يحرم على الصائم الأكل والشرب للآية والخبر، فإن أكل أو شرب مختارًا ذاكرًا لصومه أبطله؛ لأنه فعل ما ينافي الصوم لغير عذر، سواء كان غذاء أو غير غذاء كالحصاة والنواة لأنه أكل. وإن استعط أفسد صومه، لقول النبي - ﷺ - للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» رواه أبو داود وهذا يدل على أنه يفسد الصوم إذا بالغ فيه بحيث يدخل إلى خياشيمه. وإن أوصل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان، أو إلى دماغه مثل أن احتقن أو داوى جائفة بما يصل جوفه، أو طعن نفسه أو طعنه غيره بإذنه بما يصل جوفه، أو قطر في أذنيه فوصل إلى دماغه، أو داوى مأمومة بما يصل إليه؛ أفطر؛ لأنه إذا بطل بالسعوط دل على أنه يبطل بكل واصل من أي موضع كان، ولأن الدماغ أحد الجوفين فأبطل الصوم ما يصل إليه كالآخر. وإن اكتحل فوصل الكحل إلى حلقه أفطر؛ لأن العين منفذ، لذلك يجد المكتحل مرارة الكحل في حلقه، ويخرج أجزاؤه في نخاعته، وإن شك في وصوله لكونه يسيرًا كالميل ونحوه ولم يجد طعمه لم يفطر، نص عليه، وإن زرق في إحليله شيئًا أو أدخل ميلًا لم يبطل صومه؛ لأن ما يصل المثانة، لا يصل إلى الجوف ولا منفذ بينهما، إنما يخرج البول رشحًا فهو بمنزلة ما لو ترك في فيه شيئًا، وإن ابتلع ما بين أسنانه أفطر؛ لأنه واصل من خارج يمكن التحرز عنه فأشبه اللقمة.
[ ١ / ٤٤٠ ]
فصل:
وما لا يمكن التحرز منه كابتلاع ريقه، وغربلة الدقيق، وغبار الطريق والذبابة تدخل في حلقه، لا يفطره؛ لأن التحرز منه لا يدخل تحت الوسع، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وإن جمع ريقه ثم ابتلعه لم يفطر؛ لأنه يصل من معدته، أشبه ما لو لم يجمعه.
وفيه وجه آخر: أنه يفطره، لإمكان التحرز منه. وإن ابتلع النخامة ففيها روايتان:
إحداهما: يفطر لأنها من غير الفم، أشبه القيء.
والثانية: لا يفطر لأنها لا تصل من خارج وهي معتادة في الفم، أشبه الريق. ومن أخرج ريقه من فمه ثم ابتلعه، أو بلع ريق غيره أفطر؛ لأنه بلعه من غير فمه، أشبه ما لو بلع ماء، ومن أخرج درهمًا من فمه ثم أدخله وبلع ريقه لم يفطر؛ لأنه لا يتحقق ابتلاع البلل الذي كان عليه، ولذلك لا يفطر بابتلاع ريقه بعد المضمضة والتسوك بالعود الرطب، ولا بإخراج لسانه ثم إعادته. ولو سال فمه دمًا أو خرج إليه قلس أو قيء فازدرده أفطر؛ لأن الفم في حكم الظاهر، وإن أخرجه ثم ابتلع ريقه ومعه شيء من المنجس أفطر وإلا فلا.
فصل:
ومن استقاء عمدًا أفطر، ومن ذرعه فلا شيء عليه لما روى أبو هريرة أن النبي - ﷺ - قال: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقى عمدًا فليقض» حديث حسن. وإن حجم أو احتجم أفطر، لقول النبي - ﷺ -: «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه عن النبي - ﷺ - أحد عشر نفسًا، وقال أحمد: حديث ثوبان وشداد بن أوس صحيحان.
فصل:
وتحرم عليه المباشرة للآية، فإن باشر فيما دون الفرج، أو قبل أو لمس فأنزل فسد صومه، فإن لم ينزل لم يفسد، لما روي عن عمر - ﵁ - قال: «قلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمرًا عظيمًا قبلت وأنا صائم قال: أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم قلت: لا بأس قال: فمه؟» رواه أبو داود. شبه القبلة بالمضمضة لأنها من مقدمات الشهوة، والمضمضة إذا لم يكن معها نزول الماء لم يفطر كذلك القبلة، ولو احتلم لم يفسد صومه؛ لأنه يخرج عن غير اختياره.
