب القنوت في الصلاة (٢/ ١٤٣) وهو حديث صحيح.
(٤) (ص).
(٥) الترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء في رفع الأيدي عند الدعاء (٥/ ٤٦٣). قال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن عيسى، وقد تفرد به وهو قيل الحديث، وقد حدَّث عنه الناس. . . اهـ وقال ابن مفلح في "الفروع" (١/ ٤١٤): رواه الترمذي من رواية حماد بن عيسى وهو ضعيف. اهـ وحسنه الحافظ في "البلوغ" (ص ٣١٢) بالشواهد.
(٦) أبو داود، كتاب الوتر، باب الدعاء (٢/ ١٦٣، ١٦٤) وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب رفع اليدين في الدعاء (٢/ ١٢٧٢) قال أبو داود عقبه: روي هذا الحديث من غير وجه عن =
[ ١ / ٢٥٥ ]
ويرفع يديه إذا أراد السجود نصًّا، لأن القنوت مقصود في القيام، فهو كالقراءة، ذكره القاضي (١).
وكره قنوت في غير وتر حتى فجر، روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي الدرداء (٢)، لحديث مالك الأشجعي قال: قلت لأبي: يا أبت إنك قد صليت خلف رسول اللَّه -ﷺ- وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي هاهنا بالكوفة نحو خمس سنين، أكانوا يقنتون في الفجر؟ قال: "أي بني مُحْدَث" قال الترمذي: حسن صحيح. رواه أحمد وابن ماجه والنسائي، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم (٣).
وعن سعيد بن جبير قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: "إن القنوت في صلاة الفجر بدعة" رواه الدارقطني (٤).
وأما حديث أنس: "ما زال رسول اللَّه -ﷺ- يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا" رواه أحمد وغيره (٥)، ففيه. . . . . . . .
_________________
(١) = محمد بن كعب، كلها واهية، وهذا الطريق أمثلها، وهو ضعيف -أيضًا- اهـ.
(٢) ينظر: "الإنصاف" (٤/ ١٣٢).
(٣) ابن أبي شيبة في "المصنف" كتاب الصلاة، من قال لا يقنت في الفجر (٢/ ٣٠٨ - ٣١١).
(٤) أحمد في "المسند" (٣/ ٤٧٢، ٦/ ٣٩٤) والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في ترك القنوت (٢/ ٢٥٢، ٢٥٣) والنسائي، كتاب التطبيق، في ترك القنوت (٢/ ٢٠٤) وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في القنوت في صلاة الفجر (١/ ٣٩٣). قال الترمذي: حسن صحيح. والعمل عليه عند أكثر أهل العلم. اهـ
(٥) الدارقطني، كتاب الوتر، باب صفة القنوت وبيان موضعه (٢/ ٤١). قال البيهقي في "سننه" (٢/ ٢١٤): لا يصح. . . وقد روينا عن ابن عباس أنه قنت في صلاة الصبح. اهـ
(٦) "المسند" (٣/ ١٦٢) وعبد الرزاق في الصلاة، باب القنوت (٣/ ١١٠) والدارقطني، الصلاة، باب صفة القنوت وبيان موضعه (٢/ ٣٩)، والبيهقي، الصلاة، باب الدليل أنه لم يترك أصل القنوت (٢/ ٢٠١) والخطيب البغدادي في كتاب "القنوت" له، -كما في "التنقيح" لابن عبد الهادي (٢/ ١٠٧٥ - ١٠٧٨) - والحافظ ابن أبي موسى في كتاب "القنوت" له -كما في "التنقيح" -أيضًا- (٢/ ١٠٧٩).
[ ١ / ٢٥٦ ]
مقال (١)، ويحتمل أنه أراد به طول القيام، فإنه يسمى قنوتًا (٢).
فإن نزل بالمسلمين نازلة سوى الطاعون فيسن أن يقنت إمام الوقت خاصة، وهو الإمام الأعظم، واختار جماعة: أو نائبه (٣)، في جميع الصلوات سوى الجمعة، فيكفي الدعاء في آخر الخطبة، ويجهر بالقنوت في صلاة جهرية. وأما الطاعون فلا يقنت لنزوله، لأنه لم يثبت القنوت في طاعون عمواس (٤) ولا غيره، ولأنه شهادة (٥) فلا يسأل رفعه.
_________________
(١) ضعفه ابن الجوزي في "التحقيق" (١/ ٤٦٤) وأعله بأبي جعفر الرازي، واسمه عيسى بن ماهان اهـ. ولما نقل البيهقي عن الحاكم -في كتابه "الأربعين"- أنه صحح إسناد الحديث، تعقبه ابن التركماني في "الجوهر النقي" -بهامش "سنن البيهقي" (٢/ ٢٠١) - فقال: كيف يكون إسناده صحيحًا وراويه عن الربيع: أبو جعفر عيسى بن ماهان الرازي متكلم فيه، قال ابن حنبل والنسائي: ليس بالقوي. وقال أبو زرعة: يهم كثيرًا. وقال الفلاس: سيء الحفظ. وقال ابن حبان: يحدث بالمناكير عن المشاهير. اهـ وقد أطال الشيخ الألباني في بيان ضعف هذا الحديث بل نكارته. ينظر: "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (٣/ ٣٨٤، ٣٨٨) ولبيان حال أبي جعفر: "تهذيب التهذيب" لابن حجر (٤/ ٥٠٣).
(٢) ينظر: "مفردات القرآن" (ص ٦٨٥)، و"لسان العرب": (٢/ ٧٣)، قال تعالى: ﴿حَوَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وفي صحيح مسلم (١/ ٥٢٠) عن جابر بن عبد اللَّه -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أفضل الصلاة طول القنوت" ولشيخ الإسلام ابن تيمية رسالة في "القنوت".
(٣) هي رواية أخرى عن أحمد. اختارها: القاضي وغيره. ينظر: "الإنصاف" (٤/ ١٣٦).
(٤) وقع سنة ثمان عشرة زمن عمر بن الخطاب -﵁- وعَمواس، بفتح أوله وثانيه. وقال الزمخشري: بكسر أوله، في فلسطين بالقرب من بيت المقدس، ومنها كان ابتداء الطاعون في أيام عمر بن الخطاب، ثم فشا في أرض الشام. ينظر: "معجم البلدان" (٤/ ١٥٧) و"العبر" للذهبي (١/ ٢١) و"بذل الماعون في فضل الطاعون" لابن حجر (٣٦١).
(٥) لقول النبي -ﷺ-: "لطاعون شهادة لكل مسلم" رواه البخاري، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون (٧/ ٢٢) ومسلم، كتاب الإمارة (٣/ ١٥٢٢) عن أنس بن مالك -﵁-.
[ ١ / ٢٥٧ ]