(بَابُ)
الباب معروف، وقد يطلق على الصنف، وهو ما يُدخل منه إلى المقصود، ويتوصَّل به إلى الاطِّلاع عليه.
(الْمِيَاهِ)، جمع ماء، وهمزته منقلبة عن هاء، فأصله مَوْهٌ، وجمعه في القلَّة: أمواه، وفي الكثرة عند البصريِّين: مِياه، وعند الكوفيِّين: مياه جمع قلَّة أيضًا، وهو اسم جنس، وإنَّما جُمع لاختلاف أنواعه.
(وَهِيَ)؛ أي: المياه، (عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ)؛ لأنَّ الماء لا يخلو: إمَّا أن يجوزَ الوضوء به، أو لا.
فإن جاز؛ فهو الطَّهور، وإن لم يجز؛ فلا يخلو إمَّا أن يجوز شربه، أو لا، فإن جاز فهو الطَّاهر، وإلَّا فهو النَّجس.
أو نقول (^١): إمَّا أن يكون مأذونًا في استعماله، أو لا. الثَّاني: النَّجس. والأوَّل: إما أن يكون مطهِّرًا لغيره، أو لا، والأوَّل: الطَّهور، والثَّاني: الطَّاهر.
وطريقة الخرقي وصاحب «التلخيص»: أنَّ الماء ينقسم إلى قسمين: طاهر، وهو قسمان: طاهر مطهِّرٌ، وطاهر غير مطهِّر. ونجس.
وطريقة الشيخ تقي الدين: أنَّه ينقسم إلى طاهر ونجس، وقال: (إثبات قسم طاهر غير مطهر لا أصل له في الكتاب والسُّنَّة) (^٢).
وذكر ابن رزين (^٣) أنَّه أربعة أقسام، وزاد: المشكوكَ فيه.
_________________
(١) في (ب): تقول، وفي (ز): يقول.
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى ١٩/ ٢٣٦.
(٣) عبد الرحمن بن رزين بن عبد العزيز بن نصر بن عبيد بن علي بن أبي الجيش الغساني، الحوراني، ثم الدمشقي، سيف الدين، أبو الفرج، من تصانيفه: التهذيب في اختصار المغني، قال ابن رجب: (ذهب إلى بغداد لأجل رفع حسابها إليه، وكان بها سنة ست وخمسين، فقتل شهيدًا بسيف التتار). ينظر: ذيل الطبقات: ٤/ ٣٩.
[ ١ / ٢٧ ]
(مَاءٌ طَهُورٌ)؛ قدَّمَه على قسيميه لمزيَّته بالصِّفتين.
والطُّهور بضم الطَّاء: المصدر، قاله اليزيدي (^١)، وبفتحها: هو الطَّاهر في ذاته، المطهِّر غيرَه، مثل الغَسول الذي يُغسل به، فعلى هذا هو من الأسماء المتعدية وم ش (^٢).
وقال هـ (^٣) وابن داود (^٤): هو من الأسماء اللازمة بمعنى الطَّاهر سواء؛ لأنَّ العرب لا تفرِّق بين فاعل وفَعول في التَّعدِّي واللُّزوم؛ كقاعد وقَعود، وإذا كان الطَّاهر غير متعدٍّ؛ فالطهور كذلك، وأيضًا: لو كان الطهور متعدِّيًا لم يصدق عليه هذا الإطلاق حقيقةً إلَّا بعد وجود التَّطهير؛ كقتول وضروب.
وجوابه: قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفَال: ١١]، وفي الصَّحيحين من حديث جابر مرفوعًا: «وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطَهورًا» (^٥)، ولو أراد به الطَّاهر لم يكن له مزية على غيره؛ لأنَّه طاهر في حقِّ كلِّ أحد.
_________________
(١) هو أبو محمد، يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي، المعروف باليزيدي، المقرئ النحوي اللغوي، أخذ عن أبي عمرو بن العلاء والخليل بن أحمد، من مصنفاته: النوادر، والمقصور والممدود، توفي سنة ٢٠٢ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٦/ ١٨٣، سير أعلام النبلاء ٩/ ٥٦٢.
(٢) ينظر: الذخيرة ١/ ١٦٨، الحاوي ١/ ٣٨.
(٣) في (ب): ح، وفي (أ): (وقال وابن داود). وينظر مذهب الحنفية: البناية شرح الهداية ١/ ٣٩٦.
(٤) هو محمد بن داود بن علي بن خلف الظاهري، أبو بكر، الذي يُنسب إليه المذهب الظاهري، أديب، شاعر، من أذكياء العالم، من مصنفاته: الزهرة في الأدب، والوصول إلى معرفة الأصول، توفي سنة ٢٩٧ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٤/ ٢٥٩، سير أعلام النبلاء ١٣/ ١٠٩.
(٥) أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١).