وإن جامع ليلًا فأنزل نهارًا لم يفطر؛ لأن مجرد الإنزال لا يفطر كالاحتلام، وإن
[ ١ / ٤٤١ ]
كرر النظر فأنزل أفسد صومه؛ لأنه إنزال عن فعل في الصوم أمكن التحرز عنه، أشبه الإنزال باللمس، وإن صرف بصره فأنزل لم يفطر لأنه لا يمكن التحرز عنه وإن أنزل بالفكر لم يفطر لذلك، وإن استمنى بيده فأنزل أفطر؛ لأنه إنزال عن مباشرة أشبه القبلة، وسواء في هذا كله المني والمذي؛ لأنه خارج تخلله الشهوة انضم إلى المباشرة به فأفطر به كالمني، إلا في تكرار النظر لا يفطر، إلا بإنزال المني في ظاهر كلامه؛ لأنه ليس بمباشرة.
فصل:
وما فعل من هذا ناسيًا لم يفطره، لما روى أبو هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا أكل أحدكم أو شرب ناسيًا فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» متفق
[ ١ / ٤٤٢ ]
عليه، وفي لفظ: «فلا يفطر فإنما هو رزق رزقه الله تعالى» فنص على الأكل والشرب، وقسنا عليه سائر ما ذكرناه، وإن فعله مكرهًا لم يفطر، لقوله - ﷺ -: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء» فنقيس عليه ما عداه، وإن فعله وهو نائم لم يفطر؛ لأنه أبلغ في العذر من الناسي، وإن فعله جاهلًا بتحريمه أفطر؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» في حق رجلين رآهما يفعلان ذلك مع جهلهما بالتحريم، ولأنه نوع جهل فلم يعذر به، كالجهل بالوقت، وذكر أبو الخطاب أنه لا يفطر؛ لأن الجهل عذر يمنع [التأثيم] فيمنع الفطر كالنسيان، وإن تمضمض أو استنشق فدخل الماء حلقه لم يفطر؛ لأنه واصل بغير اختياره ولا تعديه فأشبه الذباب الداخل حلقه وإن بالغ فيهما فوصل الماء ففيه وجهان:
أحدهما: لا يفطر؛ لأنه بغير اختياره.
والثاني: يفطر لأن النبي - ﷺ - نهى عنه لقيط بن صبرة، حفظًا للصوم، فدل على أنه يفطره؛ لأنه تولد بسبب منهي عنه، فأشبه الإنزال عن مباشرة، وإن زاد على الثلاث فيهما فوصل الماء فعلى الوجهين. وإن أكل يظن أن الشمس قد غابت ولم تغب، أو أن الفجر لم يطلع وقد طلع، أفطر، لما روي عن حنظلة. قال: كنا بالمدينة في رمضان وفي السماء سحاب، فظننا أن الشمس قد غابت فأفطر بعض الناس، ثم طلعت الشمس، فقال عمر: من أفطر فليقض يومًا مكانه رواه سعيد بن منصور. ولأنه أكل ذاكرًا مختارًا فأفطر، كما لو أكل يظن أن اليوم من شعبان فبان من رمضان.
[ ١ / ٤٤٣ ]
فصل:
وعلى من أفطر القضاء لقوله - ﷺ -: «من استقاء فليقض» ولأن القضاء يجب مع العذر فمع عدمه أولى، وعليه إمساك سائر يومه لأنه أمر به في جميع النهار فمخالفته في بعضه لا تبيح المخالف في الباقي. ولو قامت البينة بالرؤية بعد فطره فعليه القضاء والإمساك لذلك. ولا تجب الكفارة بغير الجماع؛ لأن النبي - ﷺ - لم يأمر بها المحتجم ولا المستقيء، ولأن الإيجاب في الشرع ولم يرد بها إلا في الجماع، وليس غيره في معناه؛ لأنه أغلظ، ولهذا يجب به الحد في ملك الغير، والكفارة العظمى في الحج، ويفسده دون سائر محظوراته، ويتعلق به اثنا عشر حكمًا.
فصل:
ومن جامع في الفرج فأنزل أو لم ينزل فعليه القضاء والكفارة، لما روى أبو هريرة «أن رجلًا جاء فقال: يا رسول الله وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال له
[ ١ / ٤٤٤ ]
رسول الله - ﷺ -: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا، قال: فسكت النبي - ﷺ -، فبينا نحن على ذلك أتي النبي - ﷺ - بعذق فيه تمر فقال: أين السائل خذ هذا فتصدق به فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدت أنيابه فقال: أطعمه أهلك» متفق عليه. وسواء في هذا وطء الزوجة والأجنبية،
[ ١ / ٤٤٥ ]
والحية والميتة، والآدمية والبهيمة، والقبل والدبر؛ لأنه وطء في فرج موجب للغسل أشبه وطء الزوجة، ولأنه إذا وجب التفكير بالوطء في المحل المملوك ففيما عداه أولى، ويحتمل أن لا تجب الكفارة بوطء البهيمة لأنه محل لا يجب الحد بالوطء فيه أشبه غير الفرج، وفي الجماع دون الفرج إذا أنزل روايتان:
إحداهما: تجب به الكفارة؛ لأن النبي - ﷺ - لم يستفصل السائل عن الوقاع.
