قال ابن عطوة: يشترط في محرم المرأة في الحج أن يكون بصيرًا. انتهى.
وقال أيضا: قال شيخنا: تعتبر الجهة، فلو حج عنه من غير جهة بلده ولو كانت أبعد مسافة، لم يصح. انتهى.
قوله في محظورات الاحرام: ويضمن جراد بقيمته، حتى ولو انفرش في طريقه بمشيه فقتله الخ. الظاهر ومثله دابة المتصرف فيها، بأن كان راكبًا أو قائدًا أو سائقًا، قاله شيخنا.
قوله: ولو يكن صيدًا والبائع محرم إلى آخره. الظاهر أنه يوقف للبائع حتى يحل من إحرامه، ثم هو بالخيار، إن أراده، وإلا ضرب مع الغرماء. ونفقته في حال ايقافه، من مال المفلس، لأنه ملكه ولو تعلق به حق البائع، قاله شيخنا.
قوله: فيمن أحرم عن أحد اثنين ولم يدر أيهما، فإن لم يفرط الموصي، بأن علم النائب باسم المنوب عنه وهو الموصي، ولم يفرط النائب بأن سماه عند الاحرام لكن نسيه، فالنفقة عليهما، أي الموصيين، لأن النائب عين أحدهما ونسيه، وهو عذر، قاله شيخنا.
إذا أوصى بحجة، حج عنه من بلده. ومن أبعد منه، يمم مكة على جهته.
وإذا أوصى بمال يحج به عنه حجة، فجعل الوصي بدونه، فالظاهر أن الذي حج يستحق المال كله، كما نقل عن البلباني.
وإن قال: يحج عني بكذا، صرف في حجة بعد أخرى. فإن لم يكن حجتين، حج بالباقي من حيث بلغ، وإلا دفع عونة في حج، وإلا تصدق
[ ١ / ١٦٧ ]
به. والصدقة بالمال لمن لم يلزمه الحج، أفضل من الحج به، من تقرير شيخنا.
قوله: ويجوز أن يحج عنه، أي عن من أوصى بالحج، ولا حج عليه من الميقات إلى آخره. وعبارة "المنتهى": وإن أوصى بحج نفل، وأطلق، وعبارة "الانصاف": أو أطلق.
قال في "الانصاف": أحدهما: إذا كان الحج نفلًا، أجزأ من الميقات إلى آخره.
ومنه أيضا: ولو وصى بحج نفل، أو أطلق جاز من الميقات، على الصحيح من المذهب، نص عليه، وعليه الأصحاب ما لم تمنع قرينة.
وقيل: من محل وصيته، وقدمه في "الترغيب" لحج واجب، ومعناه للمصنف، ويأتي.
ومن: الثانية: إذا كان الموصي قد حج حجة الإسلام، كان الألف من ثلث ماله. وإن كانت عليه فنفقتها من رأس المال. انتهى.
والذي ظهر: أنه إذا أوصى بحجة، أنها تكون من بلده، إلا إذا كانت نفلًا، بأن يكون قد حج حجة الإسلام، وإلا بأن لم يكن حج، فإنها من بلده لأنه إذا حج، وقعت فرضًا لا نفلًا، والعرف كذلك.
فإن أوصى بها لغيره بأن قال: لفلان حجة، أو علي لفلان حجة، فمن الميقات بلا شك، لأن الوصية والإقرار يحمل على أدنى ما يقع عليه الاسم، من تقرير شيخنا.
قوله: وإن عوفي قبل إحرام النائب، لم يجزئه الخ. مفهومه أنه لو عوفي بعد إحرامه، أنه يجزئه، ولو كان إحرامه قبل الميقات، وهو كذلك من إملاء الحجاوي. والظاهر أن هذا المذهب، قاله شيخنا.
قوله: ويعتبر أن يكون له إذا رجع ما يقوم بكفايته وكفاية عياله على الدوام، من أجرة عقار، أو بضاعة، أو صناعة ونحوها إلى آخره.
[ ١ / ١٦٨ ]
وفي الهامش: أي مدة ذهابه ورجوعه. "مطلع". وعليها أخرى.
وظاهره أنه قصد النفقة عليه وعلى عياله إلى أن يعود، ويبقى له ما يقوم بكفايته وكفاية عياله على الدوام، من عقار، أو بضاعة، أو صناعة. "مبدع".