[ ١ / ٢٨ ]
وروى مالك والخمسة، وصحَّحه ابن حبَّان من حديث أبي هريرة: أنَّ رجلًا سأل النَّبيَّ ﷺ عن الوضوء بماء البحر، فقال: «هو الطَّهور ماؤه» (^١)، ولو لم يكن الطَّهور متعدِّيًا بمعنى المطهِّر؛ لم يكن ذلك جوابًا للقوم حيث سألوه عن التَّعدِّي؛ إذ ليس كلُّ طاهر مطهِّرًا.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسَان: ٢١] فمعناه: طاهرًا مطهِّرًا، وإن لم يحتج هناك إلى التَّطهير؛ إذ لا نجاسة فيها؛ لأنَّ القصد وصفه بأعلى الأشربة عندنا، وهو الماء الجامع للوصفين، وقال ابن عباس: «شرابًا طهورًا؛ أي: مطهِّرًا من الغلِّ والغشِّ» (^٢).
وقولهم: إنَّ العرب سوَّت بينهما في اللُّزوم والتَّعدِّي؛ قلنا: قد فرَّقوا بينهما في الجملة فقالوا: قَتول، لمن كثر منه القتل، فيجب أن يفرَّق هنا، وليس الأمر إلَّا من حيث اللُّزوم والتَّعدِّي.
قال القاضي وغيره (^٣): (وفائدة الخلاف: أنَّ عندنا أنَّ النَّجاسة لا تُزال بشيء من المائعات غير الماء، وعندهم يجوز).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٧٢٣٣) وأبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)، والنسائي (٥٩)، وابن ماجه (٣٨٦)، وابن خزيمة (١١١)، وابن حبان (١٢٤٣)، وصححه البخاري، وقال الترمذي: "حسن صحيح"، وصححه جماعة منهم: ابن خزيمة، وابن حبان، وابن عبد البر؛ وبيَّن أن الفقهاء تلقوه بالقبول والعمل، ووقع في إسناده اختلاف غير مؤثر، وعنه أجوبة. ينظر: العلل الكبير للترمذي (٣٣)، التمهيد لابن عبد البر (١٦/ ٢١٨ - ٢١٩)، تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (١/ ١٠)، التلخيص الحبير لابن حجر (١/ ١١٧).
(٢) لم نقف عليه عن ابن عباس ﵄، وقد فسره ابن كثير في تفسيره بذلك أيضًا (٤/ ٢٤)، دون نسبته لأحد.
(٣) قوله: (وغيره) هو في (أ) و(ب): أبو الحسين. وهو محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن الفراء، القاضي الشهيد، ابن شيخ المذهب القاضي أبي يعلى، كان عارفًا بالمذهب، من مصنفاته: طبقات الحنابلة، التمام، المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد، توفي سنة ٥٢٦ هـ. ينظر: ذيل الطبقات ١/ ٣٩١.
[ ١ / ٢٩ ]
وقال الشيخ تقي الدين: (ولا تدفع النَّجاسة عن نفسها، والماء يدفعه لكونه مطهِّرًا) (^١).
وذهب قوم (^٢) وم (^٣): أن الطَّهور: ما يتكرَّر منه التَّطهير؛ كالصَّبور والشَّكور لمن تكرَّر منه الصَّبر والشُّكر.
وأجاب القاضي (^٤) عن قولهم: إنَّ المراد جنس الماء، أو كلُّ جزء إذا ضُمَّ إلى غيره وبلغ قلَّتين، أو أنَّ معناه يفعل (^٥) التَّطهير، ولو أريد ما ذكروه؛ لم يصحَّ وصفه بذلك إلَّا بعد الفعل.
(وَهُوَ الْبَاقِي عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ)؛ على أيِّ صفةٍ كان (^٦)؛ من برودةٍ أو حرارةٍ أو مُلُوحة أو غيرها:
- كماء السماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفُرقان: ٤٨].
- وذَوبِ الثَّلْج والبرَد؛ لقوله ﷺ: «اللَّهمَّ طهِّرني بالثَّلج (^٧) والبرَد والماء البارد»، رواه مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى (^٨).
- وماءِ البحر؛ لقوله ﵇: «هو الطَّهور ماؤه».
_________________
(١) ينظر: الاختيارات للبعلي (ص ٧).
(٢) قوله: (وذهب قوم) هو في (أ) و(ب): وقيل.
(٣) قوله: (وذهب قوم وم) بدلها في (أ): وقيل. وفي (ب): وم. وينظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف ١/ ١٠٨.
(٤) هو محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء، القاضي أبو يعلى، كان عالم زمانه وفقيه الحنابلة، تفقه على الحسن بن حامد وغيره، من مصنفاته: شرح المذهب، والتعليقة وتسمى أحيانًا بالخلاف أو الخلاف الكبير، والأحكام السلطانية، وغيرها، توفي سنة ٤٥٨ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٣.
(٥) في (أ): ينقل، وفي (ب): بفعل. ينظر: الحاوي ١/ ٣٩، نهاية المحتاج ١/ ٧٢.
(٦) في (ب): كانت.
(٧) قوله: (والبرد لقوله ﷺ: اللَّهمَّ طهِّرني بالثَّلج) سقط من (ب).
(٨) أخرجه مسلم (٤٧٦).
[ ١ / ٣٠ ]
وكَرِه جماعةٌ من الصَّحابة - منهم عبد الله بن عمرٍو وعبد الله بن عمرَ - الوضوءَ بماء البحر، وقال: «هو نار» (^١).
- وماءِ البئر؛ لأنَّه ﵇ توضَّأ من بئر بُضاعةَ، رواه النَّسائي وغيره، قال أحمد: (حديث بئر بُضاعة صحيح) (^٢).
