صيام رمضان أحد أركان الإسلام وفروضه، لقول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] الآيات، وعن أبي هريرة قال: «بينا رسول الله - ﷺ - يومًا بارزًا للناس إذ أتاه رجل فقال: يا رسول الله - ﷺ - ما الإسلام؟ قال أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان» متفق عليه.
ولا يجب إلا بشروط أربعة: الإسلام، فلا يجب على كافر أصلي ولا مرتد، والعقل، فلا يجب على مجنون، والبلوغ، فلا يجب على صبي لما ذكرنا في الصلاة، وقال بعض أصحابنا: يجب على من أطاقه، لما روى عبد الرحمن بن أبي لبيبة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام وجب عليه صيام شهر رمضان»، ولأنه يعاقب على تركه، وهذا هو حقيقة الواجب والأول المذهب، لقول النبي - ﷺ -: «رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ» رواه أبو داود ولأنه عبادة بدنية، فلم يلزم الصبي كالحج، وحديثهم مرسل، ثم يحمل على تأكيد الندب. كقوله: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» لكن يؤمر بالصوم إذا أطاقه ويضرب عليه ليعتاده كالصلاة، فإن أسلم كافر أو أفاق مجنون أو بلغ صبي في أثناء الشهر؛ لزمهم صيام ما يستقبلونه؛ لأنهم صاروا من أهل الخطاب فيدخلون في الخطاب به ولا يلزمهم قضاء ما مضى؛ لأنه مضى قبل تكليفهم فلم يلزمهم قضاؤه كالرمضان الماضي، وإن وجد ذلك منهم في أثناء نهار؛ لزمهم إمساك بقيته وقضاؤه.
[ ١ / ٤٣٣ ]
وعنه: لا يلزمهم ذلك؛ لأنه نهار أبيح له فطر أوله ظاهرا وباطنًا فلم يلزمهم إمساكه، كما لو استمر العذر، ولأنهم لم يدركوا من وقت العبادة ما يمكنهم التلبس بها فيه، فأشبه ما لو زالت أعذارهم ليلًا، وظاهر المذهب الأول؛ لأنهم أدركوا جزءًا من وقت العبادة فلزمهم قضاؤها كما لو أدركوا جزءًا من وقت الصلاة، ويلزمهم الإمساك لحرمة رمضان كما لو قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار، وإن بلغ الصبي وهو صائم، لزمه إتمام صومه رواية واحدة؛ لأنه صار من أهل الوجوب فلزمه الإتمام. كما لو شرع في صيام تطوع ثم نذر إتمامه. وقال القاضي: ولا يلزمه قضاؤه لذلك.
وقال أبو الخطاب: يلزمه القضاء كما لو بلغ في أثناء الصيام.
فصل:
الشرط الرابع: الإطاقة، فلا يجب على الشيخ الذي يجهده الصيام، ولا المريض المأيوس من برئه لقول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وعليه أن يطعم لكل يوم مسكينًا لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] . قال ابن عباس: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما لا يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينًا، والحامل والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا. رواه أبو داود. فإن لم يكن له فدية فلا شيء عليه، للآية الأولى.
فصل:
ومن لزمه الصوم لم يبح له تأخيره إلا أربعة:
أحدها: الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما فلهما الفطر، وعليهما القضاء وإطعام مسكين لكل يوم لما ذكرنا من الآية، وإن أفطرتا خوفًا على أنفسهما فعليهما القضاء حسب كالمريض.
الثاني: الحائض والنفساء لهما الفطر، ولا يصح منهما الصيام لما ذكرنا في باب الحيض، والنفاس كالحيض فنقيسه عليه، ومتى وجد ذلك في جزء من اليوم أفسده، وإن انقطع دمها ليلًا فنوت الصوم، ثم اغتسلت في النهار؛ صح صومها؛ «لأن النبي - ﷺ - كان يصبح جنبًا من جماع ثم يغتسل ويتم صومه» . متفق عليه، وهذه في معناه.
