غسله مرة، أو تيمم لعذر، فرض كفاية (وإذا أخذ) أي شرع (في غسله) أي الميت (ستر عورته) وجوبًا، لحديث علي "لا تبرز فخذك، ولا تنظر لفخذ حي ولا ميت" (١). رواه أبو داود، وهذا في من له سبع سنين فأكثر، لأن عورة ابن سبع إلى عشر الفرجان ومن فوقه، وبنت سبع فأكثر ما بين سرة وركبة، كما تقدم (٢).
وسن تجريده للغسل، لأنه أمكن في تغسيله، وأصون له من التنجيس، ولفعل الصحابة، بدليل قولهم: أنجرد النبي -ﷺ- كما نجرد موتانا، أم لا؟ وأما النبي -ﷺ- فغسلوه وعليه قميص، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكون بالقميص دون أيديهم، لمكلِّم كَلَّمهُم من ناحية البيت، لا يدرون من هو، بعد أن أوقع اللَّه سبحانه عليهم النوم (٣). رواه أحمد، وأبو داود، ولطهارة فضلاته -ﷺ-.
(وسُنّ ستر) جسده (كله عن العيون) تحت سترة، في خيمة، أو بيت إن أمكن، لأنه أستر، ولئلا يستقبل بعورته السماء.
(وكُره حضور غير مُعين) في غسله، لأنه ربما كان بالميت ما يكره أن يطلع عليه، والحاجة غير داعية إلى حضوره، واستثنى بعضُهُم: وليه (٤).
_________________
(١) تقدم (ص ١٤٠).
(٢) (ص ١٤٠).
(٣) أحمد (٦/ ٢٦٧)، وأبو داود، كتاب الجائز، باب في ستر الميت عند غسله (٣/ ١٩٦) وسنده صحيح. ينظر: "أحكام الجنائز" للألباني (ص ٤٩).
(٤) كالقاضي، وابن عقيل. قال في "الإنصاف" (٦/ ٥٩): وما هو ببعيد.
[ ١ / ٣٨٦ ]
وكره تغطية وجهه نصًّا (١) وفاقًا (ثم نوى وسمَّى) غاسل عن ميت لتعذر النية منه (وهما) أي النية والتسمية (كفي غسل حي) فالنية شرط لا يصح الغسك إلا بها، وأما التسمية فتجب مع الذكر، وتسقط مع السهو، لما تقدم في غسل الحي (٢) (ثم يرفع) غاسل (رأس غير حامل إلى قرب جلوس، ويعصر بطنه) ليخرج المستعد للخروج (برفق) لأن الميت في محل الشفقة والرحمة (ويكثر) صب (الماء حينئذ) ليدفع ما يخرج بالعصر، وأما الحامل فلا يعصر بطنها، لئلا يتأذى الولد، ولحديث أم سليم مرفوعًا: "إذا توفيت المرأة، فأرادوا غسلها، فليبدأ ببطنها فلتمسح مسحًا رفيقًا إن لم تكن حبلى، وإن كانت حبلى فلا تحركها" (٣) رواه الخلال، ويكون ثمَّ بخور، دفعًا للتأذي برائحة الخارج مع الماء (ثم يلف) الغاسل (على يده خرقة فينجِّيه) أي الميت (بها) أي الخرقة كما تسن بداءة حي بالحَجَر ونحوه، قبل الاستنجاء بالماء، ويجب غسل نجاسة بالميت، لأن المقصود بغسله تطهيره حسب الإمكان.
(وحرم مس عورة من له سبع) سنين، لأن اللمس أعظم من النظر، وكحال الحياة، وروي أن عليًّا حين غسل النبي -ﷺ- لف على يده خرقة حين غسل فرجه. ذكره المروذي (٤) عن أحمد (٥).
وسن أن لا يمس سائر جسده إلا بخرقة، فحينئذ يُعد الغاسل
_________________
(١) "الإنصاف" (٦/ ٦٠) قال في "الفروع" (٢/ ٢٠٣): كراهة تغطية الوجه باتفاق الأربعة.