- وماءِ العيون والأنهار؛ لأنَّهما كماء البئر.
وقال النَّبيُّ ﷺ: «صُبُّوا على بولِ الأعرابيِّ ذَنوبًا من ماء» (^٣)، «وأمرَ أسماء بنت عُمَيس أن تغسل دم الحيض بالماء» (^٤).
واقتضى كلامُه: جواز الطَّهارة أيضًا بكلِّ ماء شريف، جزم به في
_________________
(١) أثر عبد الله بن عمرو ﵄: أخرجه ابن أبي شيبة (١٣٩٤)، وأبو عبيد في الطهور (٢٤٧)، وابن المنذر في الأوسط (١٦٤)، والبيهقي في الكبرى (٨٦٦٥)، من طرق عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو ﵄، قال: «ماء البحر لا يجزئ من وضوء ولا جنابة، إن تحت البحر نارًا ثم ماء ثم نارًا»، وإسناده صحيح، ولا تضر عنعنة قتادة فإن تدليسه مغتفر، وأحد الرواة عنه شعبة وقد كفى الناس تدليس قتادة. وأثر ابن عمر ﵄: رواه ابن أبي شيبة (١٣٩٣)، وأبو عبيد في الطهور (٢٤٨)، وابن المنذر (١٦٣)، من طرق عن قتادة، عن عقبة بن صهبان، عن ابن عمر ﵄: «التيمم أحب إليَّ من الوضوء من ماء البحر»، وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه أبو داود (٦٦) والترمذي (٦٦)، والنسائي (٣٢٦، ٣٢٧)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، ولفظ أبي داود عن أبي سعيد الخدري، أنه قيل لرسول الله ﷺ: أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن؟ فقال رسول الله ﷺ: «الماء طهور لا ينجسه شيء»، وتصحيح أحمد لحديث بئر بضاعة، نقله ابن الجوزي، وصححه أيضًا ابن معين، وحسنه الترمذي، وفي بعض نسخ الترمذي: (حسن صحيح)، وتُكلِّم في إسناده بما لا يقدح. ينظر: التحقيق لابن الجوزي ١/ ٤٢، بيان الوهم ٣/ ٣٠٨، تهذيب الكمال ١٩/ ٨٤، تنقيح التحقيق ١/ ٢٨.
(٣) أخرجه البخاري (٢١٩) ومسلم (٢٨٤)، من حديث أنس ﵁.
(٤) لم نقف عليه من حديث أسماء بنت عميس، وقد تبع فيه المؤلف غيره من الأصحاب كالزركشي في شرح الخرقي (١/ ١١٦)، وذكره في المغني (١/ ١٠) من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄: أخرجه البخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٩١).
[ ١ / ٣١ ]
«الوجيز»، حتَّى ماء زمزم في رواية، ورجَّحها المجد (^١)، وهو قول أكثر العلماء؛ لقول علي: «ثمَّ أفاضَ رسول الله ﷺ، فدعا بسَجْلٍ من ماءِ زمزم، فشربَ منه وتوضَّأ» رواه عبد الله بن أحمد بإسناد صحيح (^٢).
ويُكره في أخرى، نصَّ عليه (^٣)، وذكر القاضي أبو الحسين أنَّها أصحُّ، وقدَّمها أبو الخطَّاب (^٤). واحتجَّ أحمد بما رُوي عن زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ قال: رأيت العبَّاس قائمًا عند زمزم يقول: «ألا لَا أُحِلُّه لمغتسل، ولكنَّه لكلِّ شارب حِلٌّ وبِلٌّ» (^٥).
وروى (^٦) أبو عبيد في «الغريب»: أنَّ عبد المطلب بن هاشم قالَ ذلك حين احتفرَه (^٧).
_________________
(١) هو عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن عبد الله الخضر، ابن تيمية الحراني، مجد الدين، أبو البركات، تفقه على الفخر ابن المني والحلاوي وغيرهما، من مصنفاته: المحرر، وشرح الهداية، توفي سنة ٦٥٢ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٢٩١، ذيل الطبقات ٤/ ١.
(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٥٦٤) مطولًا، وأخرجه الفاكهي في أخبار مكة (١١٣٠)، وحسَّن إسناده ابن حجر، وقال الشوكاني: (إسناده مستقيم). ينظر: الفتح ١/ ٢٤٠، نيل الأوطار ١/ ٣٢، وحسنه الألباني في الإرواء ١/ ٤٤.
(٣) ينظر: مسائل صالح ٣/ ٨١.
(٤) هو محفوظ بن أحمد بن الحسن بن أحمد الكلوذاني، أبو الخطاب البغدادي، أحد أئمة المذهب، تفقه على أبي يعلى، من مصنفاته: الهداية، والانتصار في المسائل الكبار، ويسمى أحيانًا بالخلاف الكبير، ورؤوس المسائل ويسمى بالخلاف الصغير، والعبادات الخمس، والتمهيد في أصول الفقه، توفي سنة ٥١٠ هـ. ينظر: ذيل الطبقات ١/ ٢٧١، المنهج الأحمد ٣/ ٦٢.
