يستحب الغسل للإحرام؛ لما «روى زيد بن ثابت أنه رأى النبي - ﷺ - تجرد لإهلاله واغتسل.» حديث حسن. وعن جابر قال: «أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله - ﷺ -: كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي» رواه مسلم. فإن لم يجد ماء لم يتيمم؛ لأنه غسل مسنون يراد للتنظيف فلا يسن التيمم عند العجز عنه كغسل الجمعة. وقال القاضي: يستحب له التيمم قياسًا على غسل الجنابة، ويستحب له التنظيف بإزالة الشعر والشعث وقطع الرائحة وتقليم الأظفار؛ لأن الغسل شرع لذلك، ثم يتجرد من المخيط في إزار ورداء أبيضين نظيفين جديدين أو غسيلين؛ لما روى ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: «وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين»، ويستحب أن يتطيب في بدنه؛ لما «روت عائشة - ﵂ - قالت: كنت أطيب، رسول الله - ﷺ - لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت»، وقالت: «كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله - ﷺ - وهو محرم.» متفق عليهما، ولا يتطيب في ثوبه، فإن فعل فله استدامته حتى ينزعه، فمتى نزعه ثم لبسه فعليه الفدية؛ لأن الإحرام يمنع ابتداء الطيب دون استدامته. ولو نقل الطيب عن بدنه من موضع إلى موضع آخر فعليه الفدية، وإن سال بالحر وغيره إلى موضع آخر، فلا فدية عليه؛ لأنه ليس من جهته.
فصل:
ويستحب أن يحرم عقيب صلاة إما مكتوبة أو نافلة، وروى الأثرم قال: سألت أبا
[ ١ / ٤٧٦ ]
عبد الله: أيما أحب إليك الإحرام في دبر الصلاة أو إذا استوت به ناقته؟ فقال: كل قد جاء، في دبر الصلاة، وإذا علا البيداء، وإذا استوت به ناقته، فوسع فيه كله.
والمشهور الأول؛ لما روى سعيد بن جبير قال: ذكرت لابن عباس إهلال رسول الله - ﷺ - فقال: «أوجب رسول الله - ﷺ - حين فرغ من صلاته ثم خرج، فلما ركب رسول الله - ﷺ - راحلته واستوت به قائمة أهل، فأدرك ذلك منه قوم فقالوا: أهل حين استوت به راحلته، وذلك أنهم لم يدركوا إلا ذلك، ثم سار حتى علا البيداء فأهل، فأدرك ذلك منه قوم فقالوا: أهل حين علا البيداء» رواه أبو داود، وهذا فيه فضل بيان وزيادة علم، فيتعين الأخذ به، وتقديمه على ما خالفه.
فصل:
وينوي الإحرام بقلبه، ولا ينعقد من غير نية؛ لقول النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات» ولأنها عبادة محضة فافتقرت إلى النية كالصلاة، فإن لبى من غير نية لم يصر محرمًا، وإن نوى الإحرام من غير تلبية، انعقد إحرامه؛ لأنه عبادة لا يجب النطق في آخرها فلم يجب في أولها كالصوم، فإن نوى إحرامًا فسبق لسانه إلى غيره، انعقد إحرامه بما نواه، دون ما نطق به؛ لأن النية هي الإحرام، فاعتبرت دون النطق.
فصل:
ويستحب أن ينطق بما أحرم به ويعينه، ويشترط فيه: أن محلي حيث يحبسني، فيقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي وتقبله مني، فإن حبسني حابس فمحلي حيث يحبسني؛ لما روت عائشة - ﵂ - قالت: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ - فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج» . وعنها قالت: «دخل النبي - ﷺ - على ضباعة بنت الزبير فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية فقال: حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني» متفق عليهما. ويفيد هذا الشرط شيئين:
أحدهما: أنه متى عاقه عائق من مرض أو غيره فله التحلل.