(٢) (ص ٥٤).
(٣) البيهقي، جماع أبواب عدد الكفن وكيف الحنوط، باب في غسل المرأة (٤/ ٤).
(٤) المروذي، أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج، هو المقدم من أصحاب الإمام أحمد، وهو الذي تولى إغماضه لما مات وغسله. وروى عنه مسائل كثيرة، توفي سنة (٢٧٥ هـ). "طبقات الحنابلة" (١/ ٥٦ - ٦٣).
(٥) والأثر أخرجه ابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، باب في الميت يغسل من قال: يستر ولا يجرد (٣/ ٢٤٠)، والبيهقي، الجنائز، باب ما ينهى عنه من النظر إلى. . . (٣/ ٣٨٨).
[ ١ / ٣٨٧ ]
خرقتين: إحداهما للسبيلين، والأخرى لبقية البدن (ثم يدخل) الغاسل بعد غسل كفي الميت، نصًّا (١) (إصبعيه) الإبهام والسيابة (وعليهما خرقة مبلولة في فمه، فيمسح أسنانه و) يدخلهما (في منخريه فينظفهما) بها، فيقوم مقام المضمضة والاستنشاق، لحديث: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢)، (بلا إدخال ماء) في فمه وأنفه، خشية تحريك النجاسة، بدخول الماء إلى جوفه (ثم يوضِّئه) وضوءًا كاملًا، استحبابًا، لحديث أم عطية مرفوعًا في غسل ابنته -ﷺ-"ابدأن بميامنها وموضع الوضوء منها" (٣) رواه الجماعة.
(ويغسل رأسه ولحيته برغوة السدر) لأن الرأس أشرف الأعضاء، ولهذا جعل كشفه شعار الإحرام، وهو مجمع الحواس الشريفة، والرغوة تزيل الدرن، ولا تتعلق بالشعر، فناسب أن تغسل بها اللحية (و) يغسل (بدنه بثفله) (٤) أي السدر (ثم يفيض عليه الماء) ليعمه الغسل.
(وسُنّ تثليث) أي تكريوه ثلاثًا، كغسل الحي، إلا الوضوء، فلا يثلثه.
(و) سن (تيامن) لحديث: "ابدأن بميامنها" (٥) وكغسل الحي، فيبدأ بصفحة عنقه، ثم إلى الكتف، ثم إلى الرجل، ويقلبه على جنبه، مع غسل
_________________
(١) "الإنصاف" (٦/ ٦٦).
(٢) تقدم (ص ١٥٦).
(٣) البخاري، كتاب الجنائز، باب يبدأ بميامن الميت (١/ ٤٢٣)، ومسلم، كتاب الجنائز، (٢/ ٦٤٨)، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب كيف غسل الميت (٣/ ٥٥٣)، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل الميت (٣/ ٣٠٦)، والنسائي، الجنائز، غسل الميت وترًا (٤/ ٣٠)، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل الميت (١/ ٤٦٩).
(٤) الثَّفل: حثالة الشيء. وهو: الثخين الذي يبقى أسفل الصافي. "المصباح المنير" (١/ ١١٤).
(٥) تقدم تخريجه في الحاشية قبل السابقة وهو من حديث أم عطية.
[ ١ / ٣٨٨ ]
شقه، فيرفع جانبه الأيمن، ويغسل ظهره ووركه، ويغسل جانبه الأيسر كذلك، ولا يكبه على وجهه.
(و) سن (إمرار يده كل مرة) من الثلاث (على بطنه) أي الميت، برفق، ليخرج ما تخلف، فلا يفسد الغسل بعدُ به (فإن لم ينق) التثليث (زاد حتى ينقى) ولو جاوز السبع (وكره اقتصار) في غسل ميت (على مرة) واحدة، لأنه لا يحصل بها كمال النظافة، إن لم يخرج من الميت شيء بعد المرة، فإن خرج شيء بعدها، حرم الاقتصار عليها، ما دام يخرج إلى السَّبْع.