(٥) أخرجه أحمد كما في العلل (١٩٥٠)، وأبو عبيد في غريب الحديث (٥/ ٣١)، والأزرقي (٢/ ٦١)، والفاكهي في أخبار مكة (١١٥٤)، عن زر بن حبيش قال: سمعت العباس وذكره. وصحح الحافظ ابن كثير إسناده في البداية والنهاية ٣/ ٣٤٢.
(٦) في (ب) و(ز): رواه.
(٧) لم نقف عليه في غريب الحديث، وقد روى الخبر الفاكهي في أخبار مكة (١٠٦٢)، والأزرقي في أخبار مكة (٢/ ٤٢).
[ ١ / ٣٢ ]
والأوَّل أَوْلَى؛ لأنَّ شرفَه لا يلزم منه ذلك؛ كالماء الذي نبع من بين أصابع النَّبيِّ ﷺ (^١)، وكالنِّيل والفرات؛ فإنَّهما من الجنَّة (^٢)، وقول العبَّاس محمول على من يضيِّق على الناس (^٣) بشرابه (^٤).
وكونه من منبع شريف لا يمنع منه؛ كعين سُلوانَ (^٥)، اللَّهمَّ إلَّا أن يقال: له خصوصيَّة انفرد بها، وهو كونه يُقتات به كما أشار إليه أبو ذر في بدء إسلامه (^٦).
وفي «التلخيص»: أنَّه لا يُكره الوضوء به، فدلَّ على أنَّ إزالة النَّجاسة به (^٧) تكره، وجزم به في «الوجيز».
وذكر الأَزَجي في «نهايته» (^٨):
_________________
(١) فيه أحاديث منها: حديث أنس ﵁ أخرجه البخاري (٢٠٠) ومسلم (٢٢٧٩)، وحديث جابر ﵁ يوم الحديبية عند البخاري (٣٥٧٦) ومسلم (٣٠١٣).
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٣٩)، من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «سيحان وجيحان، والفرات والنيل، كلٌّ من أنهار الجنة».
(٣) في (أ) و(ب): (الشُّرَّاب).
(٤) قوله: (بشرابه) سقط من (ب) و(ز).
(٥) هي عين في وادي جهنم، في أصل جبل بيت المقدس، ماؤها ماء قليل. ينظر: مراصد الاطلاع ٢/ ٩٧٧. وروى ابن الجوزي في فضائل القدس (ص ٩٧)، بإسناده عن بشر بن بكر، عن أم عبد الله، عن أبيها، أنه قال: «من أتى بيت المقدس؛ فليأت محراب داود، فليصل فيه، وليسبح في عين سلوان؛ فإنها من الجنة»، وفي إسناده من لا يُعرف. وروى ابن النجار في الدرة الثمينة (ص ٨٨)، بإسناده: أن الخضر سكن ببيت المقدس، وأنه كان يغتسل من عين سلوان.
(٦) أخرجه البخاري (٣٨٦١) ومسلم (٢٤٧٣)، من قول أبي ذر ﵁: «ولقد لبثت يا ابن أخي ثلاثين، بين ليلة ويوم، ما كان لي طعام إلا ماء زمزم»، واللفظ لمسلم.
(٧) قوله: (به) سقط من (ز).
(٨) هو يحيى بن يحيى الأزجي الفقيه، ولا يعرف عنه أكثر من ذلك، قال ابن رجب: (وقد ذكر في كتابه: أنه قرأ بنفسه على ابن كليب الحراني، ولم أعلم له ترجمة، ولا وجدته مذكورًا في تاريخ، ويغلب على ظني: أنه توفي بعد الستمائة بقليل)، وله من المصنفات: نهاية المطلب في علم المذهب، ولا يعرف له غيره. ينظر: ذيل الطبقات ٣/ ٢٤٨.
[ ١ / ٣٣ ]
أنَّه لا تجوز إزالة النَّجاسة (^١). وفيها يتخرَّج أن نقول: لا تحصل الطَّهارة به لحُرمته.
وفي جَبْلِ التُّراب (^٢) الطاهر به، ورشِّ الطُّرق؛ وجهان.
واختلف الأصحاب لو سبَّل ماءً للشُّرب، هل يجوز الوضوء به مع الكراهة، أم يحرم؟ على وجهين.
وقيل: يكره الغسل لا الوضوء، اختاره الشيخ تقي الدين (^٣).
وظاهر كلامهم: لا يكره ما جرى على الكعبة، وصرَّح به غير واحد.
(وَمَا تَغَيَّرَ بِمُكْثِهِ)؛ يعني أنَّ الماء الآجِن الَّذي تغيَّر بطول إقامته في مقرِّه باقٍ على إطلاقه؛ لأنَّه ﵇ توضَّأ بماء آجن (^٤)، ولأنَّه تغيَّر عن غير مخالطَة، أشبه المتغيِّر بالمجاورَة، وحكاه ابن المنذر إجماع مَنْ يحفظ قولَه من أهل العلم سوى ابن سيرين (^٥)؛ فإنَّه كره ذلك، وجزم به في «الرعاية»، وفي
_________________
(١) زاد في (أ) و(ب): (به).
(٢) أي: صب الماء عليه ليصبح صلبًا، قال في الصحاح ٤/ ١٦٥٠: (شيء جَبِلٌ بكسر الباء: أي غليظٌ جافّ).
