وهو في اصطلاح الفقهاء فتل الخصم، أي رده بالكلام عن قصده، أي ما يقصده من نفي أو إثبات من حكم لطلب صحة قوله، أي قول القائل له.
وإبطال قول غيره؛ مأمور به على وجه الإنصاف، وإظهار الحق.
قال ابن الجوزي في "الإيضاح": هذا العلم لا يستغني عنه ناظر، ولا يتمشى بدونه كلام مناظر، لأن به تتبين صحة الدليل من فساده تحرير وتقريرًا، وتتضح الأسئلة الواردة من المردودة إجمالًا وتفصيلًا، ولولاه لاشتبه التحقيق في المناظرة بالمكابرة، ولو خلي كل مدع ومدعيً ما يرومه على الوجه الذي يختار، ولو مكن كل مانع من ممانعة ما يسمعه متى شاء، لأدى إلى الخبط وعدم الضبط.
وإنما المراسم الجدلية تفصل بين الحق والباطل، وتبين المستقيم من السقيم، فمن لم يحط بها علمًا؛ كان في مناظراته كحاطب ليل.
ويدل عليه الاشتقاق، فإن الجدل من قولك: جدلت الحبل أجد له جلالًا، إذا فتلته فتلًا محكمًا.
وأول ما تجب البداءة به حسن القصد في إظهار الحق، طلبة لما عند
[ ٢ / ٣٥٧ ]
الله. قال الله تعالى: "وجادلهم بالتي أحسن" (١). وقال أيضًا: " قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" (٢).
وفعله الصحابة ﵃، كابن عباس، لما جادل الخوارج والحرورية، ورجع منهم خلق كثير. وفعله السلف أيضًا، كعمر ابن عبد العزيز ﵁، فإنه جادل الخوارج أيضًا.
فأما إذا كان الجدل على وجه الغلبة والخصومة والغضب.
ووجه المراء، وهو، أي المراء: استخراج غضب المجادل، فمزيل عن طريق الحق، وإليه انصرف النهي عن قيل وقال.
وفيه، أي المراء. غلق باب الفائدة، وفي المجادلة للمناصحة فتحه، أي فتح باب الفائدة.
فأما اجتماع جمع متجادلين، مع أن كلًا منهم لا يطمع أن يرجع إن ظهرت حجة، ولا فيه مؤانسة ومودة وتوطئة القلوب لوعي حق، بل هي على الضد.
قال ابن عقيل: وكل جدل لم يكن الغرض منه نصرة الحق، فإنه وبال على صاحبه، والمضرة فيه أكثر من المنفعة، لأن المخالفة توحش.
ولولا ما يلزم من إنكار الباطل واستنقاذ الهالك بالاجتهاد في رده عن ضلاله ولما حسنت المجادلة، للإيحاش منها غالبًا، ولكن فيها أعظم المنفعة إذا قصد بها نصرة الحق والتقوى على الاجتهاد، لا المغالبة وبيان الفراهة نعوذ بالله منها. فإن طلب الرياسة وطلب التقدم بالعلم يهلك، فلو بان له سوء قصد خصمه؛ توجه تحريم مجادلته.
قال ابن مفلح: في توجه تحريم مجادلته خلاف.
وفي "شرح التحرير": قلت: والصحيح من المذهب التحريم.
_________________
(١) ١٦/ ١٢٦.
(٢) ٢/ ١١٢.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
ويجعل قصده أحد أمرين:
نصرة الحق ببيان الحجة، ودحض الباطل بإبطال الشبهة، لتكون كلمة الله هي العليا.
ويجتنب الثالث، وهي المغالبة، وبيان الفراهة على الخصم، والترجح عليه في الطريقة. فإذا سأله، هل يحرم النبيذ؟ فيقول المجيب: قد حرمه قوم من العلماء، هذا عند أهل الجدل ليس بجواب، وللسائل أن يضايقه في ذلك، بأن يقول: لم أسألك عن هذا. بل سألتك، أحرام هو؟
فجوابي أن تقول: حرام، أوليس بحرام، أو لا أعلم.
فإن ضايقه، ألجأه للجواب، أو بان جهله لتحقيق الجواب، وليس له أن يجيب بالتعريض لمن سأله بالإفصاح.
ولا يصح الجدل مع الموافقة من المذهب إلا أن يتكلما على طريق المباحثة، فيتقدرون الخلاف لتصح المطالبة، ويتمكن من الزيادة.
إلى أن قال: لا أجد فرقًا.
قال السائل: ليس كل ما لم تجده يكون باطلًا.