وأول نصابها أربعون: وفيها شاة، إلى مائة وعشرين. فإذا زادت واحدة، ففيها شاتان إلى مائتين، فإن زادت واحدة ففيها ثلاث شياه. ثم في كل مائة شاة شاة، لما روى أنس في كتاب الصدقات: «وفي سائمة الغنم إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة؛ فإذا زادت على عشرين ومائة ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه: فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاة شاة واحدة فليس فيها صدقة، إلا أن يشاء ربها» .
وعن أحمد: أن في ثلاثمائة وواحدة أربع شياه، ثم في كل مائة شاة شاة. اختارها
[ ١ / ٣٩٠ ]
أبو بكر؛ لأن النبي - ﷺ - جعل الثلاثمائة غاية، فيجب تغير الفرض بالزيادة عليها، والأول أصح؛ لأن النبي - ﷺ - جعل حكمها إذا زادت على الثلاثمائة، في كل مائة شاة. فإيجاب أربع فيما دون الأربعمائة يخالف الخبر، وإنما جعل الثلاثمائة حدًا لاستقرار الفرض.
فصل:
ولا يجزئ من الغنم إلا الجذع من الضأن، وهو الذي له ستة أشهر، والثني في المعز، وهو الذي له سنة لما روى سعر بن ديسم قال: «أتاني رجلان على بعير فقالا: إنا رسولا رسول الله - ﷺ - لتؤدي صدقة غنمك. قلت: فأي شيء تأخذان؟ قالا: عناقًا جذعة أو ثنية» . رواه أبو داود. لأن هذا السن هو المجزئ في الأضحية دون غيره، كذلك في الزكاة، فإن كان في ماشيته كبار وصغار لم يجب فيها إلا المنصوص، ويؤخذ الفرض بقدر قيمة المالين، ولذلك قال عمر - ﵁ -: اعتد عليهم بالسخلة، يروح بها الراعي على يديه، ولا تأخذها منهم. فإن كانت كلها صغارًا جاز إخراج الصغير؛ لقول الصديق - ﵁ -: لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - ﷺ -، لقاتلتهم عليها. ولا تؤدى العناق إلا عن صغار؛ ولأن الزكاة تجب مواساة، فيجب أن تكون من جنس المال.
وقال أبو بكر: لا تجزئ إلا كبيرة، للخبر. فإن كانت ماشيته الصغار إبلًا أو بقرًا ففيها وجهان:
أحدهما: تجزئه الصغيرة، لما ذكرناه في الغنم، وتكون الصغيرة الواجبة في ست وأربعين زائدة على الواجبة في ست وثلاثين بقدر تفاوت ما بين الحقة وبنت اللبون، وهكذا في سائر النصب تعدل بالقيمة.
والثاني: لا يجزئ إلا كبيرة؛ لأن الفرض يتغير بنهاية السن، فيؤدي إخراج الصغيرة إلى التسوية بين النصابين. فعلى هذا يخرج كبيرة ناقصة القيمة بقدر نقص الصغار عن الكبار. وعنه أيضًا: لا ينعقد عليها الحول حتى تبلغ سنًا يجزئ في الزكاة، لئلا يلزم هذا المحذور.
فصل:
لا يجزئ في الصدقة هرمة، ولا معيبة، ولا تيس، لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] . وروى أنس في كتاب الصدقات: «لا يخرج في
[ ١ / ٣٩١ ]
الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس» . وروى أبو داود عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا هو، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدة عليه كل عام، ولم يعط الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة، لكن من وسط أموالكم فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره» . الشرط: رذالة المال، والدرنة: الجرباء، فإن كان بعض النصاب مريضًا، وبعضه صحيحًا لم يأخذ إلا صحيحة على قدر المالين، وإن كان كله مريضًا أخذت مريضة منه. وقال أبو بكر: لا يؤخذ إلا صحيحة بقيمة المريضة، والقول في هذا كالقول في الصغار.
فصل:
ولا يؤخذ في الصدقة الربى، وهي التي تربي ولدها، ولا الماخض، وهي الحامل، ولا التي طرقها الفحل؛ لأن الغالب أنها حامل، ولا الأكولة وهي السمينة، ولا فحل الماشية المعد لضرابها، ولا حزرات المال، وهو خياره تحزره العين لحسنه، لقول النبي - ﷺ - لمعاذ: «إياك وكرائم أموالهم» متفق عليه. وقوله - ﷺ -: «إن الله لم يسألكم خيره» وقال عمر - ﵁ - لساعيه: لا تأخذ الربى ولا الماخض ولا الأكولة ولا فحل الغنم. قال الزهري: إذا جاء المصدق قسم الشاء: أثلاثًا، ثلثًا خيارًا، وثلثًا شرارًا، وثلثًا وسطًا، ويأخذ المصدق من الوسط. فإن تبرع المالك بدفع شيء من هذا، أو أخرج عن الواجب أعلى منه من جنسه جاز؛ لأن المنع من أخذه، لحقه فجاز برضاه، كما لو دفع فرضين مكان فرض. فإذا دفع حقة عن بنت لبون، أو تبيعين مكان الجذعة جاز لذلك، ولأن التبيعين يجزئان عن الأربعين مع غيرها فلأن يجزئان عنها مفردة أولى. وقد روى أبو داود عن أبي بن كعب «أن رجلًا قدم على النبي - ﷺ - فقال: يا نبي الله أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي، فزعم أن ما علي فيه بنت مخاض، فعرضت عليه ناقة فتية سمينة، فقال له رسول الله - ﷺ -: ذاك الذي وجب عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك فقال: ها هي ذه يا رسول الله، فأمر رسول الله - ﷺ - بقبضها، ودعا له بالبركة» .
فصل:
ولا تجزئ القيمة في شيء من الزكاة. وعنه: يجزئ لأن المقصود غنى الفقير بقدر المال. والأول المذهب؛ لأن النبي - ﷺ - ذكر هذه الأعيان المنصوص عليها بيانًا لما فرضه تعالى، فإخراج غيرها ترك للمفروض. وقوله: فإن لم تكن بنت مخاض، فابن
[ ١ / ٣٩٢ ]
لبون ذكر، يمنع إخراج ابن اللبون مع وجود ابنة المخاض، ويدل على أنه أراد العين دون المالية، فإن خمسًا وعشرون لا تخلوا عن مالية ابنة المخاض، وإخراج القيمة يخالف ذلك، ويفضي إلى إخراج الفريضة مكان الأخرى من غير جبران، وهو خلاف النص، واتباع السنة أولى. وقد روي عن معاذ أن النبي - ﷺ - لما بعثه إلى اليمن قال: «خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر» رواه أبو داود.