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى ١٢/ ٦٠٠.
(٤) أخرجه البيهقي في الكبرى (١٢٧٢)، عن عروة في قصة أحد وما أصاب النبي ﷺ في وجهه، قال: وسعى علي بن أبي طالب إلى المِهراس، فأتى بماء في مِجَنَّة، فأراد رسول الله ﷺ أن يشرب منه فوجد له ريحًا، فقال رسول الله ﷺ: «هذا ماء آجن»، فمضمض منه وغسلت فاطمة عن أبيها الدم. وإسناده ضعيف لأمرين: الأول: في إسناده عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف، والثاني: أن الإسناد منقطع بين عروة وعلي ﵁، قال أبو زرعة وأبو حاتم: (حديثه عن علي مرسل). ينظر: جامع التحصيل للعلائي ص ٢٣٦.
(٥) الإجماع لابن المنذر ص ٣٤. وابن سيرين: هو أبو بكر، محمد بن سيرين، مولى أنس بن مالك الأنصاري، البصري، إمام ثقة، سمع أبا هريرة وابن عمر ﵃، سكن البصرة وولي القضاء فيها. ينظر: التاريخ الكبير ١/ ٩٠، وتهذيب التهذيب ٩/ ١٩٠.
[ ١ / ٣٤ ]
«المحرر»: لا بأس به.
(أَوْ) تغيَّر (بِطَاهِرٍ لَا يُمْكِنُ صَوْنُهُ عَنْهُ)؛ أي: لا يمكن التَّحرُّز منه؛ (كَالطُّحْلُبِ)؛ يجوز فيه ضمُّ اللام وفتحها (^١)، وهو (^٢) الأخضر الَّذي يخرج في أسفل الماء حتَّى يعلوه.
(وَوَرَقِ الشَّجَرِ) الَّذي يسقط فيه؛ لأنَّه يَشقُّ الاحترازُ عنه، أشبه المتغيِّر بتِبْن أو عيدان (^٣)، وكالمتغيِّر بكبريت أو قَارٍ، أو في آنية أَدَم أو نُحاس.
وفي «الرعاية»: هو من الطَّهور المكروه. وفي «المحرر»: لا بأس به.
وفي المتغيِّر بترابٍ طَهورٍ طُرِح فيه قصدًا وجهان، قال ابن حمدان (^٤): إن صفا الماء فطهور، وإلَّا فطاهر.
وجزم في «المغني» و«الشرح»: أنَّه طَهور؛ لكونه يوافق الماء في صفتيه الطَّاهريَّة والطُّهوريَّة.
وفي «المحرر» عكسه.
وهذا كلُّه مع رقَّته، فإن ثخُن بحيث لا يجري على الأعضاء؛ لم تَجُز الطَّهارة به؛ لأنَّه طينٌ وليس بماء.
_________________
(١) في (أ) و(ب): وكسرها.
(٢) زاد في (أ): النبت.
(٣) في (أ) و(و): زعفران.
(٤) هو القاضي نجم الدِّين، أبو عبد الله، أحمد بن حمدان بن شبيب بن حمدان النُّميري الحرَّاني، الفَقِيه الأصولي، من مصنفاته: الرعاية الكبرى، والرعاية الصغرى، وغيرهما، ولي نيابة القضاء في القاهرة، فسكنها وأسنَّ وكفَّ بصره، وتوفي بها سنة ٦٩٥. ينظر: ذيل طبقات الحنابلة ٤/ ٢٦٦، المقصد الأرشد ١/ ٩٩.
[ ١ / ٣٥ ]
(أَوْ) تغيَّر (بِمَا لَا يُخَالِطُهُ؛ كَالْعُودِ)، والمراد به العُود القَماري بفتح القاف، منسوب إلى قَمار، موضع من بلاد الهند، (وَالْكَافُورِ)، هو المشموم من الطِّيب، (وَالدُّهْنِ) الطَّاهرِ على اختلاف أنواعه؛ لأنَّه تغيَّر مجاورة (^١)، أشبه المتغيِّر بجيفة بقربِه.
وفيه وجه: يصير طاهرًا، اختاره أبو الخطَّاب.
وأطلق في «المحرر» الخلافَ.
ومفهوم كلامه في «المُغْنِي» و«الشرح»: إن تحلَّل من ذلك شيء فطاهر، وإلَّا فطهور، فلو خالط الماء بأن دقَّ أو انماعَ (^٢) فأقوال.
(أَوْ) تغيَّر (بِمَا أَصْلُهُ الْمَاءُ؛ كَالْمِلْحِ الْبَحْرِيِّ)، وهو الماء الذي يرسل على السِّباخ فيصير ملحًا؛ لأنَّ المتغيِّر به منعقد (^٣) من الماء، أشبه ذَوبَ الثَّلج.
واقتضى ذلك: أنَّ الملح المعدنيَّ ليس كذلك، وهو صحيحٌ صرَّح به في «المُغْنِي» وغيره؛ لأنَّه خليط مستغنًى عنه، غير منعقد من الماء، أشبه الزعفران.
وقيل: لا يسلبُه الطَّهورية؛ لأنَّه كان في الأصل ماء، ولهذا يذوب بالنَّار.
