لا يجوز إخراج الزكاة إلا بنية، لقول النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات» ولأنها عبادة محضة فافتقرت إلى النية كالصلاة، ويجوز تقديمها على الدفع بالزمن اليسير كما في سائر العبادات، ولأنه يجوز التوكل فيها بنية غير مفارقة لأداء الوكيل. ويجب أن ينوي الزكاة أو الصدقة الواجبة، أو صدقة المال، أو الفطر، فإن نوى صدقة مطلقة لم تجزه؛ لأن الصدقة تكون نفلًا فلا ينصرف إلى الفرض إلا بتعيين، ولو تصدق بجميع ماله تطوعًا لم يجزه؛ لأنه لم ينو الفرض. ولا يجب تعيين المال المزكى عنه، فإن كان له نصابان، فأخرج الفرض عن أحدهما بعينه أجزأه؛ لأن التعيين لا يضر، وإن أطلق عن أحدهما أجزأه؛ لأنه لو أطلق لكان عن أحدهما فلا يضر التقييد به. وإن نوى أنه لو كان الغائب سالمًا فهو زكاته وإلا فهو عن الحاضر، صح، وكان على ما نواه. وإن نوى أنه زكاة أو تطوع لم يصح؛ لأنه لم يخلص النية للفرض، وإن نوى أنه زكاة مالي وإن لم يكن سالمًا فهو تطوع صح؛ لأنه هكذا يقع فلا يضر التقييد به، ولو نوى إن كان أبي قد مات فصار ماله لي فهذا زكاته لم يصح؛ لأنه لم يبن على أصل. ولو نوى عن ماله الغائب فبان تالفًا لم يكن له صرفه إلى الحاضر؛ لأنه عينه للغائب، فأشبه ما لو أعتق عبدًا عن كفارة لم يملك صرفه إلى أخرى.
فصل:
وإذا كان في إخراج الزكاة، ونوى عند الدفع إلى الوكيل ونوى الوكيل عند الأداء، جاز. وإن نوى الوكيل ولم ينو الموكل لم يجزه؛ لأنها فرض عليه فلم يجزه من غير نية، وإن نوى الموكل عند الدفع إلى الوكيل ولم ينو الوكيل عند الدفع.
فقال أبو الخطاب: يجزئ؛ لأن الذي عليه الفرض قد نوى، ويحتمل أنه إن نوى
[ ١ / ٤١٧ ]
بعد الأداء من الدفع لم يجزه؛ لأن الدفع حصل من غير نية قريبة ولا مقارنة، وإن دفعها إلى الإمام برئ منها بكل حال؛ لأن يد الإمام كيد الفقراء. وإن أخذها الإمام قهرًا أجزأت من غير نية رب المال؛ لأنها تؤخذ من الممتنع فلو لم تجزئ ما أخذت. هذا ظاهر كلام الخرقي ويحتمل أن لا تجزئه فيما بينه وبين الله تعالى إلا بنيتها؛ لأنها عبادة محضة فلم تجز بغير نية، كالمصلي كرهًا، وهذا اختيار أبي الخطاب وابن عقيل، وقال القاضي: تجزئ نية الإمام في الكره والطوع؛ لأن أخذ الإمام كالقسم بين الشركاء، والأول أولى.
فصل:
ولا يجوز تعجيل الزكاة قبل كمال النصاب؛ لأنه سببها فلم يجز تقديمها عليه كالتكفير قبل الحلف، ويجوز تعجيلها بعده، لما روي عن علي - ﵁ -: «أن العباس سأل رسول الله - ﷺ - أن يرخص له في أن يعجل الصدقة قبل أن تحل فرخص له» . رواه أبو داود. ولأنه حق مال أجل للرفق فجاز تعجيله قبل أجله، كالدين ودية الخطأ.
وفي تعجيلها لأكثر من عام روايتان:
إحداهما: يجوز لأنه عجلها بعد سببها.