الثالث: المريض له الفطر وعليه القضاء لقول الله تعالى:
[ ١ / ٤٣٤ ]
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] . والمبيح للفطر: ما خيف من الصوم زيادته أو إبطاء برئه، فأما ما لا أثر للصوم فيه كوجع الضرس والإصبع ونحوه فلا يبيح الفطر؛ لأنه لا ضرر عليه في الصوم، ومن أصبح صائمًا فمرض في النهار فله الفطر؛ لأن الضرر موجود، والصحيح إذا خاف على نفسه لشدة عطش أو جوع، أو شبق يخاف أن تنشق أنثياه ونحو ذلك، فله الفطر ويقضي؛ لأنه خائف على نفسه، أشبه المريض، ومن فاته الصوم لإغماء فعليه القضاء؛ لأنه لا يزيل التكليف، ويجوز على الأنبياء - ﵈ - ولا تثبت الولاية على صاحبه، فهو كالمريض؛ ومن أغمي عليه جميع النهار لم يصح صومه؛ لأن الصوم الإمساك ولا ينسب ذلك إليه، وإن أفاق في جزء من النهار صح صومه، لوجود الإمساك فيه، وإن نام جميع النهار صح صومه؛ لأن النائم في حكم المنتبه، لكونه ينتبه إذا نبه، ويجد الألم في حال نومه.
الرابع: السفر الطويل المباح يبيح الفطر، للآية، ولا يباح الفطر لغيره لما ذكرنا في القصر، ولا يفطر حتى يترك البيوت وراء ظهره لما ذكرنا في القصر، وللمسافر أن يصوم ويفطر، لما روى حمزة بن عمر الأسلمي أنه قال للنبي - ﷺ -: «أصوم في السفر؟ قال: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر» متفق عليه. والفطر أفضل: لقول النبي - ﷺ -: «ليس من البر الصوم في السفر» متفق عليه. ولأنه من رخص السفر المتفق عليها، فكان أفضل كالقصر.
ولو تحمل المريض والحامل والمرضع الصوم، كره لهم وأجزأهم؛ لأنهم أتوا بالأصل فأجزأهم كما لو تحمل المريض الصلاة قائمًا. ومن سافر في أثناء النهار أبيح له الفطر، لما روي عن أبي بصرة الغفاري، أنه ركب في سفينة من الفسطاط في شهر رمضان فدفع، ثم قرب غداه فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفر. ثم قال: اقترب قيل: ألست ترى البيوت؟ قال: أترغب عن سنة رسول الله - ﷺ -؟ فأكل. رواه أبو داود. ولأنه مبيح للفطر فأباحه في أثناء النهار كالمرض.
وعنه: لا يباح؛ لأنها عبادة لا تختلف بالسفر والحضر، فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة، وإن نوى الصوم في سفره فله الفطر لذلك، ولما روى جابر «أن رسول الله - ﷺ - خرج عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم وصام الناس معه. فقيل: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون، فأفطر بعضهم وصام بعضهم، فبلغه أن ناسًا صاموا فقال:
[ ١ / ٤٣٥ ]
أولئك العصاة» رواه مسلم، وله أن يفطر بما شاء.
وعنه: لا يفطر بالجماع، فإن أفطر به ففي الكفارة روايتان:
أصحهما: لا تجب؛ لأن الصوم لا يجب المضي فيه، فأشبه التطوع، وإذا قدم المسافر وبرئ المريض وهما صائمان لم يبح لهما الفطر؛ لأنه زال عذرهما قبل الترخص أشبه القصر، فإن زال عذرهما أو عذر الحائض والنفساء وهم مفطرون ففي الإمساك روايتان، على ما ذكرنا في الصبي ونحوه. ومن أبيح له الفطر لم يكن له أن يصوم غير رمضان، فإن نوى ذلك لم يصح؛ لأنه لم ينو رمضان ولا يصح الزمان لسواه.
