يكون ذنبه الشهادة على الزنا، ولم يكمل عدد الشهود؛ فإنه يكفي مجرد التوبة. وقيل: إن فسق بفعله، وإلا فلا يعتبر في ذلك. وقيل: يعتبر مضي مدة يعلم فيها حاله بذلك. انتهى.
وأجاب الشيخ عبد الرحمن المفتي الأحسائي، أي الشافعي: تقبل شهادة واحد على وقف، على غير معين، وللمستحق للوظيفة الحلف معه. انتهي.
فائدة: ذكر أبو العباس في رد اليمين والقضاء بالنكول تفصيلًا حسنًا، وهو أنه، إن كان المطلوب بالدعوى مما يعلمه المدعي عليه وحده؛ قضى عليه بالنكول، وإن كان مما يعلمه المدعي وحده وطلب من المدعي عليه اليمين على الثبات، فقال: لا أعلم، لكن أحلف؛ وقد قضى بالرد. وإن كان كل منهما يدعي العلم، أو طلب من المدعي عليه على نفي العلو؛ فهنا يتوجه القولان، وتمامه فيه. انتهى.
فالظاهر أن هذا يجوز العمل به في بعض المواضع، وإن كان المذهب خلافه، لأنه قد عمل به الشيخ محمد، قاله شيخنا.
قال في "المغني": وإن كان عبد بين اثنين، فباعه أحدهما بإذن الآخر بألف، وقال: لم أقبض ثمنه، وادعى المشتري أنه قبضه، وصدقه الذي لم يبع؛ برئ المشتري من نصف ثمنه؛ لاعتراف شريك البائع بقبض وكيله حقه، فبرئ المشتري منه، كما لو أقر أنه قبضه بنفسه، وتبقى الخصومة بين البائع وشريكه والمشتري، فإن خاصمه شريكه، وادعى عليه أنك قبضت نصيبي، فأنكر؛ فالقول قوله مع يمينه إن لم يكن للمدعي بينة، فإن كانت له بينة؛ قضى بها عليه، ولا تقبل شهادة المشتري له، لأنه يجر بها إلى نفسه نفعًا. وإن خاصم البائع المشتري، فادعى المشتري أنه دفع إليه الثمن، فأنكر البائع؛ فالقول قوله مع يمينه، لأنه منكر، فإذا حلف أخذ البائع من المشتري الثمن، ولا يشاركه فيه شريكه،
[ ٢ / ٣١٣ ]
لأنه معترف أنه يأخذه ظلمًا؛ فلا يستحق مشاركته فيه. وإن كانت للمشتري بينة؛ حكم بها، ولا تقبل شهادة شريكه عليه، لأنه يجر بها إلى نفسه نفعًا.
ومن شهد بشهادة يجر بها إلى نفسه نفعًا؛ بطلت شهادته في الكل، ولا فرق بين مخاصمة الشريك قبل مخاصمة المشتري أو بعدها. وإن قال المشتري: إن شريك البائع قبض منه الثمن، فصدقه البائع، نظر، فإن كان البائع أذن لشريكه في القبض؛ فهي كالتي قبلها، وإن كان لم يأذن له في القبض؛ لم تبرأ ذمة المشتري من شيء من الثمن، لأن البائع لم يوكله في القبض، فقبضه له؛ لا يلزمه، ولا يبرأ المشتري منه، كما لو دفعه إلى أجنبي.
ولا يقبل قول المشتري على شريك البائع، لأنه ينكره، وللبائع المطالبة بقدر نصيبه لا غير؛ لأنه مقر أن شريكه قبض حقه، ويلزم المشتري دفع نصيبه إليه، ولا يحتاج إلى يمين، لأن المشتري مقر ببقاء حقه. وإن دفعه إلى شريكه لم تبرأ ذمته، فإذا قبض حقه؛ فللشريك مشاركته فيما قبض، لأن الدين لهما ثابت بسبب واحد، فما قبض منه؛ يكون بينهما، كما لو كان ميراثًا، وله أن يشاركه ويطالب المشتري بحقه كله، وتمامه فيه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن ادعى دينًا على ميت، وهو ممن يعامل الناس، نظر الوصي إلى ما يدل على صدقه، ودفع إليه، وإلا فتحريم الإعطاء حتى يثبت عند القاضي خلاف السنة والإجماع إن أمن التبعة، وإن خاف، فلا. انتهى.