والثانية: لا يجوز؛ لأنه عجلها قبل انعقاد حولها، فأشبه ما لو عجلها قبل انعقاد وقت نصابها، فإن ملك نصابًا فعجل زكاة نصابين عنه وعما يستفيده في الحول الآخر أجزأه عن النصاب دون الزيادة؛ لأنه عجل زكاة الزيادة قبل وجودها، ولو ملك خمسًا من الإبل فعجل شاتين عنها وعن نتاجها، فحال الحول وقد نتجت خمسًا فكذلك، لما ذكرنا، وإن ملك أربعين شاة فعجل عنها شاة، ثم ماتت الأمهات وبقيت سخالها، أجزأت عنها؛ لأنها لا تجزئ عنها وعن أمهاتها لو كانت باقية فعنها وحدها أولى، بخلاف التي قبلها، ولو ملك عرضًا قيمته ألف، فعجل زكاة ألفين، فحال الحول وقيمته ألفان أجزأه عن ألف واحد لما ذكرنا.
فصل:
وإذا عجل الزكاة فلم تتغير الحال وقعت موقعها، وإن ملك نصابًا فعجل زكاته وحال الحول وهو ناقص مقدار ما عجلها أجزأت عنه. وإن ملك مائة وعشرين، فعجل شاة ثم نتجت أخرى قبل كمال الحول؛ لزمه شاة ثانية؛ لأن المعجل كالباقي على ما ملكه في إجزائه عن الزكاة عند الحول، وكذلك في إيجاب الزكاة، وإن تغيرت الحال قبل الحول بموت الآخذ أو غناه أو ردته فإن الزكاة تجزئ عن ربها وليس له ارتجاعها،
[ ١ / ٤١٨ ]
لأنه أداها إلى مستحقها فبرئ منها، كما لو تلفت عند أخذها أو استغنى بها، أما إن تغيرت حال رب المال بموته أو ردته، أو تلف النصاب أو بعضه، أو بيعه أو حالهما معًا.
فقال أبو بكر والقاضي: الحكم كذلك لأنه دفعها إلى مستحقها فلم يملك الرجوع بها، كما لو لم يعلمه.
وقال ابن حامد: إن لم يعلمه رب المال أنها زكاة معجلة لم يكن له الرجوع عليه؛ لأن الظاهر أنها عطية تلزم بالقبض، فلم يكن له الرجوع بها، وإن كان الدافع الساعي أو رب المال، لكنه أعلم الآخذ أنها زكاة معجلة، رجع عليه؛ لأنه دفعها عن ما يستحقه القابض في الثاني، فإذا طرأ ما يمنع الاستحقاق وجب رده، كالأجرة إذا انهدمت الدار قبل السكنى، ثم إن وجدها بعينها أو زائدة زيادة متصلة رجع بها؛ لأن هذه الزيادة تتبع في الفسوخ فتبعت ههنا، وإن زادت زيادة منفصلة فهي للفقير؛ لأنها انفصلت في ملكه، وإن نقصت لزم الفقير نقصها لأنه ملكها بقبضها فكان نقصها عليه كالمعيب، وإن تلفت فعليه قيمتها يوم قبضها؛ لأن ما زاد بعد ذلك أو نقص إنما هو في ملك الفقير، فإن قال المالك: أعلمته الحال فأنكر الفقير فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه منكر.
فصل:
ولو عجلها إلى غني فافتقر عند وجوبها لم يجزه؛ لأنه لم يعطها لمستحقها وإن عجلها فدفعها إلى مستحقها ثم مات المالك فحبسها الوارث عن زكاته، لم يجزه؛ لأنها عجلت قبل ملكه، فأشبه ما عجلها هو، وإن تسلف الإمام الزكاة فهلكت في يده، لم يضمنها، وكانت من ضمان الفقراء، سواء سأله رب المال أو الفقراء أو لم يسأله الجميع؛ لأن يده كأيديهم وله ولاية عليهم، بدليل أن له أخذ الزكاة بغير إذنهم، فإذا تلفت من غير تفريط لم يضمن كولي اليتيم.
فصل:
وظاهر كلام القاضي أنه لا يجوز تعجيل العشر؛ لأنه يجب بسبب واحد وهو بدو الصلاح في الثمرة والحب، فتعجيله تقديمًا له على سببه، وقال أبو الخطاب: يجوز تعجيله إذا ظهرت الثمرة وطلع الزرع، ولا يجوز قبله؛ لأن وجود ذلك كملك النصاب، وبدو الصلاح كتمام الحول. وأما المعدن والركاز فلا يجوز تقديم صدقتهما قولًا واحدًا؛ لأن سبب وجوبها يلازم وجوبها ولا يجوز تقديمها قبل سببها.
[ ١ / ٤١٩ ]