والثانية: لا تجب؛ لأنه مباشرة لا يفطر بغير إنزال فأشبه القبلة، ولا يصح قياسه على الوطء في الفرج، لما بينهما من الفرق، وإنما لم يستفصله النبي - ﷺ - لأنه فهم منه الوقاع في الفرج، بدليل ترك الاستفصال عن الإنزال. وتجب الكفارة على الناسي والمكره؛ لأن النبي - ﷺ - لم يستفصل السائل عن حاله، وعن أحمد - ﵁ -: كل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا غيره. فيدخل فيه الإكراه والنسيان، لقول النبي - ﷺ -: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» رواه النسائي. وقياسًا على سائر المفطرات.
وقال ابن عقيل: إن كان الإكراه إلجاء. مثل أن استدخلت ذكره وهو نائم أو مغلوب على نفسه. فلا كفارة عليه؛ لأنه لا فعل له. وفي فساد صومه احتمالان، وإن كان بالوعيد ونحوه فعليه القضاء؛ لأن الانتشار من فعله ولا كفارة عليه لعذره.
فصل:
وفي وجوب الكفارة على المرأة روايتان:
إحداهما: تجب؛ لأنها إحدى المتواطئين فلزمتها الكفارة كالرجل.
والثانية: لا تلزمها؛ لأن النبي - ﷺ - لم يأمر امرأة المواقع بكفارة، ولأنه حق مال يتعلق بالوطء من بين جنسه فاختص بالرجل كالمهر. فإن كانت ناسية أو مكرهة فلا كفارة عليها رواية واحدة؛ لأنها تعذر بالعذر في الوطء ولذلك لا تحد إذا أكرهت على الزنا بخلاف الرجل، والحكم في فساد صومها كالحكم في الرجل المعذور، ولا تجب الكفارة بالوطء في غير رمضان، لعدم حرمة الزمان.
[ ١ / ٤٤٦ ]
فصل:
ومن لزمه الإمساك في رمضان فعليه الكفارة بالوطء وإن كان مفطرًا لأنه وطء يحرم بحرمة رمضان فوجبت به الكفارة كوطء الصيام ومن جامع وهو صحيح مقيم ثم مرض أو جن أو سافر؛ لم تسقط الكفارة عنه؛ لأنه أفسد صومًا واجبًا في رمضان بجماع تام فوجبت الكفارة وجوبًا مستمرًا، كما لو لم يطرأ عذر. وإن وطئ ثم وطئ قبل التكفير في يوم واحد فعليه كفارة واحدة بلا خلاف؛ لأنها عبادة تكرر الوطء فيها قبل التكفير فلم تجب أكثر من كفارة كالحج، وإن كان ذلك في يومين ففيه وجهان:
أحدهما: تجزئه كفارة واحدة لأنه جزاء عن جناية تكرر سببها قبل استيفائها فتداخلا كالحدود وكالتي قبلها.
والثاني: تلزمه كفارتان اختاره القاضي؛ لأنه أفسد صوم يومين بجماع فوجبت كفارتان كما لو كانا في رمضانين، فإن كفر عن الأول فعليه للثاني كفارة وجهًا واحدًا؛ لأنه تكرر السبب بعد استيفاء حكم الأول فوجب أن يثبت للثاني حكمه كسائر الكفارات.
فصل:
والكفارة عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا للخبر.
وعنه: أنها على التخيير بين الثلاثة، لما روي عن أبي هريرة «أن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا» . رواه مسلم ومالك في " الموطأ ". و" أو " للتخيير، والأول المذهب؛ لأن الحديث الأول أصح وهو متضمن للزيادة، وإن عجز عن الأصناف كلها سقطت؛ لأن النبي - ﷺ - أمر الذي أخبره بحاجته إليها بأكلها، ويحتمل أن لا تسقط؛ لأن النبي - ﷺ - دفع إليه المكتل وأمره بالتكفير بعد إخباره بعجزه، والأول أولى؛ لأن الإسقاط آخر الأمرين فيجب تقديمه.