ومنها: ثبوت أهلية التصرف.
ومنها: صحة الصيغة.
ومنها: كونه وقع من أهله في محله، والحكم في مسألة مختلف فيها؛ يرفع الخلاف موجب الصحة، وجواز العمل لكل آخذ بهذا الحكم.
فصل: وأما الحكم بالموجب؛ فإنه أحط رتبة من الحكم بالصحة، وكثيرًا ما يوجد في سجلات القضاة، يسجل بثبوته، ويحكم بموجبه،
[ ٢ / ٢٠٤ ]
وهذا الحكم له ثلاثة شروط:
الأول: أهلية العاقدين.
الثاني: صحة صيغة العقد.
الثالث: كونه وقع من أهله في محله، ولا يشترط فيه ثبوت الملك، والحيازة، فإذا ثبتت المقدمات عنده؛ حكم بموجبها، فإن كان البائع مالكًا؛ صح الكلام، لأن مقتضاهما وموجبهما ذلك، فلهذا لا يجوز لحاكم آخر نقضه إن لم يتبين عدم الملك للبائع.
قال البلقيني: الحكم بالموجب هو قضاء القاضي بأمر ثبت عنده بالإلزام، مما يترتب على ذلك الأمر خاصًا أو عامًا، على الوجه المعتبر عنده في ذلك شرعًا.
قول البلقيني: القضاء يخرج به الثبوت المجرد؛ فإنه ليس بحكم على الصحيح.
وقوله: بالإلزام الخ.
يعني الإلزام بالأمر الذي ثبت عنده، وقد ظهر بما قلناه، أن بين الحكم بالموجب والحكم بالصحة فروق:
الأول: أن الحكم بالصحة ينصب إلى ذلك العقد الصادر، من بيع، أو وقف، أو نحوهما.
والحكم بالموجب ينصب إلى الحكم بثبوت ذلك الشيء، والحكم على من صدر منه بموجب ما صدر منه، ولا يلزم فيه ثبوت أنه مالك إلى حين البيع، ولا إلى حين الوقف، وهذا الحكم غير سالم من الاعتراض كما يأتي:
الثاني: أن الحكم الصادر إذا كان صحيحًا بالاتفاق، ووقع الخلاف في موجبه؛ فالحكم بالصحة فيه لا يمنع من العمل بموجبه عند غير الذي حكم بصحته، فلو حكم الأول بموجبه؛ امتنع على الحاكم الثاني
[ ٢ / ٢٠٥ ]
النقض لهذا الحكم.
مثال ذلك: التدبير صحيح بالاتفاق، وموجبه إذا كان تدبيرًا مطلقًا؛ منع البيع عند الحنفية، فلو حكم الحنفي بصحة التدبير؛ لم يمتنع على الشافعي الحكم بصحة بيعه، ونقض حكم الحنفي؛ فظهر بهذا أن الحكم بالموجب هنا أعلى من الحكم بالصحة.
الثالث: إن كل دعوى كان المطلوب منها إلزام المدعى عليه بما أقر به، أو قامت البينة عليه به؛ فإن الحكم حينئذ فيها بالإلزام، وهو الحكم بالموجب لا يكون حكمًا بصحتها، ولكنه يتضمن الحكم بموجبها، وبصحة الإقرار فيها ونحوه.
الرابع: إن الحكم على الزاني بموجب زناه، وعلى السارق بموجب سرقته؛ يدخل فيه الحكم بالموجب، لا الحكم بالصحة.
الخامس: أن تنفيذ الحكم المختلف فيه؛ يكون حكمًا بموجب ذلك الشيء المختلف فيه، يعني الإلزام بذلك الشيء المحكوم به.
السادس: لو ترافع متبايعان إلى حاكم شافعي أو مالكي، وتنازعا على الوجه الذي يقتضي التحالف قبل وقوعه، وأراد أن يحكم بصحة ذلك العقد؛ فإنه لا يحكم فيه إلا بالموجب، وهو الإلزام، وهو موجب الحجة القائمة، ولا يحكم فيه بالصحة.
السابع: لو حكم حنفي بموجب البيع بعد ثبوت ملك البائع وأنه من أهل التصرف؛ لم يكن ذلك بالحكم بالصحة عندنا، فلو قبض المشتري؛ كان حكمًا بالصحة عندنا، وأما قبل قبض المبيع؛ فهو من ضمان البائع، وأما حكم الحنفي في البيع الفاسج بالموجب بعد قبض المبيع؛ لا يمنع الشافعي بالحكم بالبطلان، بخلاف ما إذا حكم الحنفي بصحة البيع الفاسد عنده بعد القبض؛ لحصول الملك.
الثامن: يتصور أن لا فرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب في صور: بعضها ليس مختلفًا فيه، وبعضها مختلف فيه.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
مثال ذلك: باع قمحًا، وأذن للمشتري أن يكيل لنفسه ما اشتراه؛ فإن في صحة البيع عندنا وجهين: كما إذا اشترط أن لا يكيله إلا بكيل المشتري أو البائع.
ومثال الصور التي اختلف فيها: أن يأذن البائع للمشتري في شيء لا ينافي مقصود صحة العقد، والأصح عندنا في الصورتين الصحة، وعند المالكية لا، فإذا فرعنا على الصحيح، فرفع إلى الحاكم الشافعي صورة من هذه الصور، فله أن يحكم بصحة تصرف المشتري، التصرف الذي لا يصح العقد إلا به بعد القبض؛ فيتضمن ذلك الحكم بالصحة، أي صحة العقد والقبض، ولو حكم الشافعي بصحة العقد والقبض بطريقه؛ صح الحكم، ولو حكم الشافعي بموجب القبض؛ لم يصح حكمه في هذه الحالة، لعدم ضبط الكيل، خلافًا للمالكية، ولو صح عند الحاكم أن القبض وقع بطريقه؛ فله الحكم بصحته، وإن ثبت عنده، أو علم أن القبض لم يقع بطريقه؛ فلا يصح حكم به ولا ينفذ.
التاسع: إن الحكم بالموجب يتضمن أشياء لا يتضمنها الحكم بالصحة، منها الحكم بالإلزام بمجرد العقد، مثال ذلك إذا حكم الحنفي بصحة البيع بمجرد عقده؛ فإن حكمه لا يمنع خيارًا، وأما عنده فيمنع، فليس لبائع ولا مشتر الفسخ، وعندنا لهما ذلك، ولو حكم الحنفي في ذلك، أو المالكي بالموجب؛ امتنع فسخ البيع عندنا؛ فظهر أن الحكم بالموجب في هذه الصورة أعلى من الحكم بالصحة، ومنها الرهن.
مثال ذلك: إذا حكم شافعي بصحة الرهن المعار؛ لم يكن ذلك مانعًا لمن يرى فسخ الرهن بالعود إلى الراهن أن يحكم بصحة فسخ الرهن؛ فظهر أن الحكم بالموجب أعلى؛ لأن الشافعي إذا حكم بموجب الرهن، أو الإلزام بمقتضاه؛ امتنع على المالكي أن يفسخ، لأن موجبه عند الشافعي دوام الحق فيه للمرتهن مع العود مطلقًا.
[ ٢ / ٢٠٧ ]