فصل:
ولا يجب صوم رمضان إلا بأحد ثلاثة أشياء: كمال شعبان ثلاثين يومًا؛ لأنه تيقن به دخول رمضان، ورؤية الهلال، لقول النبي - ﷺ -: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» متفق عليه. ويقبل فيه شهادة الواحد وعنه: لا يقبل فيه إلا شهادة اثنين، لما روى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن أصحاب رسول الله - ﷺ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين فإن شهد شاهدان ذوا عدل فصوموا وأفطروا» رواه النسائي. وقال أبو بكر: إن كان الرأي في جماعة لم يقبل إلا شهادة اثنين؛ لأنهم يعاينون ما عاينه، وإن كان في سفر فقدم، قبل قوله وحده، وظاهر المذهب: الأول. اختاره الخرقي وغيره لما روى ابن عمر قال: «تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله - ﷺ - أني رأيته فصام وأمر الناس بالصيام» . رواه أبو داود. ولأنه خبر فيما طريقه المشاهدة يدخل به في الفريضة فقبل من واحد، كوقت الصلاة، والعبد كالحر؛ لأنه ذكر من أهل الرواية والفتيا، فأشبه الحر. وفي المرأة وجهان:
أحدهما: يقبل قولها؛ لأنه خبر ديني فقبل خبرها به كالرواية.
والثاني: لا يقبل؛ لأن طريقه الشهادة ولهذا لا يقبل فيه شاهد الفرع مع إمكان شاهد الأصل، ويطلع عليه الرجال فلم يقبل بالمرأة المنفردة، كالشهادة بهلال شوال.
الثالث: أن يحول دون مطلع الهلال ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر، وفيه ثلاث روايات:
[ ١ / ٤٣٦ ]
إحداهن: يجب الصيام، لما روى ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له» . متفق عليه. يعني: ضيقوا له العدة من قوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي ضيق عليه، وتضييق العدة له أن يحسب شعبان تسعة وعشرين يومًا، وكان ابن عمر - ﵁ - إذا حال دون مطلعه غيم أو قتر أصبح صائمًا، وهو راوي الحديث وعمله به تفسير له.
والثانية: لا يصوم، لقوله في الحديث الآخر: «فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين يومًا» حديث صحيح. وقال عمار: «من صام اليوم الذي يشك فيه الناس فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -»، حديث صحيح. ولأنه شك في أول الشهر، فأشبه حال الصحو.
الثالثة: الناس تبع للإمام إن صام صاموا وإن أفطر أفطروا، ولقوله - ﵇ -: «صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون» رواه أبو داود.
فصل:
وإذا رأى الهلال أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم؛ لأنه ثبت ذلك اليوم من رمضان، وصومه واجب بالنص والإجماع، ومن رأى الهلال فردت شهادته لزمه الصوم، لقوله - ﵇ -: «صوموا لرؤيته» فإن أفطر يومئذ بجماع فعليه القضاء والكفارة؛ لأنه أفطر يومًا من رمضان بجماع تام فلزمته كفارة، كما لو قبلت شهادته.
ولا يجوز الفطر إلا بشهادة عدلين، لحديث عبد الرحمن بن زيد، ولأنها شهادة على هلال لا يدخل بها في العبادة، فلم يقبل فيه الواحد كسائر الشهور، ولا تقبل فيها شهادة رجل وامرأتين لذلك، ولا يفطر إذا رآه وحده لما روي أن رجلين قدما المدينة وقد رأيا الهلال، وقد أصبح الناس صيامًا فأتيا عمر فذكرا ذلك له، فقال لأحدهما: أصائم أنت؟ قال: بل مفطر. قال: ما حملك على هذا؟ قال: لم أكن لأصوم وقد رأيت الهلال. وقال الآخر: أنا صائم. قال: ما حملك على هذا؟ قال: لم أكن لأفطر والناس صيام. فقال للذي أفطر: لولا مكان هذا لأوجعت رأسك، رواه سعيد. ولأنه محكوم به من رمضان، أشبه الذي قبله، فإذا صام الناس بشهادة اثنين ثلاثين يومًا فلم يروا الهلال أفطروا، لقول النبي - ﷺ -: «فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين ثم أفطروا» حديث حسن. وإن صاموا لأجل الغيم فلم يروا الهلال لم يفطروا؛ لأنهم إنما صاموا احتياطًا للصوم، فيجب الصوم في آخره احتياطًا.
