اعلم أنه لا يخلو الخصم في الجدل من أن يكون في طبقة خصمه، أو أعلى أو أدون منه، فإن كان في طبقته، كان قوله له الحق في هذا، كذا دون كذاب من قبل كيت وكيت، ولأجل كذا.
وعلى الآخر أن يتحرى له الموازنة في الخطاب، فذلك أسلم للقلوب وأبقى لشغلها.
وإن كان أعلى؛ فليتحر، وليتجنب القول له: هذا خطأ أو غلط، أوليس كما تقول، بل يكون قوله له: أرأيت إن قال قائل: يلزم على ما ذكرت كذا. وإن اعترض على ما ذكرت معترض بكذا، فإن نفوس الكرام تأبى خشونة الكلام، إذ لا عادة لهم بذلك، وإذا نفرت، عميت
[ ٢ / ٣٥٩ ]
القلوب، وجمدت الخواطر، وانسدت أبواب الفوائد، فحرمت كل الفوائد بسفه السفيه، وتقصير الجاهل في حقوق الصدور.
وقد أدب الله تعالى أنبياءه في خطابهم للرؤساء من أعدائه، فقال الموسى وهارون في حق فرعون: "فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى" (١).
وما ذاك إلا مراعاة لقلبه حتى لا ينصرف بالقول الخشن، عرفهم الخطاب؛ فكيف برئيس تقدم في العلم تطلب فوائده وترجو الخير في إيراده، فأحرى بنا أن نذلل له العبارة ونوطئ له جانب الجدل لتنهال فوائده انهيالًا.
وفي الجملة والتفصيل: الأدب معيار العقول، ومعالم الكرام.
وسوء الأدب مقطعة للخير، ومدمغة للجاهل، إلا أنه يجوز إذا أتي بالخطأ أن يقال: هذا خطأ، وهذا أغلط من قبل كيت وكيت، ليذوق مرارة سلوك الخطأ فيتجنبه، وحلاوة الصواب فيتبعه.
ورياضة هذا واجبة على العلماء، وتركه سدي مضرة له، فإن عود الإكرام الذي يستحقه الأعلى طبقة أخلد إلى خطئه، ولم يزعه عن الغلط إذا نزع.
ومقام التعليم والتأديب يكون تارة بالعنف، وتارة باللطف، وسلوك أحدهما يفوت فائدة الآخر.
قال الله تعالى: "وأما السائل فلا تنهر" (٢). قيل: إنه للسائل في العلوم لا المال، وقيل: عام فيهما.
ومن أدلة الفقه. قول الفقهاء: درء المفاسد أولي من جلب المصالح، ودفع أعلاها، أي أعلى المفاسد بأدناها.
_________________
(١) ٢٠/ ٤٤.
(٢) ٩٣/ ١١.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
يعني إن الأمر إذا دار بين درء مفسدة وجلب مصلحة؛ كان درء المفسدة أولى من جلب المصلحة.
وإذا دار الأمر أيضًا بين درء إحدى المفسدتين وكانت إحداهما أكثر فسادًا من الأخرى؛ فدرء العليا منهما أولى من درء غيرها، وهذا أوضح يقبله كل عاقل، واتفق عليه أولو العلم (١).
***
من «إعلام الموقعين» لابن القيم، بعد كلام سبق: وقد أجرى العرف مجرى النطق في أكثر من مائة موضع.
منها: نقد البلد في المعاملات، وتقديم الطعام إلى الضيف، وجواز تناول اليسير مما يسقط من مأكول أو غيره، والشرب من خوابي السبيل ومصانع الطريق، ودخول الحمام وإن لم يعقد الإجازة مع الحمامي لفظًا، وضرب الدابة المستأجرة إذا حرفت في السير، وإيداعها في الخان إذا قدم بلده، أو ذهب في حاجة، ودفع الوديعة إلى من جرت العادة بدفعها إليه، من امرأة، أو خادم، أو وكيل، وتوكيل الوكيل فيما لا يباشر مثله بنفسه، وجواز التخلي في دار من أذن له بالدخول إلى داره، والشرب من مائه، والاتكاء على الوسادة المنصوبة، وأكل الثمرة الساقطة من الغصن الذي على الطريق، وأذن مستأجر الدار لمن شاء من أصحابه وأضيافه في الدخول، والمبيت والثوي عنده، والانتفاع بالدار وإن م يتضمنهم عقد الإجارة لفظًا، اعتمادًا على الإذن العرفي، وغسل القميص الذي استأجره للبس مدة يحتاج فيها إلى الغسل، ولو وكل غائبًا أو حاضرًا في بيع، والعرف قبض ثمنه؛ ملك ذلك. ولو اجتاز بحرث غيره في الطريق، ودعت الحاجة إلى التخلي فيه؛ فله ذلك إذا لم يجد موضعًا سواه، إما لضيق الطريق، أو لتتابع المارين فيها؛ فكيف بالصلاة فيه والتيمم بترابه؟ !