ولا يجب مباشرة الغسل كالحي، فلو ترك تحت ميزاب ماء ونحوه، وحضر من يصلح لغسله، ونوى، وسمى، ومضى زمن يمكن غسله فيه، بحيث يغلب على الظن أن الماء عمه، كفى.
(و) كره غسله بـ (ماء حار) إن لم يحتج إليه، لشدة برد، لأنه يرخي البدن، فيسرع الفساد إليه، والبارد يصلبه، ويبعده عن الفساد.
(و) كره (خلال) إن لم يحتج إليه لشيء بين أسنانه، لأنه عبث.
(و) كره (أُشنان بلا حاجة) ولا يكره بها، ككثرة وسخ.
(و) كره (تسريح شعره) أي الميت، رأسًا كان، أو لحية، نصًّا (١)، لأنه يقطعه من غير حاجة إليه، وعن عائشة: أنها مرت بقوم يسرحون شعر ميت، فنهتهم عن ذلك، وقالت: علام تنصون (٢) ميتكم (٣).
وسن أن يضفَّر (٤) شعر أنثى ثلاثة قرون، وأن يسدل من ورائها، نصًّا (٥)، لقول أم عطية: فضفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناه
_________________
(١) "الإنصاف" (٦/ ٨٢).
(٢) النُّصَّة: ما أقبل على الجبهة من الشعر: القُصَّة. "المعجم الوسيط" (٢/ ٩٢٦).
(٣) أخرجه عبد الرزاق، الجنائز، باب شعر الميت وأظفاره (٣/ ٤٣٧)، والبيهقي، الجنائز، باب المريض يأخذ من أظفاره وعانته (٣/ ٣٩٠).
(٤) الضفيرة من الشعر: الخصلة، والجع: ضفائر وضفر. . "المصباح المنير" (٢/ ٤٩٥).
(٥) "معونة أولي النهى" (٢/ ٤١١).
[ ١ / ٣٨٩ ]
خلفها (١). رواه البخاري.
(وسن) جعل (كافور وسدر في) الغسلة (الأخيرة) نصًّا (٢)، لأن الكافور يصلب الجسد، ويبرده، ويطرد عنه الهوام برائحته.
(و) سن (خضاب شعر) أي رأس المرأة، ولحية الرجل (وقص شارب، وتقليم أظفار إن طالا) أي الشارب والأظفار، وأخذ شعر إبطه، نصًّا (٣)، لأنه تنظيف لا يتعلق بقطع عضو أشبه إزالة الوسخ والدرن، ويجعل المأخوذ من شعر وظفر معه في كفنه، بعد إعادة غسله ندبًا، كعضو ساقط، لما روى أحمد، في "مسائل صالح" عن أم عطية قالت: يغسل رأس الميتة فما سقط من شعرها في أيديهم غسلوه ثم ردوه في رأسها (٤)، ولأنه يستحب دفن ذلك من الحي فالميت أولى، وتلفق أعضاؤه إن قطعت بالتقميط (٥) والطين الحر (٦) حتى لا يتبين تشويهه.
وحرم حلق شعر رأس ميت، لأنه إنما يكون لنسك أو زينة، والميت ليس محلًا لها، كأخذ شعر عانة، وختن لميت أقلف.
(و) سن (تنشيف) ميت بثوب، كما فعل به ﵊ (٧)، ولئلا يبتل كفنه فيفسد به، ولا ينجس ما نشف به (ويُجنَّب محرم مات ما يُجنب في حياته) من تغطية رأس، ومس طيب، وغير ذلك (وسقط)
_________________
(١) البخاري، كتاب الجنائز، باب ما يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون (٢/ ٧٥).