قال ابن قندس عند قول "الفروع": كذا قال.
فيه إشارة إلى إنكاره، ولهذا تأوله إلى قوله: كذا قال؛ لمخالفته ظاهر النص. انتهى.
[ ٢ / ٣١٤ ]
ومن "الروض وشرحه": أو يقول له وقد عجز عن بينة بالرهن أو الإجارة، وخاف جحد المدعي لهما إن اعترف له بالملك: إن ادعيت ملكًا مطلقًا؛ فلا يلزمني تسليمه، أو مرهونًا، أو مؤجرًا عندي، فاذكره (١) حتى أجيب، وعكسه بأن ادعى المرتهن على الراهن دينًا، وخاف الراهن جحد المدعي الرهن لو اعترف له بالدين، يقول في جوابه: إن ادعيت ألفًا لا رهن به؛ فلا يلزمني، أو به رهن فاذكره حتى أجيب، ولا يكون مقرًا بذلك، وتمامه في "الروض وشرحه".
من "المغني" وإن قال له: في هذا العبد شركة؛ صح، وله تفسيره بأي قدر كان منه، وتمامه فيه.
قوله: وإن قال: زوجتنيها، فقال: بل بعتها عليك، مثله من قال: أجرتني الأرض كذا سنين بكذا، ويقول مالكها: بعتها عليك، أو بالعكس؛ لاتفاقهما على استحقاق المنفعة، قاله شيخنا.
قوله: يكره نفخ اللحم الخ.
أي فيما يباع وزنًا، وإلا فما يباع جزافًا؛ يحرم، لأنه تدليس، قاله شيخنا.
ومن "شرح المنتهى" لمؤلفه: الثالث: أن يدفع ضررًا عن نفسه، كشهادة العاقلة بجرح شهود قتل الخطأ، لأنهم متهمون، لما في ذلك من دفع الدية عن أنفسهم، حتى ولو كان الشاهد بالجرح فقيرًا، أو بعيدًا في الأصح؛ لجواز أن يوسر، أو يموت من أقرب منه، وتمامه فيه.
لا يقبل إقرار العبد أنه مغصوب إذا لم يصدقه سيده ولو بعد عتقه، لأنه حق، فلا يقبل ولو على نفسه؛ فولاية تزويجه لسيده، قاله شيخنا.
فائدة: قال البرزلي في الرجل يشهد له الشهود أن له في هذه الدار حقًا، ولا يعرف كم هو، فإن أقر مشهود عليه بشيء؛ حلف عليه، ولم
_________________
(١) في الأصل: (فأنكره).
[ ٢ / ٣١٥ ]
يكن للمشهود له غيره، وإن أنكر، فإن سمى المشهود له حقه؛ حلف عليه وأخذه، وإن قال: لا أعرفه، وإنما أسمع أبي يقول: فيها حق؛ فإنه يحال بين المشهود عليه وبين الدار كلها، حتى يقر بحق هذا، أو يسمي من ذلك ما يشتهي ويحلف عليه.
من "روضة ابن عطوة": والمذهب خلافه، لكن تقدم لك في هذا أن زامل بن سلطان تلميذ الشيخين: ابن النجار، والحجاوي، وجد بخطه ما حاصله: شهد فلان وفلان شهادة صحيحة شرعية أن لفلان شرب من البئر الفلاني الخ. ثم حكم به ولم يعين كم هو، وأمضاها من بعده من القضاة. قال شيخنا: لاسيما إن كان للمدعي أمارة صدق، من رسم ساقي، أو كون ملكه يسقى من البئر أولًا، أو مالكهما، أو واحد والبئر واحد، أو هو أحد الورثة، أو اشتراه من بعض الورثة؛ فيمكن القول بذلك لقوته إذًا، والله أعلم.