وذكر في "الانصاف" عند هذا القول أنه الصحيح من المذهب، وقال به جموع من الفقهاء. والآخر قاله في "الروضة" و"الكافي" و"الرعايتين" فقط، والمفهوم لا يساعده، قاله شيخنا.
قال في "الانصاف": قوله: فاضلًا عن مؤونته ومؤونة عياله على الدوام والله أعلم. إنه يعتبر كفايته وكفاية عياله إلى أن يعود بلا خلاف. والصحيح من المذهب أنه يعتبر أن يكون له إذا رجع ما يقوم بكفايته وكفاية عياله على الدوام، من عقار، أو بضاعة، أو صناعة، وعليه أكثر الأصحاب، وهو الظاهر ما جزم به في "الهداية" و"المذهب" و"مسبوك الذهب" و"المستوعب" و"الخلاصة" و"العمدة" و"التلخيص" و"البلغة" و"شرح المجد ومحرره" و"الافادات" و"النظم" و"الحاويين" و"ادراك الغاية" و"المنور" وغيرهم، لاقتصارهم عليه. وقدمه في "الفروع" و"تجريد العناية". وقال في "الروضة" و"الكافي": يعتبر كفاية عياله إلى أن يعود فقط. قدمه في "الرعايتين" و"الفائق".
فقال أبو طالب: يجب عليه الحج إذا كان معه نفقة تبلغ مكة ويرجع، ويخلف نفقة لأهله حتى يرجع. انتهى.
من "جمع الجوامع": الحادي عشر: يتعين على الإمام أن يبعث مع الحاج أميرًا يقوم بمصالحهم، ويقيم لهم أمور الحج.
قال أبو العباس: ومن جرد مع الحاج من الجند المقطعين، وجمع له ما يعينه على كلفة الطريق، أبيح له أخذه، ولا ينقص أجره، وله
[ ١ / ١٦٩ ]
أجر الحج والجهاد. وقال: وهذا كأخذ بعض الإقطاع ليصرفه في المصالح، وليس في هذا اختلاف. انتهى.
والذي ظهر لنا ما يدفعه للجند مع الحاج، أنه مباح، لأنه مصلحة للحاج، ولولا الجند، لم يقدروا على الحج، قاله شيخنا.
قال في "الفروع": النائب في الحج أمين، يركب، وينفق بالمعروف منه، أو مما اقترضه أو استدانه لعذر على ربه إلى أن قال: ويرد ما فضل، إلا أن يؤذن له فيه، لأنه لا يملكه ويتوجه: يجوز له صرف نقد بآخر لمصلحة، وشراء ماء الطهارة. انتهى.
قال في "النظم" لابن عبد القوي:
وكلفته مع من يمون على المدى بريع مغل أو بربح معدد
انتهى.
أجاب الشيخ الحجاوي: وإذا حج بالمال الحرام، من جمل أو نفقة، لزمه أن يحج لعدم سقوطه بالمال الحرام. انتهى.
من جواب للشيخ سليمان بن علي: وإذا طاف المتمتع وسعى ولم يحلق، ثم أحرم وقد بقي حلق العمرة الواجب، فالظاهر أن هذا يصير قارنًا فيلزمه حكم القرآن. قال في "المستوعب" وغيره في المتمتع، والناسي، والعامد: سواء، ومن خطه نقلت.
[ ١ / ١٧٠ ]
والظاهر لنا عدم جواز ذلك مع الاشكال، لأنه بعد الطواف لا يصح إدخال الحج عليها، كما صرح به غير واحد، قاله شيخنا.
قال في "الشرح الكبير": إذا أدخل الحج على العمرة قبل طوافها من غير خوف الفوات جاز، وكان قارنًا بغير خلاف. فأما بعد الطواف، فليس له ذلك، ولا يصير قارنًا، وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور. وقال مالك: يصير قارنًا. وحكي ذلك عن أبي حنيفة كما قبل الطواف.