(وَمَا تَرَوَّحَ بِرِيحِ مَيْتَةٍ إِلَى جَانِبِهِ) بغير خلافٍ نعلمه؛ لأنَّه تَغَيَّرَ مجاورةً.
(أَوْ سُخِّنَ بِالشَّمْسِ)، نصَّ عليه من غير كراهة (^٤)، وقال في رواية أبي طالب (^٥):
_________________
(١) في (أ): بمجاورة، وفي (ب): عن مجاورة.
(٢) في (ب): فلو خالطه الماء […] أو ماع. وفي (ز): فلو خالطه الماء بأن دق أو أماع.
(٣) في (أ) و(و): ينعقد.
(٤) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٤٥٦.
(٥) هو أحمد بن حميد، أبو طالب المشكاني، روى عن الإمام أحمد مسائل كثيرة، وكان الإمام أحمد يكرمه، ويعظمه، ويقدمه، وكان رجلًا صالحًا، فقيرًا صبورًا على الفقر، توفي سنة ٢٤٤ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ١/ ٣٩، المقصد الأرشد ١/ ٩٥.
[ ١ / ٣٦ ]
(أهل الشَّام يروون فيه شيئًا لا يصحُّ)، واختاره النَّووي (^١).
وقال أبو الحسن التَّميمي (^٢): يكره المُشَمَّس قصدًا، وش (^٣)، وقال: (لا أكرهه إلَّا من جهة الطِّبِّ) (^٤)، ورَوَى في «الأمِّ» عن عمرَ أنَّه قال: «لا تَغتَسِلوا بالماء المُشَمَّس؛ فإنَّه يُورِث البرصَ» (^٥)، وروى الدَّارقطنيُّ عن عائشة قالت: دخل عليَّ رسول ﷺ وقد سخَّنتُ (^٦) ماءً في الشَّمس، فقال: «لا تَفعَلي يا حُمَيراءُ؛ فإنَّه يُورِث البرصَ» (^٧).
وشرطه عندهم: أن يكون ببلاد حارَّة، وآنية مُنطبِعة؛ كنحاس، لا خَزَفٍ.
ولا يُشْتَرط تغطيةُ رأسِ الإناء، ولا قصدُ التَّشْميسِ على الأصحِّ.
وإن بَرَدَ؛ زالت الكراهة على الأصحِّ في زيادة «الرَّوضة» (^٨).
_________________
(١) في (ب): الثوري. وينظر: المجموع للنووي ١/ ٨٧.
(٢) هو عبد العزيز بن الحارث بن أسد، أبو الحسن التميمي، صنف في الأصول والفروع والفرائض، وصحب أبا القاسم الخرقي، وغلام الخلال، وله مصنف اسمه: اللطيف الذي لا يسع جهله، توفي سنة ٣٧١ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١٣٩.
(٣) ينظر: الحاوي الكبير ١/ ٤١، البيان للعمراني ١/ ١٣.
(٤) ينظر: الأم للشافعي ١/ ١٦.
(٥) أخرجه الشافعي في الأم (١/ ١٦)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (١٢)، عن عمر موقوفًا، وفي إسناده صدقة بن عبد الله، ضعيف عند الجمهور، وإبراهيم بن محمد، وهو متروك عند جمهور المحدثين كما قال الذهبي. وأخرجه الدارقطني (٨٨)، والبيهقي في الكبرى (١٣)، من طريق آخر، وفيه حسان بن أزهر، قال المزي فيما نقله عنه الزركشي: (إنه يجهَّل، وإنَّه لم يدرك عمر)، وقال ابن حجر في الدراية: (وأخرجه الشافعي موقوفًا على عمر بإسناد ضعيف، وأخرجه الدارقطني وابن حبان في الثقات من وجه آخر أصلح منه). ينظر: الدراية ١/ ٥٥، سبل الهدى والرشاد ٨/ ٨.
(٦) في (أ): شمست.
(٧) أخرجه الدارقطني (٨٦)، والبيهقي (١٤)، وفيه خالد بن إسماعيل وهو متروك، قال البيهقي: (لا يصح).
(٨) قوله: (وشرطه عندهم) إلى قولهم: (في زيادة «الرَّوضة») ذكر في (أ) و(و) بعد قوله: (من جهة الطب).
[ ١ / ٣٧ ]
والأوَّل قولُ أكثرِ العلماء؛ لعموم الأدلَّة؛ فإنَّها تشمل المشمَّس وغيره، ولأنَّ سُخونته بغير نجاسة، أشبه المشمَّس بغير قصد، والمشمَّسَ في البِرَك والسَّواقي والمسخَّنَ بالطَّاهرات؛ لأنَّها صفة خُلق عليها الماء، أشبه ما لو برَّده.
وحديث عائشة ﵂ في بعض طرقه إسماعيل بن عَيَّاشٍ، وفي بعضها الهَيْثَمُ بن عَدِي، وفي بعضها وهْبُ بنُ وهْبٍ أبو البَخْتَرِي، وكلُّهم ضعفاء، قال النَّووي: (هو حديث ضعيف باتِّفاق المحدِّثين) (^١)، ومنهم من يجعله موضوعًا.
وخبر عمر أيضًا ضعيف باتِّفاقهم؛ لأنَّه من رواية إبراهيمَ بن أبي يحيى.
