وهي من أفضل تطوع البدن؛ لقول رسول الله - ﷺ -: «واعلموا أن من خير أعمالكم الصلاة» رواه ابن ماجه، ولأن فرضها آكد الفروض، فتطوعها آكد التطوع.
وهي تنقسم أربعة أقسام:
القسم الأول: السنن الرواتب، وهي ثلاثة أنواع:
النوع الأول: الرواتب مع الفرائض، وآكدها عشر ركعات، وذكرها ابن عمر، قال: «حفظت من النبي - ﷺ - عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح، كانت ساعة لا يدخل على النبي - ﷺ - فيها أحد حدثتني حفصة، أنه كان إذا أذن المؤذن، وطلع الفجر، صلى ركعتين»، متفق عليه.
وآكدها ركعتا الفجر؛ قالت عائشة: «إن رسول الله - ﷺ - لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتي الفجر»، وقال: «ركعتا الفجر أحب إلي من الدنيا وما فيها» رواهما مسلم، وقال: «صلوهما ولو طردتكم الخيل» رواه أبو داود، ويستحب له تخفيفها، لقول عائشة: «كان رسول الله - ﷺ -، يصلي ركعتي الفجر فيخفف، حتى إني لأقول هل قرأ فيهما بفاتحة الكتاب؟» متفق عليه.
ويقرأ فيهما وفي ركعتي المغرب: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، قال أبو هريرة: إن النبي - ﷺ - قرأ في ركعتي الفجر: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] رواه مسلم. وعن ابن مسعود أن النبي - ﷺ -: «كان يقرأ في الركعتين بعد المغرب ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]» رواه ابن ماجه.
ويستحب ركوعهن في البيت؛ لحديث ابن عمر، ولما روى رافع بن خديج قال: «أتانا رسول الله - ﷺ - في بني عبد الأشهل فصلى المغرب في مسجدنا، ثم قال: اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم» رواه ابن ماجه. قال أحمد: ليس
[ ١ / ٢٦٤ ]
هاهنا شيء آكد من الركعتين بعد المغرب، يعني فعلها في البيت.
ويستحب المحافظة على أربع قبل الظهر، وأربع بعدها، لما روت أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار» وقال الترمذي: هذا حديث صحيح.
وعلى أربع قبل العصر، لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعًا» رواه أبو داود.
وعلى ست بعد المغرب، لما روي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من صلى بعد المغرب ستًا لم يتكلم بينهن بسوء، عدلن له عبادة ثنتي عشرة سنة» رواه الترمذي.
وعلى أربع بعد العشاء؛ لقول عائشة - ﵂ -: «ما صلى رسول الله - ﷺ - العشاء قط إلا صلى أربع ركعات، أو ست ركعات»، رواه أبو داود.
فصل:
في الوتر:
النوع الثاني: الوتر. وهو سنة مؤكدة، لمداومة النبي - ﷺ - في حضره وسفره، وروى أبو أيوب: أن النبي - ﷺ - قال: «الوتر حق، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل» رواه أبو داود. وحكي عن أبي بكر أنه واجب لذلك، والصحيح أنه ليس بواجب؛ لأنه يصلى على الراحلة من غير ضرورة، ولا يجوز ذلك في واجب.
والكلام فيه في ثلاثة أشياء: وقته، وعدده، وقنوته.
أما وقته: فمن صلاة العشاء إلى صلاة الصبح، لما روى أبو بصرة أن النبي - ﷺ - قال: «إن الله زادكم صلاة، فصلوها ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح، الوتر» رواه الإمام أحمد. وقال النبي - ﷺ -: «فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة» متفق عليه.
والأفضل فعله سحرًا؛ لقول عائشة: «من كل الليل قد أوتر رسول الله - ﷺ -، فانتهى وتره إلى السحر» . متفق عليه، فمن كان له تهجد جعل الوتر بعده، ومن خشي أن لا يقوم أوتر قبل أن ينام؛ لقول النبي - ﷺ -: «من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر من أوله، ومن طمع أن يقوم من آخره، فليوتر من آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل» رواه مسلم.
