منها: أنه لا ينقض الحكم إذا صدر في محل الاجتهاد، وكذا الحكم بالصحة إذا صدر في محل الاجتهاد لا يرد عليه النقض إذا استوفيت شروطه وآثاره، وكما لا يرد النقض على الحكم بالصحة؛ لا يرد النقض على ما يتضمن الحكم بالصحة، وكذلك الحكم بالموجب إذا وقع في مسألة يكون الحكم فيها أعلى من الحكم بالصحة.
ومنها: إذا حكم حاكم بصحة شيء أو بموجبه، وكان ذلك صحيحًا عنده؛ فإن ذلك لا يتطرق إليه نقض، إلا أن يخالف الإجماع، أو الكتاب، أو السُنَّة، أو القياس الجلي.
ومنها: إذا رفع إلى القاضي كتاب حكم من حاكم غيره، فإنه ينفذه، سواء كان في البلد أو في غيره، قربت المسافة أو بعدت، وسواء كان بصحة أو بموجب. وأما إن كان سماع بينة؛ فلا يقبله إلا إذا كان بينه وبين البينة مسافة تقبل فيها الشهادة على الشهادة، ومن أصحابنا من أجاز ذلك بناءً على أنه حكم، ورجحه الغزالي، والمفتى به؛ الأول، وفاقًا لمالك.
ومنها: إذا شهد شهود في قضية مال، ثم رجعوا بعد الحكم بصحة أو موجب؛ حكم عليهم بالتغريم، ويتضمن الحكم بالموجب الحكم بالصحة. إذا شهد عنده الشهود أن هذا وقف، وذكر الوقف على وجه معين، وحكم الحاكم بموجب الشهادة، كان ذلك متضمنًا للصحة والموجب معًا.
فائدة: قال البلقيني: من أحضر كتاب وقف أو بيع، وأثبت صدوره فقط، ولم يثبت ما يقتضي الحكم بالصحة؛ فلا يجوز للقاضي أن يحكم بالصحة ولا بالموجب، لأن الواقف قد يأتي بشهود يشهدون عند آخر أن الحاكم الأول حكم بموجب هذا الوقف فيجعله الحاكم الثاني حكمًا
[ ٢ / ٢٠٨ ]
من الحاكم الأول؛ فلا بد أن يثبت الملك، فإنه قد يقف ما ليس ملكه، إلا ببينة تشهد له بالملك إلى حين وقفه. قال البلقيني: الثبوت المجرد له ثلاث فوائد عندنا وعند الحنفية: تعديل البينة. وقبول شهادتهم فيما شهدوا به. وجريان ذلك الأمر المشهود به. وأما صحته وهو أنه حكم بصحته؛ فليس ذلك مشروطًا عندنا، قال السبكي: الثبوت يدل على الصحة. والصحيح أن الثبوت ليس حكمًا بالثابت، بل غايته أن يكون حكمًا بثبوته، يعني لجريان العقد، ومن أضاف الثبوت إلى الحكم، كقوله: ثبت عندي أن هذه الدار وقف فلان أو ملك فلان؛ فهذا شبيه بالحكم، فلا ينقض إلا بتحقيق، مثل أن يخالف شرطًا من شروط الوقف أو البيع. فإن نقص شرطًا؛ فللقاضي نقضه، قال البلقيني: إذا قال الحاكم ثبت عندي كذا وكذا من غير ذكر بينة معينة؛ فأنا نعمل به ونحمل قوله على الصحة، ونحمل ذلك العقد الذي حكم به على الصحة. قال القرافي: إن قلت: ما الفرق بين الثبوت والحكم؟ وهل الثبوت حكم، أم لا؟ فإذا قلنا: أن الثبوت حكم، فهل هو عين الحكم أو يستلزمه؟ فالجواب: الثبوت سبب قيام الحجة على ثبوت السبب عند الحاكم، مثل أن يثبت عند الحاكم أن النكاح الذي صدر بين الزوجين بلا ولي إلى أن قال: فإذا قال القاضي: إن قيمة ما أخذ فلان من مال فلان بطريق الغصب والعدوان كذا وكذا، أو ثبت عندي أن قيمة ما أتلفه فلان كذا وكذا؛ فهذا إذا ثبت عند الحاكم ثبوتًا مجردًا؛ لم يستلزم إنشاء حكم بها، بل لا بد من جريان الدعوى بين الخصمين والإعذار في ذلك، ولا يحكم في غيبة خصم إلا في أربع مسائل: إذا غاب في مسافة فوق مسافة الغدو، وقدرها، إذا ركب الراكب إليها بكرة لا يرجع إلى أهله من ليلته، فيجوز للحاكم سماع البينة والحكم بها عليها، لكن مع تحليف المدعي، وإن أقام شاهدًا حلف يمينين، الثاني: التواري
[ ٢ / ٢٠٩ ]