ولنا أنه قد شرع في التحلل من العمرة فلم يجز إدخال الحج عليها كما بعد السعي، إلا يكون معه هدي فله ذلك. وكذلك عبارة "المنتهى" و"الاقناع" مع قولهم: الحلق من واجبات العمرة، ومن ترك واجبًا، فعليه دم. فهل يصح إحرامه بالحج قبل الحلق، كما نقل عن أبي المواهب، ويلزمه دم، أم لا لقولهم، ويفرغ منها، وبعضهم عبر أنه يتحلل منها، ولقولهم: لا يصح إدخال الحج على العمرة بعد الطواف إلا لمن معه هدي؟
فيها إشكال وميل شيخنا مع الثقل إلى عدم صحة إحرامه بالحج، والله أعلم من تقرير شيخنا.
[ ١ / ١٧١ ]
قال ابن المنجا في "شرحه للمقنع": ويشترط في إدخال الحج على العمرة في حق من لم يسق الهدي، أن يكون قبل الطواف. فلو طاف ثم أدخل عليها الحج، لم يصح، لأنه قد أتى بمقصود العمرة، وشرع في التحلل منها، فإن كان ساق الهدي، لم يمنع ذلك. انتهى.
وقال في "الشرح" بعد كلام له سبق: فإن أحرم بالحج قبل التقصير وقلنا: هو نسك فقد أدخل الحج على العمرة وصار قارنًا. انتهى.
وعليها حاشية - ذكر أنها خط الشيخ أحمد بن إبراهيم بن نصر الله بن أحمد البغدادي، توفي سنة سبع وثلاثين وتمانمائة - قوله: صار قارنًا. كذا وقع في "المغني"، وهو مشكل إذ إدخال الحج على العمرة إنما يصير به قارنًا إذا كان قبل الشروع في أفعال العمرة، كما تقدم إيضاحه في باب الإحرام. فكيف يصير قارنًا وقد طاف للعمرة وسعى؟ فهذا سهو. انتهى.
وتحتها أخرى بخط إبراهيم بن مفلح، جوابه: لقائل أنه يقول:
المصنف يتكلم في المعتمر إذا أدخل الحج على العمرة، وقد تقدم لك الكلام عليه باعتبار حالين: حالة ساق فيها هديًا، وأخرى لا. فأما إذا ساق الهدي، فإنه يصح إدخال الحج على العمرة قبل الطواف وبعده، كما صرح به في باب الاحرام، ويصير قارنًا. انتهى.
قال ابن المنجا في "شرحه": فإن قيل: أن الحلق أو التقصير نسك، كما هو الصحيح من المذهب، لم يحل قبل فعله، كالطواف، وإن قيل: ليس نسكًا، حل قبله لأن الحل لا يتوقف على فعل ما ليس نسكًا. انتهى.
إذا لبس المحرم لعذر البرد، فزال لزمه الخلع. فإذا أتاه لبس وهكذا مرارًا، وكفارته واحدة، قاله شيخنا.
قوله: حبل المشاة بين يديه، أي في الوقوف بعرفة، هو الحاء المهملة: الطريق، أي القارعة، قاله شيخنا.
[ ١ / ١٧٢ ]
من حاشية ابن نصر الله على "الفروع" قوله: تحلل أو لا. أي سواء تحلل من إحرامه بتحلله من إحرام العمرة، وذلك بأن لا يكون معه هدي، أو لم يتحلل من إحرامه بتحلله من العمرة بأن يكون معه هدي، ويفرغ من أفعالها فيلزمه أن يبقى على إحرامه، ويحرم بالحج ليكون متمتعًا حينئذ. وأما إذا لم يكن معه هدي، فيتحلل منها بتحلله من إحرامه.
قوله: فإن أحرم قبل احلاله منها صار قارنًا. ظاهر هذا أنه يصير قارنًا إذا أحرم بعد طوافها. والمعروف أنه لا يصير قارنًا إلا إذا أحرم بالحج قبل طوافها. والمعروف أنه لا يصير قارنًا إلا إذا أحرم بالحج قبل طوافها، اللهم إلا أن يكون معه هدي فيصح إحرامه بعد طوافها، ويصير قارنًا. انتهى.