_________________
(١) انتهى كلام أبي البقاء تقي الدين محمد الفتوحي.
[ ٢ / ٣٦١ ]
ومنها: لو رأى شاة غيره تموت، فذبحها حفظًا لماليتها عليه؛ كان ذلك أولى من تركها تذهب ضياعًا، وإن كان من جامد الفقهاء من يمنع ويقول: هذا تصرف في ملك الغير، وإنما حرمه لما فيه من الضرر به، وترك التصرف هاهنا هو الضرر.
ومنها: لو استأجر غلامًا فوقعت الأكلة في طرفه، فتيقن أنه إن لم يقطعه سرت إلى نفسه فمات؛ جاز له قطعه ولا ضمان عليه.
ومنها: لو رأى السيل يمر بدار جاره، فبادر ونقب حائطه وأخرج متاعه فحفظه عليه؛ جاز.
ومنها: لو قصد العدو مال جاره، فصالحه ببعضه دفعًا عن بقيته؛ جاز ولو يضمن ما دفعه إليه.
ومنها: لو باعه صبرة عظيمة، أو حطبًا أو حجارة ونحو ذلك؛ جاز له أن يدخل ملكه من الدواب والرجال ما ينقلها به، وإن لم يأذن في ذلك لفظًا.
ومنها: ولو جذ ثماره، وحصد زرعه، ثم بقي من ذلك ما يرغب عنه عادة؛ جاز لغيره التقاطه والدخول لأخذه وإن لم يأذن فيه لفظًا.
ومنها: لو وجد هديًا مشعرًا منحورًا ليس عند أحد؛ جاز له أن يقتطع ويأكل منه.
ومنها: لو أتى إلى دار رجل؛ جاز له طرق حلقة الباب عليه، وإن كان تصرفًا في بابه لم يأذن فيه لفظًا.
ومنها: الاستناد إلى جداره، والاستظلال به.
ومنها: الاستمداد من محبرته، وقد أنكر أحمد على من استأذنه في ذلك. وهذا أكثر من أن يحصر، وعليه يخرج حديث عروة ابن الجعد البارقي، حيث أعطاه النبي ﷺ دينارًا ليشتري له به شاة، فاشترى شاتين بدينار، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بالدينار والشاة الأخرى،
[ ٢ / ٣٦٢ ]
فباع، وأقبض، وقبض بغير إذن لفظي، اعتمادًا منه على الإذن العرفي الذي هو أقوى من اللفظي في أكثر من المواضع.
ولا إشكال بحمد الله في هذا الحديث بوجه ما، وإنما الإشكال في استشكاله؛ فإنه جاء (١) على محض القواعد كما عرفته. انتهى.
من «الإشارات على المنهج» لابن الملقن الأنصاري: الضبة بالضاد، قطعة تسمر في الإناء، وبالظاء قظبة السيف، وظبة السكين: شفرتها.
قوله: وسطًا. ضبطه المصنف بفتح السين وسكونها، وبخطه أيضًا بالفتح فقط .. إلى أن قال: وأما وسطها بالفتح؛ فمعناه العدل، قال تعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطًا» (٢).
المسجَد بالفتح: اسم لمكان السجود، وبالكسر: اسم للموضع المتخذ مسجدًا، ويقال له: مسيد، حكاة غير واحد من أهل اللغة.
الودي بإسكان الدال المهملة: التوهم، والتجوز بلا رجحان، إذ الوهم هو الطرف المرجوح.
اللحظة: نظرة بمؤخر عينه، والمراد بها الزمن اليسير.
الفيء: لا يكون إلا بعد الزوال؛ لأنه ظل فاء من جانب إلى جانب، أي رجع، وشبه بذنب السرحان لطوله، ولأن الضوء يكون في الأعلى دون الأسفل، كما أن الشعر على أعلى الذنب دون أسفله، وهو الفجر الكاذب.