(٢) "معونة أولي النهى" (٢/ ٤١٠).
(٣) "الإنصاف" (٦/ ٧٩).
(٤) ذكره في "معونة أولي النهى" (٢/ ٤١٠).
(٥) القماط، بالكسر: حبل يشدّ به قوائم الشاة عند الذبح. وكذا ما يشد به الصبي في المهد. "مختار الصحاح" (ص ٥٥١).
(٦) أي الخالص، لأنه فيه قوة تمنع الخارج، أي: لا رَمل فيه: "لسان العرب" (٤/ ١٧٩).
(٧) لم أقف عليه. ولم يذكره ابن الجوزي في "الوفا بأحوال المصطفى" (٢/ ٧٩٣، ٧٩٤) في ذكر غسله -ﷺ-.
[ ١ / ٣٩٠ ]
بتثليث السين (١) (لأربعة أشهر) فأكثر (كمولود حيًّا) يغسل، ويصلى عليه، نصًّا (٢)، لحديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا: "والسقط يصلى عليه" (٣) رواه أبو داود والترمذي.
(وإذا تعذر غسل ميت يمم) كأن يعدم الماء، أو يموت رجل بين نساء لا يباح لهن غسله، كأن لم يكن فيهن زوجة، ولا أمة له، أو عكسه، بأن ماتت امرأة بين رجال ليس فيهم زوجها ولا سيدها، لما روى تمام (٤) في "فوائده" (٥) عن واثلة مرفوعًا: "إذا ماتت المرأة مع الرجال ليس بينها وبينهم محرم تيمم كما ييمم الرجال" ولأنه لا يحصل بالغسل من غير مس تنظف، ولا إزالة نجاسة، بل ربما كثرت.
وحرم أن ييمم ميت بدون حائل على غير محرم، فيلف على يده خرقة عليها تراب، فييممه بها.
ولا يغسل مسلم كافرًا، للنهي عن موالاة
_________________
(١) السقط: الولد، ذكرًا كان أو أنثى يسقط قبل تمامه، وهو مستبين الخلق. يقال: سقط، بالكسر، وبالفتح، وبالضم. ينظر: "المصباح المنير" (١/ ٣٨٠).
(٢) "معونة أولي النهى" (٢/ ٤١٦).
(٣) أبو داود، كتاب الجنائز، باب المشي أمام الجنازة (٣/ ٥٢٣) واللفظ له. والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على الأطفال (٣/ ٣٤٠)، والنسائي، الجنائز، الصلاة على الأطفال (٤/ ٥٨)، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على الطفل (١/ ٤٨٣). قال الترمذي: حسن صحيح. اهـ ينظر: "التلخيص الحبير" (٢/ ١٢٠).
(٤) تمام بن محمد بن عبد اللَّه بن جعفر، أبو القاسم البجلي الرازي الدمشقي ولد سنة (٣٣٠ هـ) محدِّث كبير ثقة حافظ. ألف "فوائد الحديث" وهو أشهر كتبه و"مسند المقلين من الأمراء والسلاطين"، توفي في ٣/ ١/ ٤١٤ هـ. ينظر: "تذكرة الحفاظ" (٣/ ١٠٥٦، ١٠٥٧) و"طبقات الحفاظ" للسيوطي (ص ٤١٣) و"الرسالة المستطرفة" للكتاني (ص ٩٤، ٩٥).
(٥) ينظر: "الروض البسام بترتيب وتخريج فوائد تمام" للشيخ جاسم الفهد الدوسري (٢/ ١٠٠، ١٠١) وقد ضعف إسناده.
[ ١ / ٣٩١ ]
الكافر (١)، ولا يكفنه ولا يصلي عليه، بل يوارى لعدم من يواريه من الكفار، كما فُعل بكفار بدر، واروهم بالقليب (٢)، ولا فرق بين الحربي والذمي والمرتد في ذلك، وكذا كل صاحب بدعة مكفرة.