قال في "جمع الجوامع": وفي "منسك أبي عبد الله الحراني" من متأخري أصحابنا، وإذا وصل الحرم الشريف - وحد حرم مكة: الأعلام المنصوبة عند مساجد عائشة، وهما علمان كبيران، وأعلام صغار متصلة بالجبلين من الجانبين، تسميها العامة: خطوات النبي ﷺ أو خطوات علي - فليتأدب حينئذ، ويبالغ في التلبية والاستغفار، ويقدم رجله اليمنى في عبوره فيه إن كان ماشيًا ويخر ساجدًا ويقول:
الحمد لله الذي بلغني إلى حرمه، ومحل أمنه وهدايته، اللهم هذا حرمك وأمنك الذي من دخله كان آمنًا، فأسألك بأنك أنت الله، لا إله إلا أنت الر حمن الرحيم، أن تحرم لحمي ودمي على النار اللهم آمني من عذابك يوم تبعث عبادك.
وإن كان راكبًا قال ذلك وهو راكب إلى أن قال: من ثنية كدا، وهي التي ينحط المار منها - التي تهبط المقابر - ويقصد باب المعلى، فيبالغ في الأدب والسرور في خشوع وذلة، ويقدم رجله اليمنى في دخول مكة، ويقول:
[ ١ / ١٧٣ ]
بسم الله، والحمد لله، وعلى ملة رسول الله ﷺ، اللهم أنت ربي وأنا عبدك، والبلد بلدك، والأمن أمنك، جئتك هاربًا منك إليك، لأؤدي فرضك، وأطلب رحمتك، وألتمس رضاك، متبعا لأمرك راضيًا بقضائك، أسألك مسألة المضطرين إليك، المسفقين من عذابك، الخائفين من عقوبتك أن تستقبلني اليوم بعفوك، وتحيطني برحمتك وتتجاوز عني بمغفرتك، وتعينني على أداء مناسكي، وتقويني عليها، اللهم أدخلني في رحمتك، ونجني من عذابك، وأعذني من الشيطان الرجيم. يقول ذلك وهو مار إلى المسجد.
فإذا أخذ في الطواف وبلغ الملتزم وهو ما بين الحجر الأسود وباب البيت فليلصق به صدره، ويدعو فيقول:
سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم صل على محمد وآله، اللهم يا رب البيت العتيق أعتق رقبتي من النار، وأعذني من الشيطان الرجيم، وأعذني من كل سوء، وقنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، وأرضني به يا رب العالمين، اللهم اجعلني من أكرم وفدك عليك، وألزمني سبيل الاستقامة حتى ألقاك يا رب العالمين، أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم غفار الذنوب، وأتوب إليه، وأسأله التوبة لي ولوالدي ولجميع المسلمين، اللهم صل على محمد كلما ذكر، إلهي عبيدك الضعيف ببابك، قد مضت أيامه، وبقيت آثامه، انقطعت شهواته وبقيت تبعاته، وإنه لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك، سبحانك لا إله إلا أنت، يا ذا الجلال المطلق، والكمال المطلق، يا من هو أقرب من دعي، وأكرم من رجي، وأحلم من عصي، وأرحم من خشي، وخير من وفد إليه وافد، وفدت إلى بيتك المكرم بذنوب لا تسعها الأرض، ولا تغسلها البحار، مستجيرًا بعفوك، مستعيذًا بكرمك، فاجعل وفودي
[ ١ / ١٧٤ ]
إليك عتق رقبتي من النار، آمين يا ربنا ورب كل شئ ومليكه آمين.
وعند المقام يشير إليه بعينه، ويقول:
اللهم بيت عظيم، ووجه كريم، وأنت أرحم الراحمين، فأعذني من الشيطان الرجيم ومن النار، وحرم لحمي ودمي على النار، وآمني من أهوال يوم القيامة، واكفني مؤونة الدنيا والآخرة، ثم يسبح الله وبحمده، ويصلي على النبي ﷺ.
وعند الميزاب: اللهم أظلني تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، واسقني بكأس محمد ﷺ شربة لا أظمأ بعدها، اللهم اروني يوم يعطشون، وآمني يوم يفزعون، إلهي أتيت إلى بيتك العظيم من شقة بعيدة مؤملا لمعروفك، فآتني معروفًا من معروفك، تغنيني به عن معروف من سواك يا معروفا بالمعروف، ثلاث مرات، رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير.