والثاني: أنه إذا حل لذلك فلا شيء عليه من دم ولا غيره، وغير هذا اللفظ مما يؤدي معناه يجري مجراه، قال ابن مسعود: اللهم إني أريد العمرة إن تيسرت لي وإلا فلا حرج علي. لأن المقصود المعنى، وإنما اعتبر اللفظ لتأديته له.
فصل:
ويجوز الإحرام بنسك مطلق وله صرفه إلى أيها شاء، وإن أحرم بمثل ما أحرم به
[ ١ / ٤٧٧ ]
فلان، صح؛ لما روى أبو موسى قال: «قدمت على رسول الله - ﷺ - وهو منيخ بالبطحاء فقال لي: بم أهللت؟ قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال رسول الله. قال: أحسنت، فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا، والمروة، ثم أمرني أن أحل» متفق عليه، ثم إن تبين له ما أحرم به فلان فإحرامه مثله، وإن تبين أن فلانًا لم يحرم فله صرفه إلى ما شاء كالمطلق؛ لأنه عقد الإحرام، وعلق عين النسك على إحرام فلان، فلما لم يحرم فلان، بطل التعيين وبقي المطلق.
وإن علم أن فلانًا أحرم ولم يعلم بما أحرم، أو شك هل أحرم أم لا، فهو كالناسي لإحرامه، وللناسي لما أحرم به صرفه إلى أي نسك شاء لأنه إن صادف ما أحرم به، فقد أصاب، وإن صرفه إلى عمرة، وكان إحرامه بغيرها، فإن فسخه إليها جائز مع العلم فمع الجهل أولى، فإن صرفه إلى قران وكان إحرامه بعمرة، فقد أدخل عليها الحج وهو جائز، وإن كان مفردًا فقد أدخل العمرة على الحج وهو لغو لا يفيد، ولا يقدح في حجه، كما لو فعله مع العلم.
وإن صرفه إلى الإفراد وكان معتمرًا، فقد أدخل الحج على العمرة فصار قارنًا، ولا تبطل العمرة بترك نيتها، فإن كان قارنًا فهو على حاله لذلك.
والنصوص عن أحمد - ﵁ - أنه يجعل المنسي عمرة.
قال القاضي: هذا على سبيل الاستحباب؛ لأن ذلك مستحب مع العلم فمع عدمه أولى، فعلى هذا إن صرفه إلى عمرة، فهو متمتع حكمه حكم من فسخ الحج إلى العمرة، وإن صرفه إلى القران لم يجزئه عن العمرة إذ من المحتمل أن يكون مفردًا فلم يصح إدخال العمرة على حجة، ولا يلزمه دم القران؛ لأنه شاك فيما يوجبه، ويصح له الحج هاهنا، وفيما إذا صرفه إلى الإفراد، فإن كان شكه بعد الطواف لم يكن له صرفه إلا إلى العمرة؛ لأن إدخال الحج على العمرة بعد الطواف غير جائز، فإن صرفه إلى إفراد أو قران، تحلل بأفعال الحج ولم تجزئه عن واحد من النسكين؛ لأنه شاك في صحته ولا دم عليه للشك فيما يوجبه، إلا أن يكون معه هدي فيجزئه عن الحج؛ لأن إدخال الحج على العمرة في حقه جائز بعد الطواف.
فصل:
وإن أحرم بحجتين أو عمرتين، انعقد إحرامه بإحداهما، ولا يلزمه للأخرى قضاء ولا غيره؛ لأنهما عبادتان لا يلزم المضي فيهما، فلم يصح الإحرام بهما كالصلاتين، ولو أفسد نسكه ثم أحرم بغيره من جنسه؛ لم يلزمه للثاني شيء ولم يصح لذلك.