[ ١ / ٤٣٧ ]
وإن صاموا بشهادة واحد فلم يروا الهلال ففيه وجهان:
أحدهما: لا يفطرون، لقوله - ﷺ -: «وإن شهد اثنان فصوموا وأفطروا» ولأنه فطر يستند إلى شهادة واحد فلم يجز، كما لو شهد بهلال شوال.
والثاني: يفطرون؛ لأن الصوم ثبت فوجب الفطر باستكمال العدة تبعًا وقد ثبت تبعًا ما لا يثبت أصلًا بدليل أن النسب لا يثبت بشهادة النساء أصلًا، ويثبت بها الولادة ثم يثبت النسب للفراش على وجه التبع للولادة.
فصل:
ومن كان أسيرًا، أو في موضع لا يمكنه معرفة الشهور بالخبر فاشتبهت عليه الشهور فإنه يصوم شهرًا بالاجتهاد؛ لأنه اشتبه عليه وقت العبادة فوجب العمل بالتحري، كمن اشتبه عليه وقت الصلاة، فإن لم ينكشف الحال فصومه صحيح؛ لأنه أدى فرضه باجتهاده، أشبه المصلي يوم الغيم، وإن انكشف الحال فبان أنه وافق الشهر أجزأه؛ لأنه أصاب في اجتهاده، وإن وافق بعده أجزأه؛ لأنه وقع قضاء لما وجب عليه فصح، كما لو علم، وإن بان قبله لم يجزئه لأنه صام قبل الخطاب، أشبه المصلي قبل الوقت، وإن صام بغير اجتهاد، أو غلب على ظنه أن الشهر لم يدخل فصام لم يجزئه وإن وافق؛ لأنه صام مع الشك فأشبه المصلي شاكًا في أول الوقت.
فصل:
ووقت الصوم من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، لقول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] . وقال النبي - ﷺ -: «لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في الأفق» حديث حسن. وعن عمر أن النبي - ﷺ - قال: «إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس أفطر الصائم» متفق عليه، ويجوز الأكل والشرب إلى الفجر للآية والخبر.
وإن جامع قبل الفجر ثم أصبح جنبًا صح صومه؛ لأن الله تعالى لما أذن في المباشرة إلى الفجر ثم أمر بالصوم دل على أنه يصوم جنبًا. وقد روت عائشة وأم سلمة - ﵄ - «أن النبي - ﷺ - كان يصبح جنبًا من جماع غير احتلام، ثم يغتسل ويصوم» . متفق عليه. وإن أصبح وفي فيه طعام أو شراب فلفظه لم يفسد صومه وإن طلع الفجر وهو مجامع فاستدام فعليه القضاء
[ ١ / ٤٣٨ ]
والكفارة؛ لأن استدامة الجماع جماع، وإن نزع فكذلك في اختيار ابن حامد والقاضي؛ لأن النزع جماع كالإيلاج.
وقال أبو حفص: لا قضاء عليه ولا كفارة؛ لأنه تارك للجماع، وما علق على فعل شيء لا يتعلق على تركه. وإن أكل شاكًا في طلوع الفجر صح صومه؛ لأن الأصل بقاء الليل، وإن أكل شاكًا في غروب الشمس بطل صومه؛ لأن الأصل بقاء النهار.