فإذا بلغ الركن الرابع - وهو اليماني - يقف حياله، ويقول:
اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، ومن عذاب النار، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من الخزي في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
وعند الحجر الأسود: اللهم اغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أعوذ برب هذا الحجر من الدين، والفقر، وضيق الصدر، وعذاب القبر.
وعند ذلك تمت له طوفة. ويكره الاشتغال في عرفة بعد الظهر بشئ من أمور الدنيا، لاسيما إذا وقف الناس للدعاء، وما أكثر ما يجتهد إبليس بفتح أبواب تشتغل وتلهي عن التوجه إلى الله في ذلك المقام العظيم. فعلى العارف أن يقطع العلائق، ويترك الشواغل عن الله في ذلك الوقت الذي لا يمكن استدراكه في غير هذا الوقت، ولا في غير هذا المكان فلا يفرط فيما أدركه منه بغير ذكر الله تعالى والدعاء له.
[ ١ / ١٧٥ ]
فيوم عرفة له فضائل منها: أنه يوم إكمال الدين، وإتمام النعمة، وعيد لأهل الاسلام، وقيل: إنه الشفع الذي أقسم الله به، والوتر يوم النحر، وهو أفضل الأيام، وصيامه كفارة سنتين، وهو يوم مغفرة الذنوب والتجاوز عنها، والعتق من النار، والمباهاة بأهل الموقف للملائكة، ويوهب فيه المسيء للمحسن، ويشفع فيه المحسن للمسيء، وتفتح أبواب السماء، ولا يكون الشيطان في يوم أحقر منه فيه.
وقف مطرف وبكر المزني، فقال أحدهما: اللهم لا ترد أهل الموقف من أجلي. وقال الآخر: ما أشرفه موقفًا، وأرجاه لأهله لولا أي فيهم.
ووقف الفضيل بعرفة، والناس يدعون وهو يبكي وقد حال البكاء بينه وبين الدعاء، فلما كادت الشمس أن تغرب قال ورفع رأسه إلى السماء: واسوءتاه منك وإن عفوت، وقال لشعيب بن حرب: إن كنت تظن أنه شهد الموقف شر مني ومنك، فبئس ما ظننت.
وقال ابن المبارك: جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة، وهو جاث على ركبتيه وعيناه تهملان، فالتفت إلي فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالًا؟ فقال: الذي لا يظن أن الله يغفر لهم.
وروي عن الفضيل أنه نظر إلى ضجيج الناس عشية عرفة وبكائهم، فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل، فسألوه دانقًا، يعني سدس درهم، أكان يردهم، قالوا: لا والله. قال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق.
ثم قال: وعند الرمي يقول: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، أرضي بك الرحمن، وأسخط بك الشيطان، اللهم اجعله حجًا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا إلى آخره.
وعند الحلق: اللهم اكتب لي بكل شعرة حسنة، وارفع لي بها درجة، واغفر لي وللمحلقين يا واسع المغفرة. انتهى.
[ ١ / ١٧٦ ]
ويستحب سلوك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، لفعله ﵇، من خط الحجاوي. انتهى.
ومن "جمع الجوامع": قال صاحب كتاب "الإعلام": لو لم يقف في الملتزم، بل وقف عند الباب ودعا هناك من غير التزام البيت، كان حسنا.
وقد أخبرنا جماعة من شيوخنا، أخبرنا ابن المحب، أنبأنا والدي، أنبأنا ابن خولان، أنبأنا الحافظ ضياء الدين قال: سمعت أبا محمد عبد الغني الغزنوي يقول: سمعت أبا الحسن الدينوري يقول: سمعت أبا القاسم السهمي يقول: سمعت أبا القاسم عبيد الله البزاز يقول:
سمعت عبد الله ابن الزبير الحميدي يقول: سمعت سفيان ابن عيينة يقول: سمعت عمرو بن دينار يقول: سمعت ابن عباس يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "الملتزم موضع يستجاب فيه الدعاء، وما دعا عبد الله تعالى دعوة إلا استجابها". أو نحو هذا.
قال ابن عباس: فوالله ما دعوت الله فيه قط إلا أجابني. قال عمرو ابن دينار: وأنا والله ما أهمني أمر فدعوت الله فيه إلا استجاب لي منذ سمعت هذا الحديث من ابن عباس.