[ ١ / ٤٧٨ ]
فصل:
وهو مخير إن شاء أحرم متمتعًا، أو مفردًا قارنًا؛ لحديث عائشة. والتمتع: هو الإحرام بعمرة من الميقات، فإن فرغ منها أحرم بالحج من مكة في عامه، والإفراد: الإحرام بالحج مفردًا، والقران: الإحرام بهما معًا أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الإحرام بالحج قبل الطواف؛ لما روت عائشة قالت: «أهللنا بعمرة فقال رسول الله - ﷺ -: من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا» متفق عليه. فإن أحرم بحج ثم أدخل عليه عمرة؛ لم يصح ولم يصر قارنًا لأنه لم يرد بذلك أثر ولا هو في معنى ما جاء به الأثر؛ لأن إحرامه بها لا يزيده عملًا على ما لزمه بإحرام الحج، ولا بغير ترتيبه بخلاف إدخال الحج على العمرة. ومن طاف للعمرة ثم أحرم بالحج معها؛ لم يصح لأنه قد أتى بمقصودها وشرع في التحلل منها، إلا أن يكون معه هدي فله ذلك؛ لأن من ساق هديًا لا يجوز له التحلل حتى ينحر هديه لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فلا يتحلل بطواف، ويتعين عليه إدخال الحج على العمرة، ويصير قارنًا بخلاف غيره.
فصل:
وأفضل الأنساك التمتع؛ لما «روى جابر أنه حج مع النبي - ﷺ - وقد أهلوا بالحج مفردًا فقال لهم: حلوا من إحرامكم بطواف بالبيت ومن الصفا والمروة، وقصروا وأقيموا حلالًا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة، فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ قال: افعلوا ما أمرتكم، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثلما أمرتكم به، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله قال: ففعلوا» . متفق عليه. وعنه: إن ساق الهدي فالقران أفضل؛ لأن النبي - ﷺ - لم يحل إذا كان معه الهدي. وقد روى أنس «أن النبي - ﷺ - قرن بين الحج والعمرة» . متفق عليه. والأول أصح؛ لقول النبي - ﷺ -: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولحللت» فيدل هذا على فضيلة المتعة، وقد روى عمر وعلي وسعد وابن عمر وحفصة وعائشة وعمران بن حصين - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أن النبي - ﷺ - كان متمتعًا، وإنما منعه الحل سوق الهدي، ومعنى حديث أنس: أن النبي - ﷺ - أدخل الحج على العمرة حين امتنع عليه الحل منها. ثم بعد التمتع الإفراد؛ لأنه يأتي بنسكين كاملين، والقارن يقتصر على عمل الحج، ثم القران بعدهما.
[ ١ / ٤٧٩ ]
فصل:
ويستحب للقارن والمفرد إذا لم يكن معهما هدي أن يفسخا نيتهما بالحج، وينويا عمرة مفردة، ويحلا من إحرامهما بطواف وسعي وتقصير ليصيرا متمتعين؛ لحديث جابر.
ويروى عن إبراهيم الحربي أنه قال: قال سلمة بن شبيب لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله كل شيء منك حسن جميل إلا خلة واحدة، تقول بفسخ الحج! فقال أحمد: وقد كنت أرى أن لك عقلًا، عندي ثمانية عشر حديثًا صحاحًا جيادًا كلها في فسخ الحج، أتركها لقولك؟ فأما من ساق الهدي فليس له ذلك؛ للحديث، ولقول الله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
فصل:
ويجب على المتمتع دم لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والدم الواجب شاة أو سبع بدنة؛ للآية. قال أبو حمزة: سألت ابن عباس عن المتعة فأمرني بها، وسألته عن الدم فقال: فيها جزور أو بقرة أو شاة أو شرك في دم. متفق عليه، ولا يجب الدم إلا بشروط خمسة.
أحدها: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام؛ لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وحاضرو المسجد: أهل الحرم، ومن بينه وبينه مسافة القصر؛ لأن الحاضر القريب، والقريب: دون مسافة القصر.