ويَعْضُدُ ذلك: إجماعُ أهل الطِّبِّ على أنَّ استعمال ذلك لا أثر له في البرص، ولأنَّه لو أثَّر لما اختلف بالقصد وعدمه.
(أَوْ بِطَاهِرٍ)؛ كالحطب، نصَّ عليه في رواية صالح وابن منصور (^٢)، وقاله أكثر العلماء؛ لعموم الرُّخصة، وعن عمر: «أنَّه كان يسخَّن له ماء في قُمْقُمٍ فيَغتَسِل به» رواه الدَّارقطنيُّ بإسناد صحيح (^٣)، وعن ابن عمر: «أنَّه كان يغتسل بالحَمِيم» رواه ابن أبي شيبة (^٤)، ولأنَّ الصَّحابة دخلوا الحمَّام، ورخَّصوا فيه.
_________________
(١) ينظر: المجموع للنووي ١/ ٨٧.
(٢) ينظر: مسائل ابن منصور ٢/ ٤٥٦.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٦٧٥)، وابن أبي شيبة (٢٥٤ - ٢٥٥)، والشافعي في الأم (١/ ١٦)، وأبو عبيد في الطهور (٢٥٥)، وابن المنذر في الأوسط (١٦٦)، والدارقطني في السنن (٨٥)، والبيهقي في الكبرى (١١)، قال الدارقطني: (هذا إسناد صحيح)، وقال ابن الملقن عن بعض أسانيده: (صحيح على شرط الشيخين)، وصححه الألباني في الإرواء، وقد علقه البخاري بصيغة الجزم في باب وضوء الرجل مع امرأته وفضل وضوء المرأة (١/ ٥٠). ينظر: البدر المنير ١/ ٤٣٣، إرواء الغليل ١/ ٤٨.
(٤) رواه عبد الرزاق (٦٧٦)، وابن أبي شيبة (٢٥٦)، وأبو عبيد في الطهور (٢٥٦)، وابن المنذر (١٦٧)، وإسناده صحيح، قال الألباني في الإرواء ١/ ٥٠: (سند صحيح على شرط الشيخين).
[ ١ / ٣٨ ]
وكرهه مجاهد؛ لأنَّه ﵇ «نهى عن الوضوء بالماء الحميم» (^١).
وذكر في «المستوعب» و«المغني» و«المحرر»: أنَّه إن اشتدَّ حرُّه كُرِه، وعليه يُحمل النَّهي عن الوضوء بماء الحَميم إن ثبت؛ لكونه يؤذي أو يمنع الإسباغ.
ومن نُقِل عنه الكراهة علَّل بخوف مشاهدَة العورة، أو قصد التنعُّم به، وهذا إجماع منهم على أنَّ سخونة الماء لا توجب كراهة.
(فَهَذَا) إشارة إلى ما سبق؛ (كُلُّهُ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ، يَرْفَعُ الْأَحْدَاثَ)، جمع حدَث، وهو ما أَوْجبَ الوضوءَ أو الغسلَ، (وَيُزِيلُ الْأَنْجَاسَ)، جمع نجَس - بفتح الجيم وكسرها -، وهو في اللُّغة: المُسْتَقْذَرُ، يقال: نَجِسَ ينجَس كعَلِمَ يعلَم، ونَجُسَ ينجُس كشَرُفَ يشرُف.
وفي الاصطلاح: كلُّ عين حرُم تناولها على الإطلاق في حالة الاختيار مع إمكانه، لا لحرمتها، ولا لاستقذارها (^٢)، ولا لضررٍ بها في بدن أو عقْل.
فاحترز ب (الإطلاق) عما يباح قليله دون كثيره؛ كبعض النبات الذي هو سم، وب (الاختيار) عن الميتة بأنها لا تحرم في المخمصة مع نجاستها، وب (إمكان التناول) عن الحجر ونحوه من الأشياء الصلبة، وب (عدم الحرمة) عن
_________________
(١) لعله يشير إلى الأحاديث الواردة في النهي عن دخول الحمام، فإن المصنف قال بعد ذلك: (ومن نُقِل عنه الكراهة علَّل بخوف مشاهدَة العورة، أو قصد التنعُّم به)، ويؤيده: قول السخاوي في المقاصد الحسنة ص ٤٣٣، بعد أن ذكر حديثًا في الحمام: (وكل ما جاء فيه ذكر الحمام؛ فهو محمول على الماء المسخن خاصة، من عين أو نحوها). ومن ذلك: ما رواه البيهقي في الكبرى (١٤٨٠٥)، عن طاوس: قال رسول الله ﷺ: «احذروا بيتًا يقال له: الحمام»، وهذا مرسل، ورواه البيهقي بعده (١٤٨٠٦)، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا، وقال: (رواه الجمهور عن الثوري على الإرسال)، ووافقه البزار، وقال الحازمي: (وأحاديث الحمام كلها معلولة)، ومثله قال العجلوني. ينظر: مجمع الزوائد ١/ ٢٧٧، الاعتبار للحازمي ص ٢٤١، كشف الخفاء ٢/ ٥١٦.
(٢) في (أ) و(و) و(ز): استقذارها.