قال سفيان بن عيينة: وأنا والله ما دعوت الله فيه قط بشئ إلا استجاب لي، منذ سمعت هذا الحديث من عمرو. وقال محمد بن إدريس: وأنا والله ما دعوت الله فيه بشئ قط إلا استجاب لي منذ سمعت هذا الحديث من الحميدي. قال أبو الحسن: وأنا والله ما دعوت الله ﷿ بشئ فيه إلا استجاب لي منذ سمعت هذا الحديث من محمد ابن إدريس. قال أبو القاسم: قال لنا عبيد الله بن محمد: وأنا دعوت الله فاستجاب لي. وقال لنا عبيد الله بن محمد: دعوت الله ﷿ فيه
[ ١ / ١٧٧ ]
مرارا فاستجاب لي. وقال أبو القاسم: وأنا دعوت الله فاستجاب لي.
قال أبو الفتح: وأنا دعوت الله فاستجاب لي. قال الحافظ عبد الغني: وأنا دعوت الله فاستجاب لي. وقال الحافظ ضياء الدين: وأنا دعوت الله فاستجاب لي. انتهى.
ومن "جمع الجوامع" أيضا: قال الحسن في زيارته إلى أهل مكة:
الدعاء يستجاب هناك في خمسة عشر موضعًا:
١ - الطواف.
٢ - تحت الميزاب.
٣ - في البيت.
٤ - عند زمزم.
٥ - على الصفا والمروة.
٦ - السعي.
٧ - حذو المقام.
٨ - في عرفات.
٩ - مزدلفة.
١٠ - منى.
١١ - عند الجمرات.
١٢ - عند الملتزم.
١٣ - عند النبي ﷺ.
١٤ - عند المنبر في كل مسجد.
١٥ - عند صخرة بيت المقدس.
وأحوال الإجابة: عند النداء، وبين الأذان والاقامة، وبين الحيعلتين، وبين الصفين، ودبر الصلوات المكتوبة، وفي السجود، وبعد تلاوة القرآن سيما الختم وخصوصًا من القارئ، وعند شرب
[ ١ / ١٧٨ ]
ماء زمزم، والحضور عند البيت، وصياح الديكة، واجتماع المسلمين، ومجالس الذكر، وعند قول: آمين، وعند تغميض الميت، وعند نزول الغيث، وعند رؤية الكعبة، والصائم حال فطره، وعند الدعاء لأخيه المسلم بظهر الغيب، وعند الصدقة، وعند البكاء من خشية الله، وعند انكسار القلب.
وأوقات الإجابة: ليلة القدر، ويوم عرفة، وشهر رمضان، وليلة الجمعة ويومها، لاسيما الساعة التي فيها، ونصف الليل الثاني، ويوم عاشوراء، ويوم الأضحى، وعند الغروب من كل يوم، وبعد صلاة الفجر ووسط الليل. انتهى.
ومنه أيضا: وإذا قارب المدينة قبل الحج أو بعده، شكر الله وحمده حمدًا كثيرًا، وذكره ذكرًا كثيرًا، وصلى على النبي ﷺ، وشاهد بقلبه نور السراج المنير كلما لاح له علم من أعلام المدينة، أو جبل أثار من قلبه حرقة الشوق إلى المحبوب، لا سيما إذا أشرف على المدينة، وشاهد بقلبه نوره. فإذا شاهد المدينة المشرفة، وحجرته العالية، ترجل وخلع النعلين، ونكس الرأس، وتواضع في نفسه، وتمسكن ومشى رويدًا رويدًا وتأدب، ووقف على الأبواب معظمًا، واغتسل لدخولها، ذكره جماعة. ثم يقول:
بسم الله كثيرًا، والحمد لله كثيرًا، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ كثيرًا.
فإذا نزل منزله قال: "رب أنزلني منزلًا مباركًا، وأنت خير المنزلين". ثم قال: ويأتي القبر بأدب، وحياء، وسكينة، وغض طرف، وخفض صوت، كأنه شاهد الرسول ﷺ ويراه، ممتلئًا قلبه له محبة وتوقيرًا.
