(وتجوز صلاة الخوف) والخوف ضد الأمن، ومشروعيتها بالكتاب، والسنة. وتخصيصه -ﷺ- بالخطاب لا يقتضى اختصاصه بالحكم، لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١) وأجمع الصحابة -﵃- على فعلها (٢)، وصلاها علي (٣)، وأبو موسى (٤)، وحذيفة (٥). فتجوز (بأي صفة صحت عن النبي -ﷺ-) في قتال مباح؛ لأنها رخصة، فلا تباح بالقتال المحرم، ولو حضرًا لأن المبيح الخوف، لا السفر (وصحت) عنه -ﷺ- (من ستة أوجه) قال الإمام أحمد: صح عن النبي -ﷺ- صلاة الخوف من خمسة أوجه، أو ستة. وفي رواية أخرى: من ستة أوجه، أو سبعة. قال الأثرم: قلت لأبي عبد اللَّه: تقول بالأحاديث كلها، أو تختار واحدًا منها؟ قال: أنا أقول من ذهب إليها كلها فحسن، وأما حديث سهل فأنا أختاره (٦). وهي صلاته -ﷺ- في غزوة ذات الرقاع (٧)، وهو إذا كان العدو بغير جهة القبلة، أو بها ولم يُر، أو رؤي وخيف كَمِينٌ، قسمهم الإمام طائفتين: كل طائفة تكفي العدو، زاد أبو المعالي: بحيث يحرم
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.
(٢) "الشرح الكبير" (٥/ ١١٥).
(٣) البيهقي، صلاة الخوف، باب الدليل على ثبوت صلاة الخوف وأنها لم تنسخ (٣/ ٢٥٢).
(٤) ابن أبي شيبة، الصلاة، باب في صلاة الخوف كم هي؟ (٢/ ٤٦٥).
(٥) أبو داود، الصلاة، باب من قال يصلي بكل طائفة ركعة ولا يقضون (١/ ٤٦٥) والنسائي، أول كتاب صلاة الخوف (٣/ ١٣٦).
(٦) "زاد المعاد" (١/ ٥٣١) و"الروض المربع" (٣/ ٣٢٣، ٣٢٤).
(٧) البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع (٥/ ٥٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، (١/ ٥٧٥، ٥٧٦).
[ ١ / ٣٣٠ ]
فرارها (١) طائفة منهم تذهب حِذاء العدو، وتحرس المسلمين، وهي مؤتمة بالإمام حكمًا، في كل صلاته، لأنها من حين ترجع من الحراسة، وتحرم، لا تفارقه حتى يسلم بها. قال الشيخ منصور في "شرح المنتهى" (٢): والمراد بعد دخولها معه، لا قبله. كما نبه عليه الحجاوي (٣) في "حاشية التنقيح"، فتسجد معه لسهوه، ولو في الأولى قبل دخولها، لا لسهوها إن سهت، لتحمل الإمام له.
وطائفة يحرم بها، ويصلي بها الركعة الأولى من صلاته، وهي مؤتمة به فيها فقط؛ لأنها تفارقه بعدها، فتسجد لسهوه فيها إذا أتمت صلاتها، فإذا استتم الإمام قائمًا إلى الركعة الثانية نوت المفارقة، وأتمت لنفسها منفردة، وسلَّمت، ومضت تحرس، وإن فارقته قبل قيامه إلى الركعة الثانية بلا عذر، بطلت صلاتها.
ويطيل قراءته، حتى تحضر الطائفة الأخرى، التي كانت تحرس، فتُحرمُ، وتصلي معه الركعة الثانية، ويكفي إدراكها الركوع، ويكره تأخير القراءة إلى مجيئها، وإذا فرغ منها، وجلس للتشهد، قامت لتأتي ببقية صلاتها، وانتظرها، يُكرِّر التشهد، حتى تأتي بركعة، وتشهُّد، فيُسلِّم بها، ولا يسلم قبلهم، لقوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (٤) فيدل على أن صلاتهم كلها معه.
وتحصل المعادلة بينهما، فإن الأولى أدركت معه فضيلة الإحرام،
_________________
(١) نقله عنه في "الإنصاف" (٥/ ١٢١) وأبو المعالي هو: أسعد بن المنجى بن بركات التنوخي الدمشقي، روى عنه الموفق ابن قدامة. ولد سنة (٥١٩ هـ) ألف "الخلاصة" توفي سنة (٦٠٦ هـ). "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/ ٤٩، ٥٠) و"سير أعلام النبلاء" (٢١/ ٤٣٦، ٤٣٧).
(٢) "شرح منتهى الإرادات" (١/ ٢٨٥).
(٣) هو: موسى بن أحمد بن موسى الحجَّاوي. وُلد سنة (٨٩٥ هـ). فقيهٌ، له المتن المشهور "زاد المستقنع" و"الإقناع" وغيرهما. توفي (٩٦٨ هـ). "السحب الوابلة" (٣/ ١١٣٤).
(٤) سورة النساء، الآية: ١٠٢.
[ ١ / ٣٣١ ]
والثانية فضيلة السلام، وهذا الوجه متفق عليه من حديث صالح بن خوات بن جبير، عمن صلى مع النبي -ﷺ- صلاة الخوف يوم ذات الرقاع: "أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم" (١).
وصح عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة مرفوعًا (٢)، وهذا الحديث هو الذي أشار إليه الإمام أحمد أنه اختاره؛ لأنه أنكأ للعدو، وأقل في الأفعال، وأشبه بكتاب اللَّه، وأحوط للصلاة، والحرب.
ويصلي إمام المغرب بطائفة ركعتين، وبالأخرى ركعة، ولا تتشهد الطائفة الثانية بعد صلاتها معه الركعة الثالثة، لأنه ليس محل تشهدها، بل تقوم لقضاء ما فاتها، ويصح العكس، بأن يصلي بالأولى ركعة، وبالثانية ركعتين.
ويصلي الرباعية التامة بكل طائفة ركعتين، ويصح بطائفة ركعة، وبأخرى ثلاثًا، لحصول المطلوب بالصلاة بالطائفتين، وتفارقه الطائفة الأولى إذا صلى بها ركعتين من مغرب، أو رباعية تامة، عند فراغها من التشهد الأول، وينتظر الطائفة الثانية جالسًا، يكرر التشهد إلى أن تحضر، فإذا أتت، قام لتدرك معه جميع الركعة الثالثة، ولأن الجلوس أخف على الإمام.
(وسُنَّ فيها) أي في صلاة خوف (حمل سلاح غير مثقل) كسيف وسكين، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (٣) ولمفهوم قوله:
_________________
(١) البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع (٥/ ٦٣)، ومسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها، (١/ ٥٧٥).
(٢) تقدم تخريجه قبل حديث.
(٣) سورة النساء، الآية: ١٠٢.
[ ١ / ٣٣٢ ]
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ (١) والأمر به للرفق بهم، والصيانة لهم، فلم يكن للإيجاب.
ولا يكره حمل السلاح في الصلاة بلا حاجة، في ظاهر كلام الأكثر. وكره حمل ما منع إكمال الصلاة، كمغفر (٢)، أو ضَرَّ غيره، كرمح متوسط، أو أثقله، كجوشن، وهو: الدرع. وجاز لحاجة في صلاة خوف حمل نجس، ولا يعيد، للعذر.