بسم اللَّه الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد للَّه الذي جعل الفقه في الدين من أفضل القربات لعباده، وشرح صدر من أراد هدايته للإسلام، فأمده بإمداده.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أتم اللَّه به النعمة وأكمل به الدين، وعلى آله وأصحابه الذين أوضحوا لنا الأحكام على أحسن وجه، وأتم تبيين.
أما بعد، فيقول الفقير إلى عفو ربه العلي عثمان بن عبد اللَّه بن جامع النجدي الحنبلي: إني لما وقفت على الكتاب الموسوم بـ "أخصر المختصرات"، للإمام المحقق الشيخ محمد البلباني الحنبلي -رفع اللَّه له الدرجات- (١) وجدته مع كونه في غاية الاختصار يشتمل على جل المسائل الكبار، ولا يستغني طالب العلم عن حفظه، لكن لم أجد له شرحًا يوضح الغامض (٢) من لفظه؛ فاستخرت اللَّه -﷾- على أن أعلق عليه شرحًا يميط النقاب عن وجوه مخدراته، ويبرز ما وراء الحجاب من خبياته، ويحرر مسائله، ويجرد دلائله، ضامًّا إليه من الفوائد الجليلات بحسب ما يمنحه مفيض النعم الجليات والخفيات.
وغالب امتدادي في هذا الشرح المبارك من شرحي "الإقناع" و"المنتهى" و"حاشيتيهما" (٣) -أمد اللَّه روح مؤلفهما بالرحمة والرضوان،
_________________
(١) تقدمت ترجمته في "المقدمة" ص ٤٦.
(٢) في الأصل: "الغامظ" وهو خطأ إملائي.
(٣) "شرح الإقناع" هو المسمى: "كشاف القناع عن متن الإقناع" و"شرح المنتهى" هو المسمى: "دقائق أولي النهى شرح المنتهى" وكلاهما مطبوع. وحاشية "شرح المنتهى" هي المسماة: "إرشاد أولي النهى لدقائق المنتهى" في مجلد، منها نسخة خطية بدار الكتب الصرية (فقه حنبلي - ٥٩) وأخرى بالمكتبة البلدية بالإسكندرية، تحت رقم (٣٩٤٠) و"حاشية على =
[ ١ / ٥ ]
وأسكنه أعلى غرف الجنان-.
وإن لم أكن أهلًا لهذا الشأن، ولا من فرسان ذلك الميدان، لكن الظن بالله -﷾- على المعونة جميل، لا حول ولا قوة إلا به، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وسميته بـ "الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات"، واللَّه أسأل أن ينفع به كل من اعتنى به، وأن يرحمني والمسلمين ويجيرنا من عذابه.
قال الشيخ -رحمه اللَّه تعالى-:
(بسم اللَّه الرحمن الرحيم)
ابتدأ كتابه -رحمه اللَّه تعالى- بها اقتداء بالكتاب العزيز، وعملًا بقوله -ﷺ-: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، فهو أبتر". وفي رواية "فهو أقطع" (١) ومعناه ناقص البركة.
(الحمد للَّه): الحمد لغة هو: الوصف بالجميل الاختياري على وجه التعظيم، سواء كان في مقابلة نعمة أم لا. وفي الاصطلاح: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم؛ بسبب كونه منعمًا على الحامد أو غيره.
والشكر لغة هو: الحمد اصطلاحًا. واصطلاحًا: صرف العبد جميع
_________________
(١) = الإقناع" جميعها لمنصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن البهوتي. العالم الكبير، شيخ المذهب ومحرره، رحل إليه الناس من الآفاق لأجل أخذ مذهب الإمام أحمد. ولد سنة (١٠٠٠ هـ) وتوفي سنة (١٠٥١ هـ). "خلاصة الأثر" (٤/ ٤٢٦)، "النعت الأكمل" (٢١٠)، "عنوان المجد في تاريخ نجد" (٢/ ٢٠٦)، "السحب الوابلة" (٣/ ١١٣١)، و"الدر المنضد" لابن حميد (ص ٥٦، ٥٧).
(٢) أخرجه الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (٢/ ٦٩)، ومن طريقه الحافظ عبد القادر الرُّهاوي في "الأربعين" -كما في الدر المنثور (١/ ٢٦) - وعنه السبكي في "طبقات الشافعية" (١/ ١٢) عن أبي هريرة. قال الحافظ ابن حجر -كما نقله ابن علان عنه في "الفتوحات" (٣/ ٢٩٠) -: سنده ضعيف. اهـ. وينظر "فتح الباري " (٨/ ٢٢٠).
[ ١ / ٦ ]
ما أنعم اللَّه به عليه لما خلق لأجله (١).
(المفقِّه) أي: المفهم (من شاء من خلقه) ممن أراد به الخير (في الدين) والدين: ما شرعه اللَّه تعالى من الأحكام، قال -ﷺ-: "من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين" (٢).