[ ١ / ١٧٩ ]
ويأتي الحجرة من الباب القبلي من المقصورة، فيقف من الجدار على نحو من أربعة أذرع من جهة الغرب التي تلي المسجد، ليكون مستقبلًا لوجهه كأنه يشاهده ويراه، ويقول بأدب، وخفض صوت كأنه يخاطبه حال الحياة، ويعتقد أنه يسمع كلامه:
السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خليل الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام عليك صلى الله عليك، أشهد أنك رسول الله حقا، والدين الذي شرع الله دين الله حقًا، وإني أشهد الله وأشهدك يا رسول الله أني آمنت بك وبما جئت به من عند الله أنه الحق من ربك، وأنت الصادق الأمين، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك ونبيك، هذا النبي الأمي، كما صليت على آل إبراهيم إلى آخره، وبارك الخ، اللهم أحيني على سنته، وتوفني على ملته، وارزقني محبته، ونصره، وطاعته واتباعه، والإيمان به، ولا تفرق بيني وبينه في دار كرامتك، اللهم إني أشهد أن هذا الرسول قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، اللهم آته الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، اللهم أجزه عنا خير ما جزيت نبيًا عن أمته، وسولًا عن قومه، صلى الله عليك يا رسول الله، ثلاثًا.
ثم يتأخر على جهة يمين نفسه، كما هو مستدبر الكعبة، مستقبل الحجرة مقدار ذراع، ليقف تلقاء وجه الصديق، فيقول:
السلام عليك يا صاحب رسول الله، وصديقه، وحبيبه، وخليفته، وضجيعه، ورفيقه، السلام عليك أيها الصديق ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا خير أمة أخرجت للناس، فجزاك الله خيرًا عن صحبة نبيك، وجزاك الله عنا وعن المؤمنين وعن الإسلام خيرًا، رزقنا الله
[ ١ / ١٨٠ ]
محبتك، وجعلنا ممن يأتم بك، رضي الله عنك. انتهى.
ثم يتأخر عن يمينه قدر ذراع، ليقف تلقاء وجه عمر فيقول: السلام عليك يا صاحب رسول الله، والقائم بدين الله، السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك أيها الشهيد ورحمة الله وبركاته، جزاك الله عن صحبة نبيه خيرًا، وجزاك الله عنا وعن المسلمين وعن الإسلام خيرًا، رزقنا الله محبتك، وجعلنا ممن يأتم بك، رضي الله عنك.
ومن كتاب "البركة": ويسن إكثار الشرب من ماء زمزم، مستقبلًا قائلًا: بسم الله، بلغني عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ماء زمزم لما شرب له". وإني أشربه اللهم لتغفر لي وتفعل لي كذا وكذا، واشفني. ويزيد بما يشاء، ويتنفس ثلاثًا. انتهى.
ومن كتاب "المناسك" للنووي: يستحب لمن أراد الشرب من ماء زمزم أن يستقبل القبلة، ثم يذكر اسم الله، ثم يقول: اللهم بلغني عن رسولك أنه قال: "ماء زمزم لما شرب له": اللهم إني أشربه لتغفر لي، اللهم فاغفر لي، وأشربه مستشفيًا به من مرضي، اللهم فاشفني أو نحو هذا. انتهى.
الأضحية التي ترضع نفسها، ينقص الثمن، ولا ينقص الأضحية، من خط الحجاوي.
قال في "الفروع": والعقيقة سنة على الأب، غنيًا كان الوالد أو فقيرًا. وعنه: واجبة، اختاره أبو بكر، وأبو اسحاق البرمكي، وأبو القاسم. قال ابن عبد البر: قال ابن القاسم: سمعت أهل مكة يقولون: ما من أهل بيت فيهم اسم محمد، إلا رزقوا وزرق حيوانهم. انتهى.
من "الرعاية": يستحب أن يسمي بأحسن الأسماء، كعبد الله
[ ١ / ١٨١ ]
وعبد الرحمن، وعبد الرحيم، وعبد المنعم، وعبد العظيم، ومحمد، وأحمد، ونحوهما. انتهى.
من "تحفة الودود في أحكام المولود" لابن القيم، قال الإمام أحمد: أشد ما سمعت فيه حديث الحسن، عن سمرة عن النبي ﷺ: "كل غلام رهينة بعقيقته". وإني لأرجو إن استقرض، أن يعجل الله له الخلف، لأنه أحيا سنة من سنن النبي ﷺ.
وينبغي رضاع المولود من غير أمه بعد وضعه يومين أو ثلاثة.