[ ١ / ٢٦٥ ]
فمن أوتر قبل النوم، ثم قام للتهجد لم ينقض وتره، وصلى شفعًا حتى يصبح؛ لقول النبي - ﷺ -: «لا وتران في ليلة» وهذا حديث حسن. ومن أحب تأخير الوتر، فصلى مع الإمام التراويح والوتر، قام إذا سلم الإمام، فضم إلى الوتر ركعة أخرى؛ لتكون شفعًا، ومن فاته الوتر حتى يصبح صلاه قبل الفجر، لما ذكرنا متقدمًا.
وأما عدده، فأقله ركعة لحديث أبي أيوب، وأكثره إحدى عشرة يسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة لما روت عائشة قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي ما بين صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة» . متفق عليه. وأدنى الكمال: ثلاث بتسليمتين، لما روى ابن عمر أن «رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن الوتر، فقال رسول الله - ﷺ -: افصل بين الواحدة والثنتين بالتسليم» رواه الأثرم.
فإن أوتر خلف الإمام تابعه فيما يفعله، لئلا يخالفه، قال أحمد: يعجبني أن يسلم في الركعتين، وإن أوتر بثلاث لم يضيق عليه عندي.
ويستحب أن يقرأ في الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] لما روى أبي بن كعب قال: «كان رسول الله - ﷺ - يوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]» رواه أبو داود.
وإن أوتر بخمس سردهن، فلم يجلس إلا في آخرهن؛ لأن عائشة قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي في الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر في ذلك بخمس، لا يجلس إلا في آخرهن» . متفق عليه. وإن أوتر بتسع لم يجلس إلا بعد الثامنة، ولم يسلم، ثم جلس بعد التاسعة، فتشهد وسلم، وكذلك يفعل في السبع، لما «روى سعد بن هشام قال: قلت لعائشة: أنبئيني عن وتر رسول الله - ﷺ -. فقالت: كنا نعد كل سواكه وطهوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه، فيتسوك ويصلي تسع ركعات، ولا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمد ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيحمد الله ويذكره ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن رسول الله - ﷺ - وأخذه اللحم أوتر بسبع، وصنع في الركعتين صنيعه في الأول» رواه مسلم، وأبو داود. وفي حديثه: «أوتر بسبع ركعات لم يجلس فيهن إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلا في السابعة» .
وأما القنوت فيه؛ فمسنون في جميع السنة، وعنه: لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان؛ لأن أبيًا كان يفعل ذلك حين يصلي التراويح، وعن أحمد ما يدل على رجوعه قال في رواية المروذي: قد كنت أذهب إلى أنه في النصف الأخير من رمضان،
[ ١ / ٢٦٦ ]
ثم إني قنت، هو دعاء وخير، ولأن ما شرع في الوتر في رمضان شرع من غيره كعدده، ويقنت بعد الركوع، لما روى أبو هريرة، وأنس أن «النبي - ﷺ - قنت بعد الركوع»، رواه مسلم.
ويقول في قنوته: ما «روى الحسن بن علي قال: علمني رسول الله - ﷺ - كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت» رواه الترمذي، وقال: لا نعرف عن النبي - ﷺ - في القنوت شيئًا أحسن من هذا، وعن علي - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يقول في آخر الوتر: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» رواه الطيالسي.
وعن عمر - ﵁ - أنه قنت فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اللهم إنا نستعينك، ونستهديك، ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، ونشكرك ولا نكفرك، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق، اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك، وهاتان سورتان من مصحف أبي. وقال ابن قتيبة: نحفد: نبادر، وأصل الحفد: مداركة الخطو، والإسراع. والجد بكسر الجيم أي: الحق لا اللعب، وملحق بكسر الحاء لاحق، وإن فتحها جاز.
وإذا قنت الإمام أمن من خلفه، فإن لم يسمع قنوت الإمام، دعا هو، نص عليه.
ويرفع يديه في القنوت إلى صدره؛ لأن ابن مسعود فعله، وإذا فرغ أمر يديه على وجهه، وعنه: لا يفعل، والأولى أولى؛ لأن السائب بن يزيد قال: «إن رسول الله - ﷺ - كان إذا دعا رفع يديه، ومسح وجهه بيديه» . رواه أبو داود.
فصل:
النوع الثالث: صلاة الضحى، وهي مستحبة، لما روى أبو هريرة قال: «أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاث أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام»، متفق عليه.