الثاني: أن يعتمر في أشهر الحج لأن المعتمر في غير أشهره لم يجمع بين النسكين، فلم يجب عليه دم كالمفرد، ولو أحرم بالعمرة من غير أشهر الحج، وحل منها في أشهره؛ لم يكن متمتعًا لأن الإحرام نسك لا تتم العمرة إلا به، ولأنه أتى به من غير أشهر الحج فلم يصر متمتعًا كالطواف.
الثالث: أن يحج من عامه، فإن أخر الحج إلى عام آخر؛ لم يكن متمتعًا لأن التمتع بالعمرة إلى الحج يقتضي الموالاة بينهما، ولم يوال، فأشبه المعتمر في غير أشهر الحج.
الرابع: أن لا يسافر بينهما سفر يقصر فيه؛ لما روي عن عمر - ﵁ - قال: إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع، فإن خرج ثم رجع فليس بمتمتع،
[ ١ / ٤٨٠ ]
ولأنه إذا سافر لزمه الإحرام من الميقات، أو من حيث انتهى إليه، فلا يترفه بأحد السفرين، فأشبه المفرد.
الخامس: أن يحل من عمرته، فإن أدخل عليها الحج لم يجب دم المتعة؛ لما روت عائشة - ﵂ - قالت: «أهللنا بعمرة فقدمنا مكة وأنا حائض؛ لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله - ﷺ - فقال: انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة. قالت: ففعلت، فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله - ﷺ - مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت معه، فقال: هذه مكان عمرتك فقضى الله حجها وعمرتها ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صوم ولا صدقة» . متفق عليه. ولأنه يصير قارنًا، أشبه ما لو أحرم بهما، وذكر القاضي أنه يشترط أن ينوي في ابتداء العمرة أو أثناءها أنه متمتع؛ لأنه جمع بين عبادتين، فافتقر إلى النية كالجمع بين الصلاتين، وظاهر الآية يدل على عدم اشتراط هذا؛ لأنه يوجد التمتع بدونه والترفه بترك أحد السفرين فلزمه دم كما لو نوى.
فصل:
وفي وقت وجوبه روايتان:
إحداهما: إذا أحرم بالحج لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وبإحرام الحج يفعل ذلك فيجب الدم.
والثانية: إذا وقف بعرفة؛ لأن الحج لا يحصل إلا به، وهو معرض للفوات قبله فلا يحصل التمتع، فأما وقت ذبحه فقال أحمد: إن قدم مكة قبل العشر ومعه هدي نحره عن عمرته؛ لئلا يضيع أو يموت أو يسرق، فإن قدم في العشر لم ينحره حتى ينحره بمنى؛ لأن أصحاب النبي - ﷺ - قدموا في العشر فلم ينحروا حتى نحروا بمنى، فجوز النحر قبل إحرامه بالحج؛ لأنه حق مال يتعلق بشيئين فجاز تقديمه على أحد سببيه كالزكاة.
فصل:
فإن لم يجد الهدي فعليه صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] وتعتبر القدرة
[ ١ / ٤٨١ ]
في موضعه لأنه موقت له بدل، فاعتبرت قدرته في وقته كالوضوء، ووقت صيام الثلاثة قبل يوم النحر لقول الله تعالى: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] . والأفضل أن يكون آخرها يوم عرفة؛ ليحصل صومها أو بعضه بعد إحرام. وإن قدمه على ذلك بعد إحرام العمرة، جاز؛ لأنه وقت جاز فيه نحر الهدي فجاز فيه الصيام كبعد إحرام الحج، ومعنى قوله: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي في وقته. ولا يجوز تقديم النحر ولا الصوم قبل إحرام العمرة؛ لأنه تقديم له على سببه، فأشبه تقديم الزكاة على النصاب، ويصوم السبعة إذا رجع إلى أهله للآية، ولما روى ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: «فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله» متفق عليه. فإن صامها بعد حجه بمكة أو في طريقه جاز؛ لأنه صوم واجب جاز تأخيره في حق من يصح منه الصوم فجاز تقديمه، كرمضان في حق المسافر، ولا يجب التتابع في شيء من صوم المتعة؛ لأن الأمر فيه مطلق فلم يجب التتابع فيه كقضاء رمضان، فإن لم يصم الثلاث قبل أيام النحر صام أيام منى في إحدى الروايتين لقول ابن عمر وعائشة: لم يرخص في صوم أيام التشريق إلا للمتمتع إذا لم يجد الهدي.