ويمنع من حملهم والتطوف بهم حتى تأتي عليهم ثلاثة أشهر، ويقتصر بهم على اللبن وحده إلى نبات أسنانهم، فإن الله أخر نباتها إلى وقت حاجته. فإذا قرب وقت التكلم، فتدلك ألسنتهم بالعسل والملح الأذراني، ويلقنوا: لا إله إلا الله. وعند نبات الأسنان تدلك لثاتهم كل يوم بزبد أو سمن، ويمرخ خرز العنق. وبكاء الطفل وصراخه، لا سيما قبل شربه اللبن إذا جاع، ينتفع به، فإنه يروض أعضاءه، ويوسع أمعاءه، ويفسح صدره، ويسخن دماغه، ويذهب الحرارة الغزيرة من جسده، ووقت نبات أسنانه لسبعة أشهر، وقد تنبت في الخامس وفي العاشر، ويعوده الانتباه آخر الليل، فإنه وقت قسم الغنائم، وتفريق الجوائز، فمقل ومستكثر ومحروم، فمن اعتاد ذلك صغيرًا سهل عليه كثيرًا.
ثم قال: تضمنت هذه الأحاديث أولا: أن الجنين يخلق من ماء الرجل، وماء المرأة.
الثاني: إن سبق أحد المائين سبب لشبه السابق ماؤه، وعلو أحدهما سبب لمجانسة الولد للعالي ماؤه.
وبكاء الصبي ساعة ولادته يدل على صحته. وإذا وضع الطفل يده، أو إبهامه، أو أصبعه على عضو من أعضائه، فهو دليل على ألم
[ ١ / ١٨٢ ]
ذلك العضو. انتهى ملخصا من "تحفة الودود في أحكام المولود" لابن القيم عفا الله عنه.
ومن كتاب "البركة": يحرم على الرجل خضاب رجليه ويديه بالحناء، إلا لحاجة، أو قرحة، نص عليه القاضي، والبغوي، والعجلي، والرافعي، والجيلي، والنووي، وغيرهم.
ويباح اقتناء الكلب للصيد، والماشية، وللنخل، وللزرع والشجر ونحوهما، ولأهل البادية، ولحفظ الدروب والحصون، والبيوت المفردة. انتهى.
قال في "الرعاية": ويكره اقتناء كلب إلا لصيد، أو لحفظ ماشية، أو لحفظ زرع وقيل: وبستان، وقيل: وبيت. انتهى.
يجوز للوصي على الأضحية الأكل منها، لأنه العرف. وإذا جعل الموصي أنها على يد واحد من ورثته أو غيره، فهو باره بذلك، قاله شيخنا.
إذا أوصى بمال يقسم في حرم مكة، قسم على أهلها والمجتاز بها من حاج أو غيره، لا إلى وكيل غائب في غيره.
ويجوز الحج من بلد الموصي، وأبعد منه، ومما يحاذيه، قاله شيخنا.
من "الانصاف": يستحب لها الخضاب بالحناء عند الاحرام، قاله الأصحاب. ويستحب في غير الإحرام لمزوجة، لأن فيه زينة وتحببًا إلى الزوج، كالطيب. قال في "الرعاية" وغيرها: ويكره لأيم، لعدم الحاجة مع خوف الفتنة. وفي "المستوعب": لا يستحب لها.
وأما الخضاب للرجل، فقال المصنف والشارح وجماعة: لا بأس به،
[ ١ / ١٨٣ ]
ولا تشبه فيه بالنساء. وأطلق في "المستوعب": له الخضاب بالحناء، وقال في مكان آخر: كرهه أحمد. وقال الشيخ تقي الدين: هو بلا حاجة يختص بالنساء. فظاهر ما ذكره القاضي أنه كالمرأة في الحناء، لأنه ذكر المسألة واحدة، ويباح لحاجة. انتهى.
ومن "مغني ذوي الأفهام": ويكره الخضاب في اليدين والرجلين للرجل من غير حاجة. وعلى هامشه: لأنه من التشبه بالنساء، ولحاجة يباح. انتهى.
والذي تحرر لنا كراهته للرجال، إلا من حاجة أو قرحة، قاله شيخنا.
[ ١ / ١٨٤ ]