الصلوات المكتوبات خمس، لما «روى طلحة بن عبيد الله، أن أعرابيًا قال: يا رسول الله، ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ قال: خمس صلوات في اليوم والليلة قال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع
[ ١ / ١٧١ ]
شيئًا» متفق عليه، ولا تجب إلا على مسلم عاقل بالغ، فأما الكافر، فلا تجب عليه، أصليًا
[ ١ / ١٧٢ ]
كان أو مرتدًا.
وخرج أبو إسحاق بن شاقلا رواية أخرى: أنها تجب على المرتد، ويؤمر بقضائها؛ لأنه اعتقد وجوبها، وأمكنه التسبب إلى أدائها، فأشبه المسلم.
والمذهب الأول؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]،
[ ١ / ١٧٣ ]
ولأنه قد أسلم كثير في عصر النبي - ﷺ -، وبعده، فلم يؤمروا بقضاء، ولأن في إيجاب القضاء تنفيرًا له عن الإسلام، فعفي عنه.
ولا تجب على مجنون؛ لقول رسول الله - ﷺ -: «رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» حديث حسن، ولأن
[ ١ / ١٧٤ ]
مدته تتطاول، فيشق إيجاب القضاء عليه، فعفي عنه.
ولا تجب على الصبي حتى يبلغ، للحديث، ولأن الطفل لا يعقل، والمدة التي يكمل فيها عقله وبنيته تخفى وتختلف، فنصب الشرع عليه علامة ظاهرة، وهي البلوغ لكنه يؤمر بها لسبع، ويضرب عليها لعشر، ليتمرن ويعتادها فلا يتركها عند بلوغه، وتصح صلاته، ويستحب له فعلها، لما ذكرنا.
وعنه: أنها تجب عليه إذا بلغ عشرًا، لكونه يعاقب على تركها، والواجب ما عوقب على تركه.
والأول المذهب، فإن بلغ في أثنائها أو بعدها في الوقت، لزمته إعادتها؛ لأنه صلاها نفلًا، فلم تجزه عما أدرك وقته من الفرض، كما لو نواها نفلًا.
وإن بلغ الصبي، أو أفاق المجنون، أو أسلم الكافر، أو طهرت الحائض قبل
[ ١ / ١٧٥ ]
غروب الشمس، لزمته الظهر والعصر، وإن كان ذلك قبل طلوع الفجر، لزمته المغرب والعشاء؛ لأن ذلك يروى عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عباس - ﵄ -، ولأن وقتهما وقت لكل واحدة منهما حال العذر، فأشبه ما [لو] أدرك جزءًا من وقت الأولى.
وإن بلغ في وقت الفجر لم يلزمه غيرها؛ لأن وقتها مختص بها.
وتجب الصلاة على المغمى عليه لمرض، أو شرب دواء، وعلى السكران؛ لأن عمارًا أغمي عليه فقضى ما فاته، ولأن مدته لا تتطاول، ولا تثبت
[ ١ / ١٧٦ ]
الولاية عليه، فوجبت عليه كالنائم.
فصل
ومن وجبت عليه الصلاة لم يجز له تأخيرها عن وقتها إذا كان ذاكرًا لها، قادرًا على فعلها إلا المتشاغل بتحقيق شرطها، ومن أراد الجمع لعذر، فإن جحد وجوبها كفر؛ لأنه كذب الله تعالى في خبره.
وإن تركها متهاونًا بها معتقدًا وجوبها وجب قتله؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] إلى قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فدل على أنهم إذا لم يقيموا الصلاة يقتلون، ولأن الصحابة - ﵃ - أجمعوا على قتال مانعي الزكاة والصلاة آكد منها.
ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثة أيام، ويضيق عليه، ويدعى إلى فعل كل صلاة في وقتها، ويقال له: إن صليت وإلا قتلناك؛ لأنه قتل لترك واجب فيتقدمه الاستتابة، كقتل المرتد، فإن تاب، وإلا قتل بالسيف، وهل يقتل حدًا أو لكفره؟ .
[ ١ / ١٧٧ ]
فيه روايتان: إحداهما: لكفره، وهو كالمتمرد في أحكامه، لقول النبي - ﷺ -: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» رواه مسلم، ولأنها من دعائم الإسلام لا تدخلها نيابة بنفس، ولا مال، فيكفر تاركها كالشهادتين.
والثانية: يقتل حدًا كالزاني المحصن، لقول النبي - ﷺ -: «خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة من لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد إن
[ ١ / ١٧٨ ]
شاء عذبه وإن شاء غفر له» من المسند، ولو كفر لم يدخله في المشيئة.
ولقول النبي - ﷺ -: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة»، «ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله» متفق عليهما، ولأنها فعل واجب في الإسلام، فلم يكفر تاركها المعتقد لوجوبها كالحج.
[ ١ / ١٧٩ ]