وأقلها ركعتان لحديث أبي هريرة، وأكثرها ثمان ركعات، لما «روت أم هانئ: أن النبي - ﷺ - دخل بيتها يوم فتح مكة، وصلى ثمان ركعات، فلم أر قط صلاة أخف منها، غير أنه يتم الركوع والسجود»، متفق عليه.
[ ١ / ٢٦٧ ]
ووقتها إذا علت الشمس، واشتد حرها؛ لقوله - ﵇ -: «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال» رواه مسلم. قال أبو الخطاب: يستحب المداومة عليها؛ لحديث أبي هريرة، ولقوله - ﵇ -: «من حافظ على شفعة الضحى غفرت ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر» أخرجه الترمذي، ولأن أحب العمل إلى الله أدومه، وقال غيره: لا يستحب ذلك؛ لقول عائشة: «ما رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي الضحى قط.» متفق عليه، ولأن فيه تشبيهًا بالفرائض.
فصل:
والقسم الثاني: ما سن له الجماعة، منها التراويح، وهو قيام رمضان، وهي سنة مؤكدة؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «من صام رمضان، وقامه إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه» متفق عليه، وقام النبي - ﷺ - بأصحابه ثلاث ليال، ثم تركها خشية أن تفرض، فكان الناس يصلون لأنفسهم، حتى خرج عمر - ﵁ - عليهم وهم أوزاع يصلون، فجمعهم على أبي بن كعب. قال السائب بن يزيد: لما جمع عمر الناس على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة؛ فالسنة أن يصلي بهم عشرين ركعة في الجماعة لذلك، ويوتر الإمام بهم بثلاث ركعات، لما روى مالك عن يزيد بن رومان قال: كان الناس يقومون في عهد عمر - ﵁ - بثلاث وعشرين ركعة، قال أحمد: يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف، حسب له قيام ليلة» قال: ويقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخف على الناس، ولا يشق عليهم، قال القاضي: لا تستحب الزيادة على ختمة، لئلا يشق عليهم، ولا النقصان منها، ليسمعهم جميع القرآن، إلا أن يتفق جماعة يؤثرون الإطالة، فلا بأس بها، وسميت هذه تراويح؛ لأنهم كانوا يجلسون بين كل أربعة يستريحون.
وكره أحمد التطوع بينها، وقال: فيه عن ثلاثة من أصحاب النبي - ﷺ - كراهية، عبادة، وأبو الدرداء وعقبة بن عامر.
ولا يكره التعقيب، وهو أن يصلوا بعد التراويح نافلة في جماعة؛ لأن أنسًا قال: ما يرجعون إلا لخير يرجونه، أو لشر يحذرونه، وعنه: أنه يكره، إلا أنه قول قديم. قال أبو بكر: إن أخروا الصلاة إلى نصف الليل أو آخره لم يكره رواية واحدة، قال أحمد: فإذا أنت فرغت من قراءة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]، فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع، وادع وأطل القيام، رأيت أهل مكة وسفيان بن عيينة يفعلونه، واختلف أصحابنا في قيام ليلة الشك، فقامها القاضي؛ لأن القيام تبع للصيام، ومنعها أبو حفص العكبري؛ لأن الأصل بقاء شعبان، ترك ذلك في الصيام احتياطًا، ففيما عداه يبقى على الأصل.
[ ١ / ٢٦٨ ]
فصل:
القسم الثالث: التطوع المطلق، وهو مشروع في الليل والنهار، وتطوع الليل أفضل؛ لقول رسول الله - ﷺ -: «أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة الليل» وهو حديث حسن. والنصف الأخير أفضل، «قال عمرو بن عبسة: قلت: يا رسول الله، أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الأخير» رواه أبو داود. وقال النبي - ﷺ -: «أحب الصلاة إلى الله، صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه» متفق عليه.
ويستحب للمتهجد أن يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين؛ لقول رسول الله - ﷺ -: «إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين» رواه مسلم.
ويستحب أن يكون له ركعات معلومة، يقرأ فيها حزبه من القرآن؛ لأن رسول الله - ﷺ - قال: «أحب العمل إلى الله الذي يدوم عليه صاحبه وإن قل» متفق عليه.
وقالت عائشة: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي ما بين أن يفرغ من صلاة العشاء الآخرة إلى الفجر إحدى عشرة ركعة» . رواه مسلم.