(والصلاة) التي هي من اللَّه الرحمة (٣)، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدمي التضرع والدعاء. (والسلام): أي السلامة من النقائص والرذائل، أو الأمان (على نبينا) أي: ورسولنا (محمد) بالجر بدل من نبينا، والنبي: إنسان أوحي إليه بشرع، وإن لم يؤمر بتبليغه، فإن أمر بذلك فرسول أيضًا، فالنبي أعم من الرسول (٤)، والنبيء بالهمز من النبأ، أي: الخبر؛ لأنه مخبر
_________________
(١) ينظر في تعريف الحمد والشكر: "تهذيب اللغة" للأزهري (٤/ ٤٣٥)، و"المفردات" للراغب (ص ٢٥٦)، و"تاج العروس" (٨/ ٣٨)، و"التعريفات" للجرجاني (٩٨/ ١٣٣)، و"المصباح المنير" (١/ ٢٠٥) و"مجموع فتاوى ابن تيمية" (١١/ ١٣٣ - ١٣٤)، و"من أحكام الديانة" لابن عقيل الظاهري (١/ ٤٤٠، ٤٥٦).
(٢) البخاري، كتاب العلم، باب من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه (١/ ٢٥ - ٢٦)، ومسلم، كتاب الإمارة (٣/ ١٥٢٤) عن معاوية بن أبي سفيان.
(٣) تفسير الصلاة من اللَّه بالرحمة ضعفه ابن القيم من خمسة عشر وجهًا: منها: أن اللَّه فرق بين صلاته على عباده، ورحمته في قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾. ومنها: أن صلاة اللَّه خاصة بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين، أما الرحمة فوسعت كل شيء. والصواب في تفسير الصلاة من اللَّه على نبيه أنها: ثناؤه عليه عند الملائكة. وقد أخرج ذلك البخاري معلقًا في صحيحه (٦/ ٢٧) عن أبي العالية. ينظر: "بدائع الفوائد" لابن القيم (١/ ٢٦).
(٤) يفسر هذا العريف للنبي والرسول قول شيخ الإسلام ابن تيمية في "النبوات" (ص ٢٥٥): النبي هو الذي ينبؤه اللَّه، وهو ينبئ بما أنبأ اللَّه به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر اللَّه ليبلغه رسالة من اللَّه إليه؛ فهو رسول. وأما من كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن اللَّه رسالة، فهو نبي =
[ ١ / ٧ ]
عن اللَّه تعالى، وبلا همز -وهو الأكثر- من النبوة، وهي: الرفعة؛ لأن النبي مرفوع الرتبة (١).
ومحمد: اسم من أسماء نبينا -ﷺ-، وهي كما نقل بعضهم عن أبي بكر بن العربي (٢)، والنووي (٣) رحمهما اللَّه تعالى ألفُ اسمٍ (٤)، سمي به؛
_________________
(١) = وليس برسول. اهـ
(٢) ينظر "القاموس المحيط" (ص ٦٧)، و"تاج العروس" (١/ ٤٤٥، ٤٤٦).
(٣) هو: أبو بكر محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه بن العربي، الأندلسي المالكي، العلامة الحافظ. ولد سنة ٤٦٨ هـ. ألّف: "عارضة الأحوذي في شرح جامع الترمذي" و"شرح الموطأ". يقال: إنه بلغ رتبة الاجتهاد. توفي بفاس سنة ٥٤٣ هـ. ينظر: "الصلة" لابن بشكوال (ص ٥٩٠)، و"بغية الملتمس" للضبي (٩٢)، و"سير أعلام النبلاء" (٢٠/ ١٩٧ - ٢٠٤).
(٤) هو: يحيى بن شرف بن مري الحزامي، أبو زكريا محيي الدين، الدمشقي الشافعي، العالم الفقيه. ولد سنة ٦٣١ هـ في المحرم منها. ألّف "شرح مسلم"، و"الأربعين حديثًا"، و"الخلاصة"، و"المجموع"، و"الروضة" وغيرها من التصانيف المفيدة. توفي سنة ٦٧٦ هـ في رجب منها. ينظر: "تذكرة الحفاظ" للذهبي (٤/ ١٤٧٥)، و"الدارس في تاريخ المدارس" للنعيمي (١/ ٢٤)، و"طبقات الشافعية" للسبكي (٨/ ٣٩٥، ٣٩٨).
(٥) قال أبو بكر ابن العربي في "عارضة الأحوذي" (١٠/ ٢٨١): وقال بعض الصوفية للَّه ألف اسم، وللنبي ﵇ ألف اسم. . . قال ابن العربي: وأما أسماء النبي -ﷺ- فلم أحصها إلا من جهة الورود الظاهر بصية الأسماء البينة، فوعيت منها جلة، الحاضر الآن منها سبعة وستون اسمًا. . ثم عدها فبلغ بها أربعة وستين اسمًا. وعنه نقل النووي كما في "شرحه لصحيح مسلم" (١٥/ ١٠٤). وقد صرح ابن القيم في "زاد المعاد" (١/ ٨٨) باسم من قال هذا القول. وبيَّن معنى ذلك فقال: وأما إن جعل له من كل وصف من أوصافه اسم تجاوزت أسماؤه المائتين، كالصادق، والمصدوق، والرؤوف الرحيم، إلى أمثال ذلك. وفي هذا قال من قال من الناس: إن للَّه ألف اسم، وللنبي -ﷺ- ألف اسم، قاله أبو الخطاب بن دحية. ومقصوده الأوصاف. اهـ قال ابن كثير في "البداية والنهاية" (٢/ ٢٥٢): وأفرد الناس في ذلك مؤلفات، حتى رام =
[ ١ / ٨ ]
لكثرة خصاله الحميدة، وسمي به قبله سبعة عشر شخصًا بخلاف أحمد، فلم يُسَمَّ به قبله أحد.