والثانية: لا يصومها؛ لنهي النبي - ﷺ - عن صوم أيام التشريق، ويصوم بعد ذلك عشرة أيام. وهل يلزمه لتأخيره دم؟ فيه روايتان:
إحداهما: يلزمه؛ لأنه أخر الواجب من المناسك عن وقته فلزمه دم كتأخير الجمار.
والثانية: لا يلزمه دم؛ لأنه صوم واجب يجب القضاء بفواته، فلم يجب عليه بفواته كفارة كصوم رمضان.
وقال القاضي: إن أخره لغير عذر لتفريطه؛ لزمه، وإن أخره لعذر لم يلزمه وإن أخر الهدي الواجب لعذر من ضياع نفقة ونحوها فليس عليه إلا قضاؤه كسائر الهدي الواجب، وإن أخره لغير عذر ففيه روايتان:
إحداهما: لا يلزمه إلا قضاؤه لذلك.
والثانية: عليه هدي آخر؛ لما روي عن ابن عباس أنه قال: من تمتع فلم يهد إلى قابل يهدي هديين. ولأنه من نسك موقت فوجب بتأخيره دم كالرمي.
فصل:
ومن دخل في الصوم ثم قدر على الهدي؛ لم يلزمه الانتقال إليه؛ لأنه صوم شرع
[ ١ / ٤٨٢ ]
فيه لعدم الهدي فلم يلزمه الانتقال عنه كصوم السبعة، وله الانتقال عنه كصوم السبعة، وله الانتقال إليه؛ لأنه الأصل وهو أكمل. وإن وجب عليه الصوم فلم يشرع فيه حتى قدر على الهدي ففيه روايتان:
إحداهما: لا يلزمه الهدي؛ لأن الصوم استقر عليه، أشبه الشارع فيه.
والثانية: يلزمه لأنه وجد المبدل قبل شروعه في البدل أشبه الواجد له حال الوجوب.
فصل:
ويجب على القارن دم؛ لأنه يروى عن ابن مسعود وابن عمر - ﵄ -، ولأن القران نوع تمتع فيدخل في عموم الآية، ولأنه ترفه بترك أحد السفرين فلزمه دم كالمتمتع، ويشترط أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام، وحكمه حكم دم المتعة فيما ذكرناه.
فصل:
وإذا حاضت المتمتعة قبل الطواف للعمرة فخشيت فوات الحج، أو خشي ذلك غيرها، أحرم بالحج مع العمرة وصار قارنًا لحديث عائشة، ولأنه يجوز إدخال الحج على العمرة لغير عذر فمع خشية الفوات أولى.
فصل:
وتجزئ عمرة القارن وعمرة المفرد من أدنى الحل عن عمرة الإسلام، وعنه: لا تجزيان؛ «لقول النبي - ﷺ - لعائشة لما أعمرها أخوها: هذه مكان عمرتك» والصحيح: الأول؛ لقول الصبي بن معبد لعمر إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي فأهللت بهما، يعني أهللت بالمكتوبتين. فقال عمر: هديت لسنة نبيك، ولأنها عمرة صحيحة فكانت مجزئة كعمرة المتمتع والمكي، ولأن الحج مع تأكيده يجزئ الإحرام به من مكة، فالعمرة من أدنى الحل أولى، وأما حديث عائشة فهو حجة على إجزاء إحدى العمرتين المختلف فيهما، ولا حجة فيه على عدم الإجزاء في الأخرى؛ لأنه إنما أعمرها من التنعيم تطييبًا لقلبها لما سألته ذلك، ولم يبدأها به.