[ ١ / ٣٩ ]
الآدمي، وب (عدم الاستقذار) عن المخاط والمني، زاد بعضهم: (مع سهولة التمييز) يحترز به عن الدود الميت في الفاكهة ونحوها (^١).
(غَيْرُ مَكْرُوهِ الاِسْتِعْمَالِ)؛ لأنَّ الكراهة تستدعي دليلًا، والأصل عدَمُه.
واستثنى بعضهم لا إن (^٢) تغيَّر بمخالطة عُودٍ، أو كافورٍ، أو دُهنٍ، أو بما أصلُه الماء، أو سُخِّن بمغصوب، أو اشتدَّ حرُّه أو بَرْدُه، أو ماءُ زمزمَ في إزالة نجاسة، أو بِئرٌ في مقبرَة، فيُكرَه.
(وَإِنْ سُخِّنَ بِنَجَاسَةٍ، فَهَلْ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا أطلقَهما كثير من الأصحاب؛ منهم أبو الخطَّاب، وفي «المحرر» و«التلخيص» و«الفروع»:
إحداهما: لا يُكره، اختاره ابنُ حامد (^٣)؛ لأنَّ الرُّخصة في دخول الحمَّام تَشمَل المَوْقود (^٤) بالطَّاهر والنَّجس، وأنه لم تتحقَّق (^٥) نجاسته، أشبه سؤر الهرِّ وماء سقايات الأسواق والأحواضِ في الطُّرقاتِ.
والثَّانية: يُكرَه، صحَّحها في «الرِّعاية» وإن بَرَدَ، ونصرها أبو الخطَّاب، وجزم بها في «الوجيز».
قال المجد: وهو الأظهَر؛ لعموم قوله ﵇: «دعْ ما يَريبُك» (^٦)، ولأنَّه لا
_________________
(١) قوله: (فاحترز ب (الإطلاق) عما يباح ) إلى هنا سقط من باقي النسخ.
(٢) قوله: (استثنى بعضهم: لا أن) هو في (أ): (ويستثنى ما). وفي (ب): من ذلك ما.
(٣) هو الحسن بن حامد بن علي بن مروان، أبو عبد الله البغدادي، أكبر تلامذة أبي بكرٍ غلام الخلال، وأخذ عن ابن بطة وأبي بكر النجاد وغيرهما، من مصنفاته: الجامع في المذهب، وتهذيب الأجوبة وغيرهما، توفي سنة ٤٠٣ هـ. ينظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١٧١، سير أعلام النبلاء ١٧/ ٢٠٣.
(٤) في (ز): الموقودة.
(٥) في (أ): وأنه لا تتحقق، وفي (ب) و(ز): وأنه إذا لم تتحقق.
(٦) أخرجه الترمذي (٢٥١٨)، والنسائي (٥٨١١)، من حديث الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄. وصححه الترمذي وغيره.
[ ١ / ٤٠ ]
يسلم غالبًا من دُخَانِها، وصعوده بأجزاءٍ (^١) لطيفة منها (^٢).
وقيل: إن ظنَّ وصولَ النَّجاسة (^٣) كُرِه، وإن ظَنَّ عَدَمَه فلا، وإن تردَّد فروايتان.
وفي «المُغْنِي»: (إن تَحقَّق وصولَ النَّجاسة إليه، وكان (^٤) يسيرًا؛ نَجِس. وإن تحقَّق عدم وصولها إليه، والحائل غيرُ حَصِين؛ كُرِه. وإن كان حَصِينًا؛ فقال القاضي: يُكرَه. واختار الشريف وابنُ عَقِيل، - وصحَّحه الأَزَجِيّ -: أنَّه لا يُكرَه).
فرع: إذا وصل دخان النجاسة، فهل هو (^٥) كوصول نَجَسٍ أو طاهر؟ مَبْنِيٌّ على الاستحالة.
وعنه: يُكرَه ماءُ الحمَّام لعدم تحرِّي من يَدخله، ونقل الأثرم: أحب أن يُجدِّدَ ماءً غيرَه (^٦).
فرع: لا تصحُّ الطَّهارة بماء مغصوب؛ كالصَّلاة في ثوبِ غَصْب.
وإن حُفِرت البئر بمال مغصوب، أو في موضع غَصب، أو فيما (^٧) ثمنُه المتعيِّنُ في عقد شراء به حرام (^٨)؛ صحَّ على الأصح.
_________________
(١) في (ب): وصعود أجزاء.
(٢) زاد في (أ) و(ب): وهذا ما لم يحتج إليه.
(٣) زاد في (ب): إليه.
(٤) زاد في (ب): (الماء).
(٥) قوله: (فهل هو) هو في (ز): فهو.
(٦) ينظر: الفروع ١/ ٦٤.
(٧) في (أ): في ماءٍ.
(٨) قال في مطالب أولي النهى ١/ ٣١: (ويكره استعمال ماء بئر بمكان (غصب) أي: مغصوب، (أو حفرت البئر به) أي: المكان المغصوب، ويحرم حفرها به وكذلك لو غصب آلة فحفر بها أرضه المملوكة له، أو أكره إنسانًا على حفرها فيكره استعمال مائها (أو) حفرت البئر (بأجرة غصب) أو بعضها).
[ ١ / ٤١ ]