وهو جائز بغير خلاف لما روى جرير - ﵁ - قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - بال، ثم توضأ، ومسح على خفيه»، متفق عليه. قال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا، لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة، ولأن الحاجة تدعو إلى لبسه، وتلحق المشقة بنزعه، فجاز المسح عليه كالجبائر ويختص جوازه بالوضوء دون الغسل، لما روى صفوان بن عسال - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا إذا كنا مسافرين، أو سفر أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم» . أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ولأن الغسل يقل فلا
[ ١ / ٧١ ]
تدعو الحاجة إلى المسح على الخف فيه بخلاف الوضوء، ولجواز المسح عليه شروط أربعة:
أحدها: أن يكون ساترا لمحل الفرض من القدم كله، فإن ظهر منه شيء لم يجز المسح، لأن حكم ما استتر المسح، وحكم ما ظهر الغسل، ولا سبيل إلى الجمع بينهما، فغلب الغسل، كما لو ظهرت إحدى الرجلين، فإن تخرقت البطانة دون الظهارة، أو الظهارة دون البطانة جاز المسح، لأن القدم مستور به، وإن كان فيه شق مستطيل ينضم لا يظهر منه القدم، جاز المسح [عليه] لذلك، وإن كان الخف رقيقا يصف لم يجز المسح عليه، لأنه غير ساتر، وإن كان ذي شرج في موضع القدم، وكان مشدودا لا يظهر شيء من القدم إذا مشى جاز المسح عليه، لأنه كالمخيط.
فصل:
الثاني: أن يمكن متابعة المشي فيه، فإن كان يسقط من القدم لسعته، أو ثقله لم يجز المسح عليه، لأن الذي تدعو الحاجة إليه هو الذي يمكن متابعة المشي فيه، وسواء في ذلك الجلود والخرق والجوارب لما روى المغيرة - ﵁ - «أن النبي - ﷺ -: مسح على الجوربين والنعلين» . أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. قال الإمام أحمد: يذكر المسح على الجوربين عن سبعة أو ثمانية من أصحاب رسول الله - ﷺ -، ولأنه ملبوس ساتر للقدم يمكن متابعة المشي فيه، أشبه الخف. فإن شد على رجليه لفائف، لم يجز المسح عليها، لأنها لا تثبت
[ ١ / ٧٢ ]
بنفسها إنما تثبت بشدها.
فصل:
الثالث: أن يكون مباحا فلا يجوز المسح على المغصوب والحرير، لأن لبسه معصية، فلا تستباح به الرخصة، كسفر المعصية.
فصل:
الرابع: أن تلبسهما على طهارة كاملة، لما روى المغيرة - ﵁ - قال: «كنت مع النبي - ﷺ -، في سفر فأهويت لأنزع خفيه، قال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما» متفق عليه. فإن تيمم، ثم لبس الخف، لم يجز المسح عليه، لأن طهارته لا ترفع الحدث. وإن لبست المستحاضة، ومن به سلس البول خفا على طهارتهما فلهما المسح، نص عليه، لأن طهارتهما كاملة في حقهما فإن عوفيا لم يجز المسح؛ لأنها صارت ناقصة في حقهما، فأشبهت التيمم.
وإن غسل إحدى رجليه، فأدخلها الخف، ثم غسل الأخرى فأدخلها، لم يجز المسح، لأنه لبس الأول قبل كمال الطهارة.
وعنه: يجوز لأنه أحدث بعد كمال الطهارة واللبس، فأشبه ما لو نزع الأول، ثم لبسه بعد أن غسل الأخرى.
وإن تطهر ولبس خفيه، فأحدث قبل بلوغ الرجل قدم الخف، لم يجز المسح،
[ ١ / ٧٣ ]
لأن الرجل حصلت في مقرها وهو محدث فأشبه من بدأ اللبس محدثا، وإن لبس خفا على طهارة، ثم لبس فوقه آخر، أو جرموقا قبل أن يحدث جاز المسح على الفوقاني سواء كان التحتاني صحيحا أو مخرقا، لأنه خف صحيح يمكن متابعة المشي فيه لبسه على طهارة كاملة، أشبه المنفرد، وإن لبس الثاني بعد الحدث، لم يجز المسح عليه لأنه لبسه على غير طهارة، وإن مسح الأول، ثم لبس الثاني، لم يجز المسح عليه، لأن المسح لم يزل الحدث عن الرجل فلم تكمل الطهارة.
وإن كان التحتاني صحيحا، والفوقاني مخرقا، فالمنصوص جواز المسح لأن القدم مستور بخف صحيح. وقال بعض أصحابنا: لا يجوز، لأن الحكم تعلق بالفوقاني، فاعتبرت صحته كالمنفرد. وإن لبس المخرق فوق لفافة، لم يجز المسح عليه، لأن القدم لم يستتر بخف صحيح، وإن لبس مخرقا فوق مخرق فاستتر القدم بهما احتمل أن لا يجوز المسح لذلك، واحتمل أن يجوز، لأن القدم استتر بهما فصارا كالخف الواحد.