فصل:
ويسن للمحرم التلبية؛ لأن النبي - ﷺ - لبى ورفع صوته وأمر برفع الصوت بها، وصفتها: لبيك اللهم لبيك؛ لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك؛ لا شريك لك؛ لما روى ابن عمر أن هذه تلبية رسول الله - ﷺ -. متفق عليه. وتجوز الزيادة عليها لأن عمر زاد: لبيك ذا النعماء والفضل الحسن؛ لبيك مرهوبًا ومرغوبًا
[ ١ / ٤٨٣ ]
إليك؛ لبيك، وزاد ابنه: لبيك وسعديك، والخير بيديك لبيك، والرغباء إليك والعمل. وزاد أنس لبيك حقًا حقًا تعبدًا ورقًا، وسمعهم النبي - ﷺ - فلم ينكر، ولا تستحب الزيادة لاقتصار النبي - ﷺ - عنها. قال جابر: «وأهل الناس بهذا الذي يهلون، ولزم رسول الله - ﷺ - تلبيته»، رواه مسلم. ويستحب أن يصلي على النبي - ﷺ - بعدها؛ لأنه موضع شرع فيه ذكر الله تعالى فشرع فيه ذكر رسوله كالأذان، ثم يسأل الله الجنة ويستعيذ من النار، ويستحب ذكر إحرامه في تلبيته لقول أنس: «سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لبيك عمرة وحجًا» متفق عليه، وقول ابن عباس: «قدم رسول الله - ﷺ - وأصحابه وهم يلبون بالحج»، قال أحمد: إذا لبى القارن بهما بدأ بالعمرة؛ لحديث أنس. وقال أبو الخطاب لا يستحب ذكر الإحرام فيها.
فصل:
ويستحب البداءة بالتلبية إذا ركب راحلته؛ لقول ابن عباس، «أوجب رسول الله - ﷺ - الإحرام حين فرغ من صلاته، فلما ركب راحلته واستوت به قائمة أهل، أي لبى»، ويستحب رفع الصوت بها لما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال» حديث صحيح، ولا يجهد نفسه بذلك لئلا ينقطع صوته فتنقطع تلبيته، ولا ترفع المرأة صوتها إلا بقدر ما تسمع رفيقتها؛ لأنه يخاف الافتتان بها، ويستحب الإكثار منها؛ لأنها ذكر، ولأنه يروى عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «ما من مسلم يضحى لله يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت بذنوبه، فعاد كما ولدته أمه» رواه ابن ماجة، ويتأكد استحبابها في ثمانية مواضع: إذا علا نشزًا أو هبط واديًا، أو تلبس بمحظور ناسيًا، وفي دبر الصلوات المكتوبات وإذا التقت الرفاق وفي إقبال الليل والنهار وبالأسحار؛ لأن النخعي قال: كانوا يستحبون التلبية دبر الصلوات المكتوبة، وإذا هبط واديًا وإذا علا نشزًا، وإذا لقي راكبًا، وإذا استوت به راحلته، ولأن في هذه المواضع ترتفع الأصوات، ويكثر الضجيج، وقد قال النبي - ﷺ -: «أفضل الحج: العج والثج» وهو حديث غريب. والعج: رفع الصوت، والثج: إسالة الدماء. وحكم
[ ١ / ٤٨٤ ]
التلبية دبر الصلاة حكم التكبير في أيام عيد النحر، وتجزئ التلبية مرة واحدة؛ لعدم الأثر في تكرارها، ولا بأس بالزيادة؛ لأنها زيادة ذكر، وتستحب التلبية في المسجد الحرام ومنى وسائر مساجد الحرم وبقاعه؛ لأنها مواضع النسك، ولا يستحب إظهارها في مساجد الحل وأمصاره؛ لما روي عن ابن عباس أنه سمع رجلًا يلبي بالمدينة، فقال: إن هذا لمجنون إنما التلبية إذا برزت.