وهو مخير إن شاء خافت، وإن شاء جهر، قالت عائشة: «كل ذلك كان يفعل النبي - ﷺ -، ربما أسر وربما جهر» حديث صحيح، إلا أنه إن كان يسمع ما ينفعه، أو يكون أنشط له وأطيب لقلبه، فالجهر أفضل، وإن كان يؤذي أحدًا، أو يخلط عليه القراءة، فالسر أولى، فإن أبا سعيد قال: «اعتكف رسول الله - ﷺ - في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر، وقال: ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة» رواه أبو داود.
فصل:
ويستحب أن يختم القرآن في كل سبع؛ لأن النبي - ﷺ - قال لعبد الله بن عمرو: «اقرأ القرآن في كل سبع» متفق عليه.
ويحزبه أحزابًا، لما روى أوس بن حذيفة قال: «قلنا لرسول الله - ﷺ -: لقد أبطأت علينا الليلة، قال: إنه طرأ علي حزبي، فكرهت أن أجيء حتى أتمه. قال أوس: فسألت أصحاب رسول الله - ﷺ - كيف يحزبون القرآن؟ قال: قالوا: ثلاث وخمس وسبع وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده» . رواه أبو داود.
[ ١ / ٢٦٩ ]
فصل:
وصلاة الليل مثنى مثنى، لا يزيد على ركعتين؛ لما «روى ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: صلاة الليل مثنى مثنى قيل لابن عمر: ما مثنى مثنى؟ قال: تسلم من كل ركعتين» . متفق عليه.
وإن تطوع في النهار بأربع فلا بأس؛ لأن تخصيص الليل بالتثنية دليل على إباحة الزيادة عليها في النهار.
والأفضل التثنية؛ لأنه أبعد من السهو.
فصل:
والتطوع في البيت أفضل؛ لقول رسول الله - ﷺ -: «عليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» . رواه مسلم، ولأنه من عمل السر، ويجوز منفردًا وفي جماعة؛ لأن أكثر تطوع النبي - ﷺ - كان منفردًا، وقد أم ابن عباس في التطوع مرة، وحذيفة مرة، وأنسًا واليتيم مرة، فدل على جواز الجميع.
فصل:
ويجوز التطوع جالسًا؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة» رواه مسلم، ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك؛ لأنه يستحب تطويله وتكثيره، فسومح في ترك القيام تكثيرًا له، ويستحب أن يكون في حال القيام متربعًا، ليخالف حالة الجلوس، ويثني رجليه حال السجود؛ لأن حال الركوع كحال القيام، وقال الخرقي: يثنيها في الركوع أيضًا لأن ذلك يروى عن أنس، وإن صلى على غير هذه الهيئة جاز، وإذا بلغ الركوع فإن شاء قام، ثم ركع لما روت عائشة قالت: «لم أر رسول الله - ﷺ - يصلي صلاة الليل قاعدًا حتى أسن، فكان يقرأ قاعدًا حتى إذا أراد أن يركع، قام فقرأ نحوًا من ثلاثين آية، أو أربعين آية، ثم ركع» . متفق عليه.
وإن شاء ركع من قعود، لما روت عائشة: «أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا قاعدًا، وكان إذا قرأ وهو قائم، ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد» . رواه مسلم.
فصل:
القسم الرابع: صلوات لها أسباب، منها تحية المسجد، لما روى أبو قتادة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» متفق عليه.
[ ١ / ٢٧٠ ]
ومنها صلاة الاستخارة، قال جابر: «كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم في الأمر؛ فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي ومعادي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي، في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به» أخرجه البخاري.
فصل:
وسجود التلاوة سنة للقارئ والمستمع؛ لأن ابن عمر قال: «كان رسول الله - ﷺ - يقرأ علينا السورة من غير الصلاة، فيسجد ونسجد معه، حتى لا يجد أحدنا مكانًا لوضع جبهته» متفق عليه. ولا يسن للسامع عن غير قصد؛ لأن عثمان - ﵁ - مر بقاص، فقرأ سجدة ليسجد عثمان معه، فلم يسجد، وقال: إنما السجدة على من استمع.
ويشترط كون التالي يصلح إمامًا للمستمع، لما روي «أن رسول الله - ﷺ - أتى إلى نفر من أصحابه، فقرأ رجل منهم سجدة، ثم نظر إلى رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: إنك كنت إمامنا، ولو سجدت لسجدنا» رواه الشافعي.