والثاني: هو المستطير، أي المنتشر. قال تعالى: «يوفون بالنذر ويخافون يومًا كان شره مستطيرًا» (٣). أي منشرًا فاشيًا ظاهرًا! .
الحيعلة: من حي على الصلاة، حي على الفلاح.
_________________
(١) وعلى هامش الأصل: جار.
(٢) ٢/ ١٤٤
(٣) ٧٦/ ٨
[ ٢ / ٣٦٣ ]
والحوقلة: من لا حول ولا قوة إلا بالله.
والبسملة: من بسم الله.
والحمد له: من الحمد لله.
والهيللة: من لا إله إلا الله.
والجعفلة: من جعلت فداك.
والدمعزة: من دام عزك.
والطبقلة: من طال بقاؤك.
قوله: بررت بكسر الراء الأولى، كذا ضبطته على شيوخي.
الركن: ما تشمل عليه الصلاة، بخلاف الشرط؛ فإنه يتقدم على الصلاة ويجب استمراره فيها.
أوساط المفصل: الأوساط جمع وسط بتحريك السين، بين القصار والطوال.
قال الجوهري: شيء وسط، بين الجيد والرديء.
قال الواحدي: الوسط اسم لما بين طرفي الشيء.
السارية: العمود.
غلم: إذا اشتدت حاجته إلى النكاح.
الصبي: هو الذي لا يفهم الخطاب، ولا يرد الجواب، ومقاصد الكلام، ولا يضبط بسن، بل باختلاف الإفهام.
شعر مجعد: إذا كان فيه تقبض والتواء، بخلاف الشعر السبط بفتح السين وإسكان الباء، فإنه المسترسل من غير تقبض.
القت: بفتح القاف وتشديد المثناة فوق: هو الرطبة التي تقطع للدواب، وهو الفصة بالصاد المهملة.
التأبير: وضع طلع ذكور النخل في طلع إناثها بعد التشقق لتكون
[ ٢ / ٣٦٤ ]
ثمرتها أجود، ويسمى التلقيح أيضًا، سواء تشقق بنفسه أم بغيره، كما نبه عليه الرافعي.
لا تضاف لفظة شهر إلى شيء من الشهور، إلا إلى رمضان، وشهري ربيع، نقله المصنف عن أهل اللغة، فيقال: شهر ربيع.
الطست: بفتح الطاء وكسرها، ثم سين مهملة: يعمل من الصفر، وقيل بالشين المعجمة.
سطل: بفتح السين وإسكان الطاء: طسية صغيرة على هيئة التور، له عروة.
المماكسة: النقصان عما طلب البائع.
الجاحد: من أنكر شيئًا سبق اعترافه به، كما سلف في تارك الصلاة.
سميت المرأة فراشًا؛ لأن الرجل يفترشها.
الهزال: بضم الهاء، أصابه هزال، أي عجف.
القولنج: انعقاد أخلاط الطعام في بعض الأمعاء فلا ينزل، ويصعد بسببه البخار إلى الدماغ فيؤدي إلى الهلاك، ومما ينفعه، التين، والزبيب، والخبز الخشكار.
مدينة السلام: بغداد، ذكره الخطيب عن الأصمعي. انتهى.
قال الإمام أحمد: اللدود: شيء يأخذ الرجل في خاصرتيه، فيسقى من جانب فمه من أحد شقيه. والوجور: يسقى من وسط فمه. انتهى.
الاستقراء: تتبع الجزئيات لإثبات أمر كلي.
الهاجس: ما يلقى في النفس.
والخاطر: ما يجول فيها بعد إلقائه (١) انتهى.
_________________
(١) وفي نسخة مكتبة الرياض: (الغاية).
[ ٢ / ٣٦٥ ]
ومن كلام ابن تيمية: الولدان الذين يطوفون على أهل الجنة، خلق من خلق الله، ليسوا من أبناء أهل الدنيا، بل أبناء أهل الدنيا إذا دخلوا الجنة يكمل خلقهم (كأهل الجنة)، على صورة آدم ﵇، أبناء ثلاث وثلاثين سنة، في طول ستين ذراعا، والله ﷾ أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه في سائر الآناء والأوقات، عدد جميع المخلوقات آمين.
[ ٢ / ٣٦٦ ]