ويسجد القارئ لسجود الأمي والقادر على القيام بالعاجز عنه؛ لأن ذلك ليس بواجب فيه، ولا يقوم الركوع مقام السجود؛ لأنه سجود مشروع فأشبه سجود الصلاة، وإن كانت السجدة آخر السورة سجد ثم قام فقرأ شيئًا ثم ركع، وإن أحب قام، ثم ركع من غير قراءة، وإن شاء ركع في آخر السورة؛ لأن السجود يؤتى به عقيب الركوع.
فصل:
[في أن سجود التلاوة غير واجب]:
وسجود التلاوة غير واجب؛ لأن زيد بن ثابت قال: «قرأت على النبي - ﷺ - النجم،
[ ١ / ٢٧١ ]
فلم يسجد منا أحد» متفق عليه. وقال عمر: يا أيها الناس، إنما نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يكتبها الله علينا.
وله أن يومئ بالسجود على الراحلة، كصلاة السفر، ويشترط له ما يشترط للنافلة، ويكبر للسجود تكبيرة واحدة في الصلاة وفي غيرها؛ لأن ابن عمر قال: «كان رسول الله - ﷺ - يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة، كبر وسجد، وسجدنا معه»، ويرفع يديه في غير الصلاة؛ لأنها تكبيرة افتتاح، وإن كان في صلاة، ففيها روايتان، ويكبر للرفع منه؛ لأنه رفع من سجود أشبه سجود الصلاة، ويسلم إذا رفع تسليمة واحدة؛ لأنها صلاة ذات إحرام، فأشبهت صلاة الجنازة.
وعنه: لا سلام له؛ لأنه لم ينقل عن النبي - ﷺ -، ولا يفتقر إلى تشهد، ولا يسجد فيه لسهو؛ لأنه لا ركوع فيه أشبه صلاة الجنازة، ولا يفتقر إلى قيام؛ لأنه لا قراءة فيه، ويقول فيه ما يقول في سجود الصلاة، فإن قال ما روت عائشة: أن النبي - ﷺ - «كان يقول في سجود القرآن: سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته» فحسن، وهذا حديث صحيح. فإن قال غيره مما ورد في الأخبار فحسن.
فصل:
وسجدات القرآن، أربع عشرة سجدة: في (الحج) منها اثنتان، وثلاث في المفصل، وعنه: أنها خمس عشرة سجدة، منها سجدة (ص)؛ لما «روى عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - أقرأه خمس عشرة سجدة؛ منها ثلاث في المفصل، وسجدتان في الحج» رواه أبو داود. والصحيح أن سجدة - ﷺ - ليست من عزائم السجود؛ لما روى ابن عباس أنه قال: ليست (ص) من عزائم السجود رواه أبو داود.
ومواضع السجدات ثابتة بالإجماع، إلا سجدات المفصل، والثانية من الحج، وقد ثبت ذلك بحديث عمرو. «وروى عقبة بن عامر أنه قال: يا رسول الله، أفي الحج سجدتان؟ قال: نعم، ومن لم يسجدهما لا يقرأهما» رواه أبو داود. وأول السجدات آخر الأعراف، وفي الرعد عند قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]، وفي النحل عند: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]، وفي سبحان عند ﴿يَزِيدُهُمْ إِلا﴾ [الإسراء: ٤١]، وفي مريم عند: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، وفي الحج: الأولى عند: ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨]
[ ١ / ٢٧٢ ]
والثانية عند: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] وفي الفرقان عند: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠]، وفي النمل عند: ﴿الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦]، وفي ﴿الم - تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢] عند: ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥] وفي حم السجدة عند: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] وفي آخر النجم، وفي: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] عند: ﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١]، وآخر اقرأ، ويكره اختصار السجود، وهو أن يجمع آيات السجدات فيقرأها في ركعة، وقيل: أن يحذف آيات السجدات في قراءته، وكلاهما مكروه؛ لأنه محدث، وفيه إخلال بالترتيب.
فصل:
وسجود الشكر مستحب عند تجدد النعم، لما روى أبو بكرة قال: «كان النبي - ﷺ - إذا جاءه شيء يسر به خر ساجدًا»، وصفته وشروطه كصفة سجود التلاوة وشروطها، ولا يسجد للشكر في الصلاة؛ لأن سببه ليس منها، فإن فعل بطلت، كما لو سجد في الصلاة لسهو صلاة أخرى.